الحلقة الثالثة(الجزء الأول)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...أما بعد:
كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا حضرت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه ،فقيل له مالك؟قال :فيقول جاء والله وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها أنا..
صلاتهم تختلف عن صلاتنا، لأن مشاعرهم تختلف عن مشاعرنا..
ونحن نريد ن نزيد من عباداتنا القلبية لنتلذذ بالصلاة أكثر..
وقد تدرجنا من حضور القلب إلى الفهم ..
وفي الحلقة الماضية دخلنا في الرجاء..
واليوم نريد أن نعادل الرجاء بشعور آخروهو*الهيبة*
والهيبة نوع من أنواع الخوف،وهذا الشعور يكون على أنواع..
وقبل أن ندخل به تذكروا أننا إلى الآن ماكشفنا
المفتاح السحري للخشوع وسنكشفه قريباً في الحلقات القادمة،،الذي سوف يغيركثيرا من صلاتك..
أما اليوم فسنتكلم عن الفرق بين:
الخوف والخشية والهيبة...مشاعرنا الجديدة
لقد فرق بينها ابن قيم الجوزية رحمة الله عليه تفريقاً جميلاً
فذكر أن الخوف... هو الهروب من المخوف منه..
أما الخشية...هي خوف ولكنها مع علم..فإذا زاد علم العبد بربه صار خوفه خشية..
ولهذا تلاحظوا أن الله تعالى قال :
(إنما يخشى الله من عباده العلماء)
أما الهيبة..فهي خوف مع علم وتعظيم أيضاً..
فأنت مثلاً تخاف من النار ولكن لا تهابها لأن خوفك سببه خوف الإيذاء وليس تعظيم..فأنت لا تقول
النار لها هيبة) لا
أما والدك فأنت تهابه لأن شعورك اتجاهه عبارة عن خوف مع تعظيم
فتقول والدي له هيبة..
فإن قلت لي: أنت تريدنا في الحلقة الماضية أن نرجو الله والآن تريدنا أن نخاف منه،كيف نجمع بينها؟ الجمع بينها سهل
الجمع بين الرجاء والخوف مسألة سهلة لا يحتاج فيها الأمر إلى تعب ..
ونحن نجمع بين الخوف والرجاء في المخلوقات...عندما نتعامل مع المخلوقين نجمع بين الخوف والرجاء...فكيف لا نجمع بينهما مع الخالق..
ألا ترى ان الرجل يكون مديناً لرجل آخر ولكنه طيب..الدائن طيب
فالمدين يقر بأنه مدين وأنه يجب عليه أن يدفع ولكنه يرجو منه أن يسقط الدين،وهو يطمع فيه لأنه طيب..
وألا ترى الطالب يكون عند المدرس الطيب المتسامح فيقدم في الإمتحان تقديماً سيئاً فيخاف من تقديمه ولكنه في نفس الوقت يرجو أن ينجحه المدرس لأن المدرس طيب..
نفس الشيء..أنت تعترف بذنبك فتخاف منه ،وتقر به ،ومع ذلك ترجو كرم الكريم..مثل سيد الإستغفار:
(اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ،خلقتني وأنا عبدك ،وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ،أعوذ بك من شر ما صنعت،أبوء لك بنعمتك علي ،وأبوء بذنبي فاغفر لي ،فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)
أنا مذنب وأنت كريم...وكل شيء إذا خفته فأنت تفر عنه إلا الله تعالى...فالله سبحانه وتعالى إذا خفته فررت إليه..
قال تعالى:
( ففروا إلى الله)..
وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك)
ومن دعائه أيضاً:
(أعوذ برضاك من سخطك،وبمعافاتك من عقوبتك،وبك منك، لا أحصي ثناء عليك،أنت كما أثنيت على نفسك)
قال ابن القيم:
"ولا يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية إلا الراسخون في العلم ،ولو استقصينا شرحها لخرجنا بكتاب ضخم،ولكن إن دخلت في هذا العلم لرأيت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"
إنها عظمة الله
والهيبة هي أعظم مراتب الخوف...
وربنا سبحانه له هيبة عظيمة لا يعلمها إلا من هزته تلك الهيبة..
هيبة لا تقاربها هيبة...
والذي يقف بين يديد يشعر به بوضووووووووووح...
جبريل بقوته الذي لو بسط جناحا من أجنحته لسد الأفق(يعني الشمس لا ترى) وهو له 600 جناح... ومع هذا أنظروا ماذا حدث عنه النبي صى الله عليه وسلم:
(مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى، وجبريل كالحلس البالي،من خشية الله)
هيبة..
والحلس هو القماش الذي يوضع تحت الدابة..والبالي القديم..
قال ابن قيم:
"من الملائكة من هو ساجد لله لا يرفع رأسه منذ خلقه الله،ومنهم راكع لايرفع رأسه من الركوع منذ خلقه الله إلى يوم القيامة...وإنهم يقولون يوم القيامة
سبحانك ما عبدناك حق عبادتك"
كان زين العابدين علي ابن الحسين رحمه الله تعالى إذا توضأ يقولون يصفر وجهه ويتغير..فيقال :مالك؟ فيقول :تدرون بين يدي من أقوم؟
والخوف من الله يزيد في قلب العبد لسببين اثنين:
علم العبد بربه،وعلم العبد بنفسه...
أما علمه بربه:يعلم أنه عظيم وذو كبرياء وجبروت ،لا ينبغي له أن يعصى،ولا ينبغي له أن يخالف..كل شي تحت قهره وسلطانه..
الكون والمجرات والنجوم والملائكة،كل هؤلاء يمشون بنظام دقيق
ما يخالف واحد منهم أمر الله ولو مرة واحدة منذ أن خلقهم الله عز وجل ..فمن أنا ومن أنت حتى نخالف أمره أو نخرج عن هذا النظام
ولهذا فإن الله تعالى يهز عباده ويقول لهم :
(مالكم لا ترجون لله وقاراً)
ننتقل إلى الركن الآخر من الهيبة في الجزء الثاني..