المشهد الثالث
:icon26:في موقف الباص :icon26:
كانت جميلة كالحلم ,, عندما رأيتها لأول مرة لم أصدق أن تجتمع تلك العذوبة ، والجمال في إنسية أبدا .. حتى نبرات صوتي شابها الانبهار حينما رددت تحيتها أول ما رأيتها .. طفلة في الثالثة عشر من عمرها .. لم يكن الجمال فقط ما يجذب فيها ، لكن تلك الابتسامة المشرقة التي لابد أن تترافق وضحكة كتغريد العصافير .
كانت لا تبدأ جملة من جملها دون أن تسبقها بتلك الابتسامة، من الأشخاص الذين تنتقل إليك موجة من السعادة حين تراهم ، ولابد أن ترتسم في عينيك ابتسامة لحظة وقوعها عليهم .
كنت غالبا ما أراها في موقف الباص القريب من المكتبة التي أرتادها ، دائما مغردة ، دائما مبتسمة كأنها لتوها قد حصلت على جائزة .
اندفاعها المحبب يجعل المتحدث لها يغفر حماقاتها أحيانا التي تتدخل فيها بما لا يعنيها، ولكنها تحمل للمتحدث شعورا بأنها تهتم لذلك تسأل ..
ذات يوم طاب لي أن أسألها عن مستواها الدراسي ، قلت لها ، أنت دائما مبتهجة ، قالت نعم ، قلت لها من الرائع النظر إلى شخص مثلك ، أنت من الناس الذين ينثرون البهجة حولهم ..
أجابت كعادتها بضحكة مغردة ، قالت نعم ينتظرني مستقبل باهر ، قلت لها : ماذا تحبين أن تفعلي حينما تكبرين ،قالت أريد أن أصبح راقصة بالية ! ولكن صديقاتي يقلن لي أن رقص البالية يحتاج لبنية صحية قوية ، وأنا أعاني مع بعض المشاكل المتعلقة بالقلب !!
صدمني ما قالت .. أحسست بالشفقة تجاه تلك الطفلة الحيوية ، وسألتها : ألا يضايقك ذلك ، قالت بابتسامة مشرقة في عينيها : لا أنا رائعة كالأميرة الحقيقية .
لا ادري لم أحسست بأن هذه الحيوية والتفاؤل مبعثها تعامل جيد من الأم التي تعاملت مع هذه الطفلة ، وتقبلتها بصحتها الضعيفة ، ولم تشعرها يوما أنها أقل من أن تحقق ما تحلم به .
ودعتها ونزلت للحضانة التي أضع غالبا فيها أولادي الصغار ،، وحينما دخلت قوبلت بوجوه متحفزة تنبأ الناظر إليها بأن شيئا ما قد حدث ، تجاهلت النظرات الخائفة من المسؤلات ، وتوجهت للموظفة التي أحب أن ائتمنها على صغاري ، فوجئت بها تضع طفلي ذو الثلاث أعوام بغرفة خاصة وتداعبه بلعبة خشبية وتخاطبه بالكثير من الجمل ، دخلت لأسألها سر عزلها لطفلي عن الأولاد ، فقابلتني بابتسامة تطمئنني أن طفلي وقع على رأسه من لعبة ما ، وهي تراقبه منذ نصف ساعة للتأكد من تجاوبه ، شكرتها على حرصها ، فقالت لي ، نعم كيف لا نهتم بملائكتنا الصغار .. قلت لها: هل لديك أي أطفال، قالت لي: لا ، قلت لها : ستكونين أما رائعة تعاملك مع الأطفال ممتاز ، قالت : نعم أنا أحبهم كثيرا ، ولكني لا أستطيع إنجابهم ، لدي مشاكل تمنعني .. وحينما عرفت ذلك قررت أن أعمل بمكان مليء بالأطفال .
لا ادري لم مر بذاكرتي حينما سمعتها جارتنا في بلدنا العربي التي حرمت من الإنجاب ، وكانت تعاني العصبية ، والقلق ، والانعزال عن العالم لإحساسها أن بها شيئاً ناقصا ً ، أذكر جيداً نصيحة أختي بأن لا أدعها تمسك أولادي إلا بعد أن أحصنهم خوفا من عينها لأنها ستحسد من أوتي نعمة لم تؤتها !! عرفت فعلا الفرق بين مجتمع يحاصر أي شخص معتل ، ويجعله إما بنظرات الشفقة ، أو بالحسرة على حاله مقيدا أسيراً لمرضه . وبين مجتمع يدع الناس وشأنها ليبنوا سعادتهم دون الإحساس بأنهم أقل من غيرهم.
تعلمت فعلا من وراء كوتالتي فن التمتع بالحياة ، وتجاوز المرض أو العيب ، والانطلاق للسعادة التي لن تأتينا إلا حينما نبعثها من داخلنا .
تحياتي.