توالت مكالماته .. كان يكلمني يوميا في المساء .. يسمعني اشعارا .. يتكلم في أي شيء.. حتى كدت لا افهمه بدى لي كمن يبحث عن نفسه لكن اين لا ادري .. في وجودي بحياته بين طيات الماضي.. لا ادري ولم يكن يهمني.. كنت سطرت لنفسي برنامجا منذ شهور اقوم به على سريري كنت استخدم يدي في كل شيء وو اذني طبعا لترقب أي كان اعرف ان طبيبي بالمستشفى بمجرد ان تطأ رجله بابها.. كنت اركز كثيرا في اشياء كهذه انتظر وقت النوم الذي كان عشوائيا بالنسبة لي .. انام متى سمحت لي الفرصة.. كان الطبيب ينزعج من نومي طيلة الوقت.. لم اجرب ولا يوم النهوض والوقوف على قدمي.. كنت اخشى فشلي في ذلك.. ربما لذلك كنت اتهرب من الوقوف.. كانت نقطة شائكة بيني وبين طبيبي.. كانت كثيرا ما يياس من التحايل علي ويلجا الى الاسلوب المباشر ليسالني لماذا ارفض الاكل لماذا ارفض الوقوف او حتى المحاولة لدرجة ان رجلاي شلتا من قلة الحركة والضعف.. لماذا لا اشعل التلفاز او حتى الراديو .. لماذا ارفض الزيارات بل اخلد للنوم وقت الزيارة.. كل هذه الاشئلة كان يطرحها علي
.. ولم تجد أي اجابة لدي..
بعد مرور حولي شهر بدات اتحسن قليلا لكن حالة التعفن كما هي لم تتغير .. كنت الفت جو المستشفى لم يعد يضايقني البقاء في تلك الغرفة اساس نسيت كل ما يخص العالم الخارجي الذي كنت اسمع عنه اصواتا من خلال النافدة فقط.. في يوم نهضت صباحا شعرت بانزعاج وثقل في راسي.. احسست ان شيئا ما يحدث بهذا الجسم الضعيف.. بعد مرور حوالي ساعة ازداد الالم .. كانت نفس النوبة التي حدثت لي خلال العملية الثالثة.. نسيت ذكر على الاقل ما قيل طبيا عن سبب اجراء العملية الثالثة.. حدث لي انفجار بالزائدة الدودية .. ولاني عولجت بمهدئات قوية والسائل بقي في جسمي ادى الى التهابات حادة بالامعاء...
قلت شعرت بالم في بطني .. خفت ان يتكرر ما حدث لي سابقا.. مع مرور الوقت ازدادا الالم.. وعاودني ذلك الصراخ الهستيري وادخلت للمرة الرابعة لغرفة الجراحة.. خرجت منها مساءا .. نظرات الياس كانت مرسومة على وجوه اهلي واصدقائي الذين لم يفارقوني منذ دخولي المستشفى اول مرة قبل 5 شهور..
في الصباح الموالي جاء الطبيب الجراح متفائلا قال انه هذه المرة ربما تكون هي الاخيرة لانه ازال كل ما كان يسبب تلك التعفنات.. وقال ان مرت 9 ايام بدون تعقيدات فانه سيكون اخيرا نجح.. وفعلا مرت تلك الايام بسلام.. كنت اعدها دقيقة بدقيقة.. واسعى جاهدة ان اكون هادئة حتى هاتفي اغلقته.. اساسا لم يكن بامكاني الحركة كنت على اتصال مباشر بعدة آلات
بدات اتحسن شيئا فشيئا عادت الحيوية الى وجهي.. اليوم قال لي الطبيب انه بامكاني الخروج غدا ان مر اليوم بسلام.. ففرحت وشعرت باستغراب.. اخرج الى الشارع الى الحياة الطبيعية بعد غياب حوالي 6 شهور... ماذا سافعل كيف ساتعود على العمل من جديد .. هل ساتمكن من المشي..
في ذلك المساء كنت انتظر صباحه بفارغ الصبر.. جاءت الممرضة لتغيير الضمادات.. كنت انتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر .. لان هان كانت الضمادات نقية يعني ان جرح العملية بخير وعلى ما يرام وان وجدت شيئا في الضمادات يعني ان الجرح بدا يتعفن..
بمجرد فتحها الضمادات.. شممت تلك الرائحة التي ما غابت عني.. طيلة 6 شهور .. اعرفها جيدا .. هي رائحة تعفني.. واحتراق قلبي بالخيانة والغدر.. هي الرائحة التي ضاع امامها كل شيء..
قلت للمرضة انها نفس الرائحة .. قالت لي لا ان هذا شيء عادي.. لكنها كانت محتارة اكثر مني ..ر بما هي كذلك يئست من حالتي.. فرجوتها ان تسال الطبيب.. بعد اصرار مني حضر الطبيب .. بدا يبتسم.. قال لي ما بك هل تجربين حبنا لك .ليس بك أي شيء.. قلت له لاباس تاكد فقط.. الغريب اني رايت مظهرا لم اره طيلة حياتي.. ولا حتى الطاقم الطبي رغم تقدم تجربتهم في هذا الميدان.. بمجرد وضع الطبيب يده على بطني.. وكان يبتسم ويمزح ويقول ها ة انظري ليس هناك أي تعفن انك بخير وستخرجين غدا ان شاء الله... و بينما هو يقلب بطني.. انفتق الجرح وخرج سائل اسود.. لم تكن قطرة كانت مثل الحنفية التي تنفتح بقوة.. يشبه خروج الماء من النافورة.. لم يصدق ولا واحد من الحضور ما شاهدوا.. كل هذه الكمية من الماء الاسود.. حتى ان الممرضة لم تتمكن من السيطرة عليه بالضمادات فاحضرت دلوا.. الطبيب بقي مندهشا.... وسالني ماذا تناولت.. فقلت له لا شيء فانا منقطعة عن الاكل بامر منك منذ يوم العملية أي منذ 10 ايام فقال من اين جاء كل هذا الماء.. ثم ادار راسه للحائط وقال لي انا الى هنا انتهت مهمتي معك لم يعد بيدي فعل أي شيء.. وخرج..