:questionmark:في حديقة الحي :questionmark:
في حينا جارة عجوز ، تمتلك كلبا من الفصائل الغالية ، كان أبيضا صغيرا ، تتفنن بين فترة وأخرى بقصة جديدة له ، وبطوق جديد فتارة تراه متبخترا بطوق مرصع بقطع معدنية ، وطورا تراه بطوق أحمر معقود على شكل فيونكة حمراء صغيرة ، ومرة تراه بقصة تجعل لبدته الأمامية متكتلة ، وخصره خفيف الشعر محدد ، وذيله مكشكش غزير ، ومرة تراه وقد حلق قوائمه الأمامية على شكل متدرج .
كان صغيرا بالحجم ، ولكن له صوت مزعج حاد تستغربين صدوره من مثله .
كنت دائما أهابه ويتوارد بخاطري حين أراه قول الشاعر
لا تحقرن صغيرا في مخاصمة ...
إن البعوضة تدمي مقلة الأسد .
بالرغم من جميع محاولاتي التأقلم مع سيئات هذا البلد الأوروبي ، إلا أنني أقف عاجزة أمام تقبل تلك الكلاب .. أحمل في أعماقي كرها حقيقياً للكلاب عجزت عن تفسيره ، رغم أني لا أحمل ذكريات سلبية طفولية تولدت من مواجهة كلب !!
كانت الجارة العجوز فخورة جدا بكلبها ( هات ) ويستطيع المرء أن يضبط ساعته على مواعيدها اليومية في تنزيه كلبها ، ففي تمام الساعة الثالثة ظهرا ، أراها تمر متجاوزة نافذتي للذهاب بكلبها إلى الحديقة المجاورة ليتريض .
كانت تهتم جدا بتغذيته فأراها غالبا في السوبر ماركت وقد ملأت سلتها التسوقية بمعلبات أكل الكلاب التي تضارع في جودتها أكل الإنسان في هذا البلد ، فهي تحتوي على اللحوم والعظام المسحوقة ، ناهيك عن ( السناكس ) الخفيفه و( البسكويتات ) المغذية التي يقولون عنها في الإعلانات التجارة أنها تزيد من حيوية الكلب !!
ذات يوم مرت العجوز كعادتها اليومية إذا كان الجو مشمسا لترويض كلبها المحبوب ، نظرت للكلب فرأيت أنه نال قصة حديثة ، حانت مني التفاته إلى أولادي حفظهم الله ، فلاحظت أن شعورهم قد طالت ، وأنهم منذ فترة لم يخصص لهم وقت مستقطع خاص بهم في زحمة مشاغلي الدراسية ، ومشاغل والدهم .
أحسست بالحنق ، والحزن الممزوج بالأسف، ودار ببالي هذا السؤال ..هل تمتلك تلك العجوز من المسؤولية تجاه كلبها ، ما لا امتلكه أنا تجاه أطفالي المساكين ؟.
شددت العزم والهمة، ولم انتظر أو أأجل لدقيقة ما عزمت عليه، فذهبت بهم كلهم للصالون الواقع على بعد شارع من منزلي، وبعد ساعة من الزمن، خرج أولادي بقصة جميلة تهذب أشكالهم.
وقلت بنفسي :لقد تأخر الوقت ، سأذهب بهم غدا بإذن الله إلى الحديقة .
في الغد صادفت العجوز بالحديقة بكلبها الصغير الذي يحب التنزه ، لمحتها من بعيد ، تمشي الهوينى وتتوكأ على عصاها ، ترافقها عجوز أخرى ، و انحنت لتفك كلبها من لجامه ، وتطلقه ليجري هنا وهناك .
استقر بي الجلوس على المقعد الوحيد الموجود بحديقة الحي الصغيرة ، وإذا بالعجوز تأتي وتستأذن وتجلس على المقعد ، أومأت لها ، ولم أتكلم . كان المقعد واسعا لذا حملنا أنا والعجوزين ، ولم أضطر للوقوف وترك مقعدي لهما .
فتحت هي الحديث مع صاحبتها كالمعتاد من أهالي الكلاب ، عن كلبها المحبوب ، وكم بلغ من العمر ، وتحدثت عن خوفها عليه من البرد لأنها اضطرت قبل 4 أيام أن تدعه واقفاً في المطر، خارج مظلة الانتظار في موقف الباص ، لأن القانون يحتم عليها أن تبقيه خارجا ، وانتقدت القوانين التي وضعوها ضد الكلاب ، وأنها تضطر لتركه خارج السوبر ماركت ، وتضطر لتركه بمحل خاص للعناية أثناء سفرها لأن من الصعب أخذ كلب بالسفر بالطائرة ، وأن الدولة تحملها مسؤولية أي أذى يتسبب به الكلب حتى لو أهيج من بعض الأطفال ، لأنها وحدها المسؤلة عن إلجام كلبها . وذكرت أنها قدمت مذكرة لأحدهم – لم تسعفني انجليزيتي لفهم مركزه- لوضع حقوق أكثر للكلاب ، وأنها تحس أن الكلاب مضطهده !!
قلت بنفسي ، كلب يأكل أجود الأصناف ، ويحصل على أفضل القصات والأطواق ، وينام على مخدة من فرو فاخر .. وترى أنه مضطهد ، ويجد من يطالب له بحقوقه ( هنيئا لك يا هات .. فأنت تملك ما لا يملكه بعض المواطنين العرب في معظم البلدان ).
لم يعجبني توجه أفكاري ، لأني أسلمت نفسي كالعادة للمقارنة البغيضة ذاتها بين ما لدينا ، ولديهم ، فقلت بنفسي دعني أتأمل مارفعهم الله ، وما خفضهم به .
طرأ ببالي كالعادة أن أنظر إلى عيونهم ، دائما تطل منها النظرة الفارغة ذاتها ، سبحان الله ألا يقولون
أن العيون نافذة الروح
أقسم بأنني أرى نظرة فارغة جوفاء تطل من عيونهم وتحولها إلى قطع من الزجاج اللماع ، البراق .
نظرة أستطيع أن أشبهها بالنظر من نافذة مفتوحة تطل على منظر مفتوح لا يوجد به سوى الحيز الفضائي الموجود بين الأرض والسماء .
لا تظنوا أني أبالغ أو أتحذلق بالوصف ، بالفعل هذا ما أحسه حينما أنظر إلى عيونهم .
أمعنت النظر أكثر لأتأمل حالهم ، فتذكرت أن تلك العجوز غالبا ما تحمل كيسا ورقيا معها ، لأنها ملزمه أن تنظف مخلفات كلبها في الشارع ، وإلا كتبوا عليها مخالفة .
قلت بنفسي سبحان الله ، تجبروا على المسلمين بآلاتهم ، وعتادهم ، وأبى الله إلا أن يذلهم ويسخرهم للكلاب ، فأموالهم تذهب للصرف عليها ، ووقتهم يذهب في العناية بها ، وصحتهم يخاطرون بها لأجلها ، فالأمراض الصدرية والربوية منتشرة نتيجة شعر الكلاب المتطاير في المنزل ، وهم يأكلون معها بذات الطبق ، وينامون معها بذات السرير .
فسبحان ، من أعطاهم كل شيء ، ثم سخرهم بما أعطاهم للكلاب .:evil_lol: