:detective2:بين السوبر ماركت ، وغرفة نوم أبني :detective2:
ماهي ، الأسس الصحيحة لإنشاء علاقة صادقة ، متينة ؟ مفاهيمنا الخاطئة حول تعديل السلوك أقصت من حياتنا روعة ( الاحتواء ) لمن نحب . ولكن قبل عدة أيام كنت خلف كوتالتي من جديد لأقتنص لكم هذا المشهد الذي أظن بأنه سيغير مفاهيمي تجاه كثير من العلاقات في حياتي .
يكثر الذهاب للسوبر ماركت في رمضان أكثر من غيره، ذهبت بصورة عاجلة لإكمال بعض المستلزمات الناقصة في البيت، وأخذت طفلي الصغير، كان السوبر ماركت يقع في سوق تجاري كبير، وفي السوق أيضا منطقة لألعاب الأطفال مصممة للصغار منهم.
بينما كنت أدف عربة التسوق هنا وهناك للتعجيل في الانتهاء بأقصر وقت، لاحظت أربع فتيات بلباس المدرسة، داخل السوبر ماركت، تعارض طريقي معهن فتنحين وهن يكثرن الثرثرة والضحك كعادة الأصدقاء في سن المراهقة الصاخب.
لاحظت أن اثنتين منهن يتبادلن نظرات لها مغزى ، تدل على العتب ، أو الزعل الشديد ، لا أعلم ولكن الناظر إليهما يحس أن الأجواء بينهم ملبدة بالغيوم .
لم اهتم وذهبت للمحاسبة رغبة مني بلحاق موعد الباص بسرعة ، وكنت أسحب طفلي بشدة حتى أمر بجانب الألعاب دون أن ينتبه ، فلا وقت لدي ، وكنت شديدة الغضب منه لأنه جعلني اشتري ماليس لي به رغبة تحاشيا لنوبة الصراخ المعتادة ، لأنني كنت بعجلة من أمري وليس بي ذهن صافي لتطبيق تعليمات كتب التربية الصارمة بخصوص مثل هذا الموقف .
كنت أمشي بصورة سريعة حتى لا ينتبه ، ولكن للأسف حانت منه التفاته ، وبدأ يجرني إلى منطقة الألعاب في السوق ، مرددا بنظرات متوسلة
( mammy I want to play ) . وهذه أحدى مساوئ الغربة إذ أصبح لا يتكلم العربية إلا نادرا.
تذكرت أنه يحس بالوحشة لأنه غاب عن أصحابه في الحضانة ، ولأن بقية أخوانه في المدرسة .
وتجنباً لحالة هستيرية أخرى رضخت للأمر ،فهو طفل قنوع ، ويكفي أن تعطيه ما يريد لبعض الوقت لتتجنبي عدة مشاكل أكبر لاحقا .:crazy:
حينما كنت بمنطقة الألعاب ومرت نصف دقيقة تقريباً، لمحت الفتاتين اللتين لاحظت نظراتهما في السوبر ماركت تدخلان للاستراحة التي تحتوي على مقاعد قريبة من منطقة اللعب، وكنت أجلس هناك، وكانتا تحملان بأيديهما مشروباً استقرتا على المقعد القريب مني لشربه .
استأنفتا حديثاً كان دائراً من قبل ، وكانتا تكملان الجدل حول علاقة إحداهما بشاب كانت تحذرها صاحبتها من أنه سيسيء إليها للمرة الألف بحسب تعبيرها .
وكانت تقول لها : سأخبرك أمراً ، أنني لن أكون هنا للتربيت على كتفك إذا جئت مرة أخرى شاكية منه ، لن أستمع هذه المرة لك، ولن أواسيك، لأنني حذرتك من هذه العلاقة .
ردت عليها الأخرى: أنني لا أطلب أن توافقيني بهذا الأمر، ولا أطلب دعمك لفعلي، ولكن أطلب دعمك لي شخصياً.. أنا لا أقول لك أن ترضي عن علاقتي، ولكن سانديني أنا ، لذاتي . أنت صديقتي .
سكتت الأخرى ،و قررت أن وقتي لايسمح للاستماع أكثر ، رغم أن تلك العبارة سكنت ذهني لساعات وساعات .
كثيراً، ما سمعتها تتردد في كلامهم، بين الابن وابنه، بين الفتاة وأهلها، طلب الحب والاحتواء بغض النظر عن أفعال هذا الشخص، ومساندته وعدم التخلي عنه حتى وإن أخطأ.
أعجبني هذا المفهوم كثيراً ، وتمنيت لو طبقناه في تربيتنا ، وعلاقاتنا ، وصداقتنا .
مساندة الشخص كشخص، بغض النظر عن أفعاله التي وإن كانت خاطئة لا تقلل من حبه ، ورعايته لدينا . وإلا فكيف سيتعلم الإنسان من أخطائه ؟؟
تذكرت قراراً سيئاً اتخذ في عائلة زوجي مفاده إقصاء أحد أبنائهم عنهم كمحاولة لرده عن سلوكه. وكرد فعل على عمل يرونه غير صحيح بالنسبة لهم ، وإن كنت أراه جداً بسيط ، ومن أبسط حقوق الفرد .
وكم نصحت أن يحتووه ، وأن فعلهم لن يزيده إلا عناداً و إصراراً، وفعلاً حصل ما أتوقع ، فقد قاطعهم لسنوات وسنوات ، ومازال .
تمنيت لو أن زوجي سمع ذلك الحوار... اذ ربما انعكس على مفاهيمه في احتواء أخيه ، ولم يقاطعه ، وان كان غير موافق على أفعاله بعد أن يبين له أن فعله خاطئ ، ولكن لايقصيه ، ويبعده كنوع من التربية .
************
أنا لا أدعو لمناصرة الفعل الخاطئ ، لا بل محاربة الفعل نفسه ، والنصح عنه ، دون محاربة الشخص المخطئ نفسه وإقصاؤه .
أعجبني مفهوم تلك الفتاة للصداقة ، حينما طلبت المساندة لذاتها هي ، لا لأفعالها ، طلبت حباً خالصاً ، وتقبلا لذاتها . لا تنال منه أفعالها ، ولا تنقصه أخطاؤها .
أشغلني مفهومها هذا ، وأعجبتني عبارتها جداً ، وظللت أرددها لساعات .
بعد يومين ، انتهينا من الإفطار ذلك اليوم ، وبعد أن توجه أطفالي للنوم، جلست لفترة أرتب وأحضِّر ، وأنتهي من أعمالي ، ومرت تقريبا نصف ساعة على دخول أطفالي لأسرتهم .
حينما كنت أمر بالممر المواجه لغرفة نوم ابني الأكبر ، سمعت نشيجاً مكتوماً ، وبكاءً من قلبٍ محروق .
فوجئت ، وهبط قلبي ، فتحت باب الغرفة ، و تسرب لداخلها بعض النور من الممر ، نظرت إلى سرير ابني ، فوجدته قد أخفى وجهه باللحاف ،ممسكا به بشدة تجعدت معها أطراف اللحاف ، ولاحظت بأنه يرتج بالبكاء من تحته .
كشفت الغطاء عنه ، ففوجئت بمنظر الدموع الكثيرة التي تنهمر كشلالات تغطي وجهه ، وترسم عليه خرائط البؤس والشقاء .
جلست إلى جانبه بهدوء وسألته عما به ، وعما يبكيه ، فلم يصرح لي لأن ابني هذا برغم حساسيته وكونه اجتماعي من الدرجة الأولى ، فهوكتوم جدا ،يصعب استخلاص الحقيقة منه ، باختصار وصفة جيدة لابن أتوقع أنه سيكون جنوبي .
بعد محاولات، ومناورات، وتدليل، وحنان، قال لي أنه يبكي لأن صديقه المفضل سيسافر نهائيا للسعودية، وهذه طامة بالنسبة له لأنه الصديق الحميم له ، ولعل لعامل تشابه الجنسية أيضا دخل في قوة هذه العلاقة.
أخذت أردد له أسماء أصحابه، وقلت له إذا ذهب لفترة سيعود، وإذا ذهب نهائياً تستطيع اللعب مع فلان، وفلان، وفلان.
فقال لي : ماما تعرفي أنا ليه أحب (....) أكثر شي .
قلت له: لماذا ؟
قال : لأني أساعده ، وهوا يساعدني .
قلت له : ساعد غيره .
فقال : لا ، هم يعرفون الدروس ، هو ( ....) إلي دايما أساعده .
تأملت به لفترة ، وقلت بذهني ، نعم ياصغيري رعاك الله لقد لخصت مفهوم ( المساندة ) الذي هو أساس الصداقة الجيدة .
جلست لنصف ساعة أخرى أحاول أقناعه بمحاولة الاندماج أكثر مع مجموعة الأصحاب ، وطمأنته إلى أن صاحبه سيذهب لفترة وسيعود بإذن الله ، و بعد جهد جهيد هدأ ، وخف بكاؤه ، واستسلم للنوم ، وهو ينشج نشيجاص قوياً يهز بدنه . تأملته بعمق ، وأنا أفكر ، ما أجمل صداقة الأطفال .
( تحياتي )