:icon26: بين حماقات المراهقة :icon26:
كانت هوايتي وأنا مراهقة قبل النوم تحديداً، أن أقرأ إحدى الروايات العاطفية التي كان تموينها ينقطع أحيانا، نظراً لشح الموارد بسبب منعها لدينا في السعودية، ولكننا لم نعدم الوسائل في تهريبها ، أو تصويرها ، وتناقلها بين بعضنا البعض حينما كنت بالمرحلة المتوسطة والثانوية.
بعض الأحيان كنت استعيض بخيالي لنسج قصة غرامية ، بين بطلين ودائما لا أكون البطلة فيها .:bleh:
كنت أحب أن أتخيل الأحداث ، والأشكال ، والعقدة ثم الحل ، ومنذ ذلك الحين نشأ ولعي بالقصص الغرامية ، وإن كانت شحيحة في مجتمعنا السعودي المحافظ .
ولولعي بقصص الغرام ، كان لي هذا الموقف المراقب لقصة غرام مراهقين في المدرسة الثانوية .
في العام الماضي ، كنت أضطر لأخذ باص من معهد مهارات متنوعة كنت مسجلة به لأتعلم الطبخ بعد رجاء زوجي الحار بأن أجد حلا لفشلي المتكرر بالمطبخ – والذي لازال مستمرا ولله الحمد -** استرو ما واجهتم ** ، وكان طريق هذا الباص ، يمر على التوالي بمدرسة ثانوية ، أحياء سكنية ، محطة توقف لتجمع الباصات ، وينتهي بمول تجاري ضخم . وبطريق هذا الباص كان بيتي بالتأكيد .
كان لسوء الحظ موعد خروجي وركوبي الباص ، يتواكب مع موعد خروج المدارس ، ومنها المدرسة الثانوية ، لذا كنت أضطر أحيانا للمعاناة من ازدحام الباص الذي كان يمتلأ حين مروره على الموقف الذي أمام المدرسة الثانوية ، بالطلبة المراهقين بضجيجهم ، وصخبهم الذي لا يحتمل ، استمتعت في أول الأمر بمشاهدة سلوكهم ، والتعجب من لباس الطالبات المدرسي المغري الذي لا تتجاوز التنورة فيه منتصف الفخذ ، وكنت كثيرا ما أتساءل كيف يتحملن البرد ؟ ألا يحسون ؟:crazy:
لفت نظري دائما مراهق نحاسي الشعر ، يملأ النمش وجهه ، لم يكن مليحا ، ولكن له حظ عظيم مع الفتيات ، ولا ادري ما السر؟ فملامحه تذكرني بالممثل (ليوناردو ديكابريو ) بجفونه المنفوخة ، وأنفه الأخنس، وملامحه الغلمانية .
كانت الفتيات يتجمعن عليه ويحادثنه ، ويحاولن سؤاله عن بعض الواجبات ، ولا يرتحن إلا بوعد منه بالمساعدة ، أو المهاتفة .
كان يطبعه طابع الإهمال والتراخي سواء في المشية ، أو الجلسة ، أو الكلام ، ونظراته تنطق بالملل ، وتصرفاته مع الفتيات يسمها البرود ، واللامبالاة بتلك أو بتلك من المتهافتات عليه _ وهن كثر - .:1eye:
ضقت ذات يوم بضجيج الصبية والصبيات ، فقررت أن أتأخر عن موعد الباص المعتاد لأتجنب مقابل ربع ساعة من الانتظار ، ذلك الضجيج الذي لا يطاق .
بعد فترة من الوقت ، تمتعت فيها بالهدوء ، لا حظت وجود فتاة أخرى تدل ألوان ملابسها بأنها من مدرسة مختلفة عن المدرسة التي كان يتزاحم طلابها سابقا بالباص ، وكانت دائما تختار آخر صف من المقاعد ، لتشبك سماعات الجوال بأذنيها ، وتسرح ، كانت ذات مظهر عادي ، وقصة شعر من طراز ( الإيمو ) بلونه الأسود ، والخصلات الطويلة من الجانبين لونها وردي فوشي .
فوجئت بعد مضي أيام على حالي الجديد الهادئ ، بأن الصبي نحاسي الشعر وصاحب الشعبية لدى الفتيات ، كان معي بالباص الثاني الذي يتأخر كثيراً عن الأول حينما يمر على المدرسة ، استغربت أول الأمر ، تحاشيه لأصحابه ، ولكني اعتدت بعد بعض الوقت على وجوده ، وكان الباص يومياً يقلنا بنفس الوقت ، وكنت غالبا ـ أغادر قبله لمحطتي .
كانت الصبية سوداء الشعر ، تغادر قبلي لمحطة توقفها ، وغالباً ما تخرج من الباب الخلفي للباص ، وذات يوم قررت أن تخرج من الباب الأمامي ، وكانت تلك المرة الأولى التي تلمح فيها الصبي ذو الشعر النحاسي الذي كان يجلس عادة في منتصف الباص .
حينما لمحها بدت على ملامحه وملامحها الدهشة ، وكأنهم يستغربون أخذهم للباص يوميا ، دون أن يلمحا بعضهما ، لاحظت أن مشية الفتاة تباطأت حينما مرت بجانبه ، ورمقته بنظرة محايدة ، ولكنه سلط نظراته المتفحصة عليها ، وكأنه يتأمل شيء جديد وممتع ظهر له فجأة .
حينما نزلت من الباص كانت لازالت نظراته تلاحقها ، والغريب أنها نزلت ثم استدارت بنفس اتجاه مشي الباص لتكمل طريقها ، وكانت تتبادل النظرات مع الصبي ، الذي أدار وجهه ليلاحقها بنظراته.
كان الرائي المتأمل لهما يحس بتيار الانجذاب الأولي بينهما من طيلة تحديقهما ببعض ، قلت بنفسي (آآآه، لامووووغ ) وتذكرت قصص الحب الخيالية التي كنت أنسجها بخيالي وقت المراهقة .
في اليوم التالي لم أرى الفتاة ، وحينما مر الباص في موقف الباص لمدرسة الصبي ، لاحظت أنه يدخل ويوجه نظراته فوراً إلى المقاعد الخلفية للباص . فاستغربت ، وأخذت أتساءل ترى مالذي دفع هذا الصبي المحاط بشتى أنواع الشقراوات ، والسمراوات ، أن ينتبه ويبحث عن تلك الفتاة العادية المظهر ؟ ياترى هل لأنها جديدة ، أم لأنها ذات نظرات هادئة يتضح منها أنها فتاة تميل للوحدة ؟
بعد ذلك أصبحت أغير موقع جلوسي للمواقع الخلفية المرتفعة في الباص ، لأني توقعت أني سأشاهد قصة مجانية للحب بالباص ، أخذت أراقب سذاجة الحب الطفولي في مراحله الأولى .
في اليوم الذي يليه ، حين ركوبي الباص ، لاحظت وجود الفتاة في مقعدها اليومي ذاته ، بنفس السمة الانعزالية ذاتها ، وبنفس المظهر الحزين .
كان يوما ممطرا ً ، وأتى المطر فجأة بمنتصف النهار ، ولم تكن الفتاة ترتدي معطفا للمطر .
وبعد ركوب الفتى بفترة توقف الباص عند المحطة التي تنزل لها الفتاة غالباً ، وحين مرت من أمام مقعد الصبي فوجئت بأنه يقف ، ليعرض عليها مظلة المطر الصغيرة التي تحمل غالبا في الجيب تحسباً لتقلب الجو الذي تشتهر به تلك البلدة ، مصراً عليها أن تكمل الطريق بها ، لأن بيته قريب من موقف الباص ، ولن يحتاج لها ، قائلاً أن بإمكانها إعادتها له في المرة التالية شرط أن يكون الجو صحوا !!
تقبلت منه الفتاة المظلة ، وأخذتها منه بعد محاولتها الرافضة المترددة لبعض الوقت ، وماكان منه إلا أن رافقها إلى وقت نزولها من الباص ، ونشر المظلة على رأسها ، وأعطاها لها ، وشيعته بعبارات الشكر المعتادة ، واعدة إياه بإعطائه الشمسية بأقرب وقت .
وهكذا تم التعارف .:icon26:
في اليوم التالي ، لاحظت أن الفتاة تجلس بمقعد مختلف قريب لمنتصف الباص هذه المره ، وحينما صعد الصبي ابتسم لها وذهب مباشرة لمقعدها ، ليجلس بجانبها ، ويسألها عن يومها المدرسي ، شكرته وقدمت له مظلته ، وغاصا بحديث طويل ، لم تكن تصلني منه إلا عبارات متقطعة ، تدل على أنهما يوطدان التعارف .
غبت عنهم لعدة أيام ، وحين رجعت للمعهد ، لاحظت أن الفتى يتجه لحظة ركوبه الباص ، إلى مقعد الفتاة ، وغالباً ماكان يحمل بيده بعض ( السكاكر التي يدعونها لالوز ) لها ، ومرة جاء حاملا وردة بيضاء بيده .
في أحد الأيام ، كانت الفتاة متجهة الى الباب لتنزل وفجأة ارتطم بها أحد المغادرين الذي لم ينتبه لقدومها، وكان شابا وسيما ، فتناثرت حبات السكاكر على الأرض ، فانحنت لتتدارك تساقطها بنفس الوقت الذي انحنى به الشاب ، فارتطم رأسيهما ببعض ، أدى الى ضحك الراكبين .
كان الكل يضحك الا اثنان ، الفتى النحاسي الشعر ، والفتاة التي كانت تنظر بوجل الى مكانه ، وكأنها أحست بضيقه المحتمل من الموقف . وفجأة وقف ، واتجه لمكانها ، وقال لها بلهجة محايدة ، لاداعي لجمعه.. سأنظف المكان بعدك.
فانسحبت بعد أن ربتت على خده باسترضاء وشكرته .
بعد ذلك بفترة ، لم أعد أحتاج الذهاب للمعهد إلا أنني ذات يوم لمحتهما بالسوق التجاري الذي ينتهي له موقف الباص ، بملابسهما المدرسية متخاصران ، مما أنبأني بمستقبل العلاقة .
شاركوني بحماقات المراهقة إن كان لكم تجارب :msn-wink: