:detective2:لا أجد لها عنوان :detective2:
لا أدري ما لذي دفعني لكتابة قصتها لكم ...
امرأة أثرت بي كثيراً ، أدهشتني صلابتها ، وتعلمت من قصتها قسوة الحرب ، وما تخلفه من دمار في حياة إنسان بريء لم يذنب يوما ، إلا بأنه مختلف ..
في أوائل أيامي في البلد، كنت أضطر للخروج بأبنائي لتخفيف وحدتهم إلى الحدائق القريبة من البيت، وكان لي موعد يومي للذهاب بهم إلى إحدى حدائق الحي القريبة.
مره حينما كنت أدفع عربة أبنائي عائدة للبيت، إذا بي ألاحظ أن سيارة سوداء خلفي، لم انتبه أول الأمر، ثم لاحظت أنها تتبعني !!
ذعرت في بادئ الأمر فأنا وحيدة وغريبة ، ولا اعلم شيئاً عن طبيعة تلك البلد ، أخذت أردد آية الكرسي وأسرع بمشيتي بخوف ، فإذا السيارة مستمرة بتعقبي ، واذا بي اسمع صوت منبه السيارة ، وعبارة ( my sister ) !! تتكرر بإصرار .
توقفت والتفت ، فإذا بوجه امرأة متحجبة يطل من خلف الزجاج .. أبطأت مشيتي وتوقفت ، فتجاوزتني السيارة لتقف أمامي ، ونزلت منها امرأة ضخمة .
أول ما لفت نظري وقت نزولها تكوينها الجسماني المتين ماشاء الله ، طويلة تكاد تكون بطول الرجال ، وبنيتها العظمية ضخمة ، وأكتافها عريضة . بيضاء جداً ، وعينيها رماديتان .
كانت ترتدي خماراً طويلا يصل لركبتيها ، و جلباب . ابتدأتني بالسلام ، فرددت عليها التحية .
بدأت تسألني : هل تسكنين هنا يا أختي ، لقد لمحتك أكثر من مره من بيتي الذي يقع أمام الحديقة التي تنزهين بها أطفالك ، وأدركت انك جديدة بالحي ، ففرحت لأنني أحب التعرف والاجتماع مع المسلمات .
قلت لها : نعم ، أنا جديدة في البلد ، وأتمنى مثلك أن أتعرف على المسلمات في هذا البلد . إن بيتي يقع قريبا من هنا .. هل ترافقيني.
قالت : هل تحبين أن أوصلك .
قلت لها: لا ذلك صعب لأن المسافة قريبة جداً ، ولا تحمل عناء تحميل العربية في السيارة ، أنا سأمشي وأنت اتبعيني .
قالت : ولكن قبلا أحب أن تتعرفي على بناتي .
نادت بلغتها، فنزلت أربع فتيات، سبحان الخالق كيف أبدع بتصويرهن، شقراوات، جميلات، اثنتان كانتا ترتديان الحجاب رغم أن عمرهن لا يتجاوز العشر سنوات، ومن الواضح أن أعمارهم قريبة.
قالت لي تعرفني : خديجة ، فاطمة ، عائشة ، مريم .
قلت بنفسي : سبحان الله كم يحب الأجانب أسماءنا العربية ، خاصة التي تخص أمهات المؤمنين .
بعد قليل، وصلنا إلى البيت وهي تتبعني. ثم رفضت النزول لأنها مستعجلة في الذهاب لشراء مستلزمات رمضان، كان ذلك أول رمضان لي في هذا البلد قبل أربع سنوات.
ثم قالت: أحببت أن أتعرف على البيت، وسأزورك بإذن الله في وقت آخر، إما برمضان، أو بعده.
رحبت بها بأي وقت، وذهبت سعيدة جداً، لأنني تعرفت على جارة مسلمة تخفف عني وطأة الإحساس بالغربة وسط المسيحيين.
مرت الأيام، وتبادلنا الزيارات، ومنها تعرفت على قصتها، كانت ( بوسنية ) مسلمة، وتنقلت ببلاد شتى، ثم جاءت لهذا البلد ليجربوا حظهم فيه.
كان ما يلفت النظر بوجهها هو أن إحدى عينيها متورمة، وتقريبا مشوهة كأنها عوراء ، ولكنها ليست عوراء ،بل تهدل الجفن ، وبطء حركة البؤبؤ ، يعطي هذا الانطباع الأولى الذي سرعان ما يتبدد إذا تأملها الناظر .
كان ذلك العيب يقلل من جمالها الأخاذ. الذي ورثته بناتها ماشاء الله .
في أحد الأيام كانت عندي ، وتكلمنا في غلاء ذلك البلد ،وصعوبة العيش فيه ، وفجأة فرت من عينيها دمعه ، مسحتها بسرعة ، فأحسست أن أمورهم المالية ليست بخير .
أحببت أن اطمأن عليها ، وقلت لها : هل تعانون من صعوبة المعيشة هنا ؟ ألا يعمل زوجك ؟
قالت لي بلى يعمل، ولكن لديه إصابة شديدة بظهره، تتفاقم وتتطور وتهدده بأن يكون مقعدا في يوم ما، وهذا يسبب طرده بين وقت وآخر من عمله، لأنه أحيانا لا يستطيع مغادرة الفراش، فهو تقريبا معاق حركياً. وللأسف صنعته تتطلب جهدا جسدياً ، لأنها حرفية .
تألمت لحالها ، وبدا التأثر على وجهي ، فخففت عني بأن قالت ، الأمور في تحسن ، لقد قدمت على عمل في مدرسة تقع في منطقة ... ذكرت لي منطقة بعيدة نسبيا عن مكان سكننا .
قلت لها : لم لم تقدمي بمدرسة قريبة من بيتك ، لتتجنبي عناء الانتقال البعيد يوميا .
فقالت : لا أستطيع لأن هذه هي المدرسة الوحيدة غير المختلطة ، وزوجي يرفض أن أعمل بمكان مختلط .
قلت لها: ومتى ستبدئين العمل، قالت: لا أعلم فلم يجيبوني للآن.. وإذا لم يوافقوا، سنضطر للعودة إلى البوسنة.
تعجبت ، وقلت ولكن هناك إعانة حكومية تصرف لمن هم في مثل حالتكم .
قالت لي: نعم ، يصرفون لي ولبناتي راتباً ، ولكن زوجي يريد أن يعمل لأنه يقول أنه مال الكفار الذي يأخذونه من الضرائب التي تفرض على الكحول والسجائر ، والمكوس ( الجمارك ) ، وهي نقود ليس مصدرها حلال ، عوضا عن أنها من كفار ، لذا إذا لم نوفق في عملي وعمله سنعود لبلدنا .
يالله ، كم أكبرت تلك المرأة الصابرة ، وأكبرت عمق إيمان زوجها الذي يدقق وهم يعيشون على الكفاف نظرا لغلاء الأجار ، والمواد الاستهلاكية ، والملابس في هذا البلد غلاء فاحشاً ، ورغم ذلك يريد أن ينبت بناته نباتا حسنا من مال حلال .
تأثرت جدا ، وقلت لها : تأكدي من ترك لله شيئاً عوضه الله
ثم استطردت : أعجبني تفكير زوجك جداً ، فأنا أرى الكثير من المسلمين من الجالية الصومالية ، والسودانية ، وال ، وال ... يعيشون هنا على المعونة المالية التي تصرفها الدولة، ولا يفكرون تفكيركم العميق هذا في الحلال، والحرام.
قالت : نعم ، ولكن من بعد ما تحطمت حياتنا من الصليبيين أصبحنا نكره أن نأخذ منهم شيئاً ، لقد عشت قبل أن ننتقل هنا بالأردن ، ولكن زوجي فصل من عمله لعاهته . واضطررنا أن نختار هذا البلد المشهور بكونه من دول غير منحازة، ولا متعصبة ، ومشهور باحترامه للديانات المختلفة .
قلت لها : تعلمين كنت دائما أتساءل إن كنت قد حصلت على هذه الكدمة من الحرب التي كانت في بلدكم .
ردت : نعم ، وكذلك إصابة زوجي في ظهره ، لأنه في يوم ما ، تعرضنا لهجوم بكعوب البنادق ، أنا نلت ضربة على عيني هذه فأعطبتها ولله الحمد لم تخل بوظيفتها ، ولازلت أرى فيها ، وإن كان أضعف من قبل ، وزوجي تلقى ضربة على ظهره ،سببت له تهتكات يصعب علاجها بالعلاج الطبيعي .
أطلت التحديق فيها لأنني لم استوعب كم الألم في قصتها ، فكرت بنفسي يالله ، كيف يغير كعب بندقة ، وجندي حقير حياة أسرة كاملة !!
تأملت جمالها ، وذكائها إذ أنها تتحدث ثلاث لغات ، ويبدو على سيماها قوة الشخصية ،ورغم ذلك كان نصيبها الارتحال والتمزق والفقر والمعاناة .. بسبب حروب ظالمة .
لا إراديا بدأت شفتاي بالارتجاف دليل التأثر، واستطعت أن أسيطر على دمعه وأنا أتأملها، تنبهت ، وقالت : أوه لقد أزعجتك بحديثي ، لو علمت مدى رقة قلبك لما قصصت عليك قصتي الحزينة . حينما قالت كلامها هذا زادت تأثري ، فازداد انهمار دموعي لا إراديا ، لأنني أزداد إذا واساني أحدهم في الانتحاب ، ولا أدري لماذا فبدلا من أهدأ تزداد تعاستي حتى تهدأ تدريجيا .
اقتربت مني وأخذت تربت على كتفي بحنان ، كنت أشبه بمن ذهب ليعزي أهل ميت ، فأصبحوا هم من يعزونه ويصبرونه ليكف عن بكائه ، كان موقفا غريبا .
بعد أن هدأت ، قليلا ، قلت لها : هل تعلمين لم تأثرت بقصتك ؟
قالت لي : لماذا .
قلت لها : لأنني أحسست أن هذه الدنيا ليست عادلة ، فأنت جميلة ، ذكية ، وتعتنين بحجابك ، وتربين بناتك الصغيرات تربية إسلامية صحيحة ، وتبحثين عن الرزق الحلال ، وتطاردك المشاكل أينما ذهبت . وهؤلاء الأجانب يسكرون ويعربدون ، ويكفرون ، وتأتي الحياة لهم سهلة سائغة .
قالت لي بروية : يا أختي ، مالك ؟ الم يقل رسولنا الكريم أن المسلم مبتلى ليختبر الله قوة إيمانه ؟ ألم تسمعي بالحديث القائل " " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم،فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط " نحن رضينا يا أختي ، رضينا ونسأل الله أن يرضى عنا .
مرت أيام وشهور ، ونحن كالأخوات ، أحببت تلك المرأة جداً ، لأنها كانت عنوانا لقوة الصبر ، وتتالت عليهم المواجع ، فقد طرد زوجها ، ولم يلق عمل ، وظلوا يتخبطون لأشهر ، حتى جاءتني تودعني يوما ، وقالت لي أنهم سيذهبون بإجازة إلى البوسنة ، وأنهم خرجوا من بيتهم الإيجار ، لأنهم لا يعلمون ، إذا تحسنت أحوالهم هناك ، فسيبقون ، وإلا سيعودون لتلك الدولة .
تمنيت لو استطاعت أن تعطيني رقم هاتف ، أو أيميل ، ولكنها قالت أنهم لم يدخلوا الانترنت إلى الآن ولم تتهيأ لها الفرص لعمل إيميل ، لم يكن لدي إلا رقم هاتفها في هذا البلد ، والذي لازلت ليومكم هذا أحاول الاتصال به ، ولكنه مفصول ، فلم تعد ، وأسأل الله لها التيسير ، والسعادة ، والحفظ في كل خطوة تخطوها . وأن يسخر لها الأسباب ، لقد كانت تلك المرأة وكلامها سببا في هوان تلك الدنيا التي أراها تبرق أمامي هنا ، أصبحت حينما أرى جمال الأجانب ، وغناهم ، وطبيعتهم ، وتنظيمهم أردد الآية الكريمة ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ) .
فعلا لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضه، لما أعطى الكافرين هذا النعيم، وقدر الفقر على تلك المرأة المسلمة الصابرة المؤمنة، فلله الحمد على كل قضاء.
همسة خارج النص :
ترددت كثيراً قبل أن اكتب هذا المشهد ، رغم أن قصة تلك المرأة من أكثر القصص التي أثرت بي هنا ، والتي تستحق لما لها من روعة أن تعرض في الكوتالة ، ولكن ترددت بسبب أنني حكيتها كثيرا كثيرا ، بل لم أترك أحدا لم احكها له .
وبعض الذين حكيتها لهم سيعرفون الآن من أنا خاصة المغتربات اللاتي عرفنني على هذا الموقع ، والذي أعلم بمتابعتهن له ، لذا ترددت حفاظاً على خصوصيتي .
وما دفعني لكتابتها هو كلامكن ، ودفء شعوركن وتشجيعكن أحسست بأنكن أخواتي اللاتي أرغب بتشارك قصة تلك المرأة العظيمة التي أثرت في أيما تأثير معهن ، فليست قصة جوسي المكسيكي ولا الشاب النحاسي الشعر ، ولا الكلدانيون بأعظم من هذا المشهد .
لذا كتبته ولم أهتم بكل الأعذار التي انتحلتها لنفسي .وكتبته وكلي أمل أن تقرأه هي فعالم النت واسع مفتوح ، وهي تعرف القراءة بالعربية، وأتمنى أن تعلم أنني أتمنى أن اطمأن عليها وأعرف عنوانا لها .
تحياتي .