كان يوما مشحونا مليئا بالإرهاق ، توقفت في منتصفه على قارعة الطريق متكئة على جدار المحطة بانتظار قدوم القطار ، لفت نظري وجود مجموعة مكونة من فتاة مراهقة ، شاب عشريني ، امرأة بمنتصف العمر ، وكانوا يتبادلون حديثا ضاحكا تختلط به عبارات من لغة عجيبة ، و عبارات من اللغة الانجليزية ، واللغة العربية !!
نظرت إليهم بصورة سريعة حينما جذبتني اللغة العربية لأستكشف جنسيتهم، وأحدد لغتهم الغريبة ، ولكني لم أميز شيئا يدل على هويتهم ، قلت بنفسي ، ليسو لبنانيين ؟ ليسو أتراك ؟ لعلهم أكراد، وما جعلني أتوقع ذلك أن العبارات العربية كانت بلهجة عراقية..
ركبت معهم بنفس المقطورة حينما أتى القطار ، دفعت عربية أطفالي ، وجلست بمقعد مواجه للمرأة الكبيرة ، وحييتها ،، قبل أن المح (الصليب ) القابع على أعلى صدرها ، وصدر الفتاة التي ترافقها ، فاستغربت أكثر لأني اعرف أن أغلبية الأكراد مسلمين ؟
ردت التحية بابتسامة في عينيها، وبدأت بسؤالي عن وجهتي ، فأخبرتها ، ثم سألتني بالانجليزية عن جنسيتي فذكرتها لها ، وارتسمت بعيني الشاب والفتاة الذين يرافقونها نظرة كره لا تخفى على الناظر لهما ..
سألتها : هل أنتم أكراد ؟ فأجابت : لا نحن كلدانيون .. من العراق . قلت لها :كلدانيون أم آشوريون ؟ قالت : لا كلدان .
تعجبت : قلت بنفسي كنت أعتقد أن كلدانيي العراق من قبيلة (كلدة ) العربية ، وقد وقعت بهذا اللبس لربطي دون معرفة بين الأسمين ، لذا تعجبت من اللغة التي يتكلمونها وتساءلت بيني وبين نفسي ( اليسو عرب )؟
قلت لها : وانتم من كلدة العربية أليس كذلك . قالت لي بأنفه : لا من قال لك ذلك ، نحن لسنا عرب ، نحن آرميون ، لم نكن يوما عرب .
قلت لها : ألان فهمت سر اللغة الغريبة التي تتحدثونها لقد ظننتها كردية ، قالت لي : لا، لا نتكلم الكردية ، ولكن لغة قديمة أصلها سرياني .
قلت لها : اعرف أن الآشوريين ، والكرد هم القوميات المختلفة عن العرب في العراق . قالت لي : ولماذا ألغيت الكلدانيون ؟ ماذا تعرفين أيضا عن العراق القديم ؟
أجبتها : قرأت عن حضارة بابل ونبوخذ نصر ، وتشييده لحدائق بابل المعلقة ، وقرأت كثيرا عن ملحمة قلقامش ، أعجبتني جدا .
ابتسمت وأظهرت دهشتها الشديدة ، وقالت : تعرفين عن عراقنا القديم أكثر من أولادي العراقيون لأننا تركنا العراق من قبل خمس وثلاثين سنه ، ولا استطيع حملهم على الاهتمام بتاريخهم القديم .
قلت لها :لأنني أحب القراءة بالآداب القديمة ، والحديثة ، وقد شدتني هذه الملحمة القديمة جدا لأنني أرى فيها عبرا إنسانية جديرة بالتخليد .
أخذتنا الأحاديث لاستعراض تلك الملحمة وتأييد بعض مواقفها والتساؤل عن بعض رموزها ، وصححت لي معلومات مغلوطة لدي .
في أثناء الحديث المتقطع بيننا كنت ألمح رجلا يجلس في المقعد المجاور البعيد في نفس المقطورة، وكان يبدو في عينيه التسلية.
حينما انقطع حديثي مع السيدة ، فوجئت بالشاب الذي معها يعلق تعليقا بلغتهم ، أثار ضحك الفتاة بسوقية ممجوجة ، وأثار غضب السيدة التي تتحدث معي ، فوجهت له عبارة غاضبة جعلته يصمت .
جاءني إحساس لا يخطئ بأنه شتمني ، أو على الأقل علق بتعليق ينتقص مني أثار إعجاب وضحك الفتاة ، وغضب المرأة .
التفت له ، وقلت : عفوا هل تستغل جهلي بلغتك لتعلق علي تعليق غير لائق ؟
أطلت من عينيه نظرة استهزاء واستخفاف ، وكأنه يقول : ظني ما تشائين ، ولن أجيبك .
الموقف أثار استياء وحرج المرأة التي كانت تكلمني ، واعتذرت بقولها : لا لم يقل شيئا عنك .
قلت لها : عذرا إحساسي لا يخطئ ، ومن الواضح أن حديثنا هذا سيحتد لأنني أرفض أن أكمله مع أناس يتحدثون خلفي بما يسئ ، ونظرت لها وقلت لها : سرني الحديث معك .
ودفعت عربية أبنائي لأغير مكاني ، ونظرا لأن القطار كان يتحرك ، فلم أستطع الابتعاد كثيرا عن مكان جلوسهم ، فاستقر بي الجلوس بعد ثلاث مقاعد مقابلة ، وكانت بجانب الرجل العجوز الذي كان ينظر إلينا بتسلية خلال حديثنا السابق .
قال لي بعراقيته المحببة : شلونتش بنتي ، هسه أرد أفتهم ليش تهتمين ؟
التفت إليه محرجه لأنه عربي ، واستمع لحواري مع الكلدانيون سابقا ، أجبته : لا شيء إلا أنني أكره أن يتكلم عني أحد بلهجة لا أفهمها ويلقي علي النكات وأنا جاهلة .
قال لي : شتريدين بيهم ، عدائهم إلنا ديني قبل يكون قومي ، عادونا لأجل الدين أولا ، ولأننا ألغينا حضاراتهم القديمة بحضارتنا العربية ... شتعرفين عن العراق العربي ؟
قلت له : لم أزر بحياتي العراق ، ولكني أعشق بغداد الرشيد ، ونخلة المتنبي ، وكوفة أبي العتاهية ، أعرف كل جزء من أجزاء العراق ، وأحس أنني عشت بها من خلال أبيات الشعراء العباسيون التي تحمل رائحة العراق ، وتخلده في ضمير كل عربي . وختمت كلامي بالعبارة التي أحبها (آه ياعراق .. الناس سكرى بهواك ) .
نظرت بعيني الشيخ العجوز ، فإذا بها تترقرقان بالدمع ، أحرجت منه جدا ، وصمت لأنني أحسست بأني تماديت وأهجت ذكرياته الهاجعة .
مسح العجوز عينيه بيده ، وتحامل على نفسه . واخذ يتحدث لي عن الأصول والعرقيات المختلفة بالعراق ، واستعرض بعضا من الحضارات التي مرت عليها ، وتحدث عن سبب حقد بعض القوميات المختلفة لنا بالذات كسعوديين ، صحح لي بعض معلوماتي الخاطئة .
لقد جلست مع هذا الشيخ جلسة التلميذ لأستاذه ، استفدت وذهلت من كم العلم الذي يعرفه ، وطريقته البسيطة العميقة التي يحلل فيها الأمور . ولهجته العراقية التي اعشق سماعها.
شعرت بالأسف على انقطاع دفق العلم الذي كان يمدني بمعلومات غزيرة حينما توقف القطار عند المحطة التي يريدها العجوز ، وتحامل على عصاه التي كان يحملها ، وودعني بإشارة من يده .
وصلت بعد جهد إلى بيتي ، وحمدت الله على وصولي قبل أن أقع أرضا من التعب ، تذكرت موقف الكلدانيين ، فأصابني الغم ، حينما دخلت عند زوجي سلمت عليه ، سألني عن يومي ، فقلت له : الموقف ، ثم حكيت له موقفي مع الشيخ العراقي ، وقلت عنه : رجل مثقف ماشاء الله كلمني كثيرا عن الحضارات المختلفة التي مرت على أرض العراق ، أضاف إلي الكثير.
نظر إلي زوجي بنظرة يصعب أن أصفها، نظرة من يقترب من الإصابة بالجنون، يختلط فيها الذهول بعدم التصديق. وهتف بي بذهول : هل تكلمت مع رجل عربي ؟؟
قلت له : غريب ، لماذا تحدد ؟هل يختلف الأوروبي عن العربي ؟ كلهم رجال ؟
رد قائلا والذهول لازال يرافقه : هل سمحت لنفسك أن تكلمي رجلا عربيا ؟ كنت أتجاوز عن كلامك مع الرجال الأجانب للحاجة، ولتصقلي لغتك الإنجليزية ؟ ولكن هل تبادلت حديثا مع رجل عربي ؟
قلت له : لماذا تكرر وتعيد وتزيد ؟ قلت لك رجل عجوز أحب أن يصحح معلوماتي عن .. قاطعني قائلا : ولماذا تفتحين مجالا لسرد معلوماتك أمامه ليصححها ؟ قلت له : لقد سمعني أثناء حديثي مع المرأة الكلدانية . قال لي : ماشاء الله.. وعن ماذا حدثك ؟
قلت له : عن ملحمة قلقامش .
سكت وأحسست من نظرته أنه يريد خنقي قال لي حانقا : تتريقين كمان ؟
قلت له : لا فعلا تحدثنا عن الملحمة ، وسرد لي تاريخ العراق السومري ، والآشوري .
رد : رجاء ، لا تحادثي بعد ذلك رجلا عربيا ، وأردف قائلا : لا والمصيبة معك الأولاد ، ماذا أفعل أن رآني بعد ذلك وعرف الأولاد؟ لأني أحتك كثيرا بالجالية العراقية المسلمة هنا .
قلت له : هل معنى ذلك أن غيرتك التي دائما تحاصرني ، وتخنقني بها ،منشأها غيرتك على نفسك وصورتك أمام الرجال ، منشأها أنك تغار إن عرفوا أنني زوجتك التي تكلموا معها ، وليس منشأها الغيرة علي شخصيا ؟
أجابني بالصمت، نظرت إليه أطلب الإجابة، فردد لي قائلا: لا تتكلمي مع عربي بعد الآن، هل فهمت.
قلت له : فهمتك ، وليتني لم أفهم .
بانتظار تعليقكم على المشهد .