المشهد التالي ...:cupidarrow:
:idea:في بيت جارنا ...:idea:
كثيراً، ما لفتني منظر رجل يحمل طفلة صغيرة ترتدي فقط قميص ، وكولون قطني ثقيل ، يتنزهان معنا في الحديقة المجاورة للبيت ، حينما كنت أخرج بموعد أسبوعي لتنزيه أطفالي في الحديقة .
كنت أستغرب من ملابس الطفلة ، وأتساءل : لماذا لا تلبسها أمها دائما سوى القميص والكولون بدون تنورة ، أو بنطلون ، لأن البرد أحيانا قارس ، وملابس الفتاة ليست ملابس مناسبة للجو .
لم أر الفتاة لمرة مع أمها ، بل غالباً ما لمحتها تتنزه مع رجل يبدو لي في منتصف الأربعينات .
كنت أبتسم من منظره وهو محتار في ربط شعر الفتاة إذا انزلقت الربطة منه، وغالباً كان تمشيط شعر الفتاة مضحكاً، خاصة إذا كانت مربوطة الشعر.
تعملت من ذلك الرجل طريقة عناية مميزة يتميز فيها الرجال فقط في التعامل مع أبنائهم ، لأنهم يدفعون الطفل للمخاطرة ، ولكن يتابعونه في كل شيء ، فذلك الرجل ، رغم أن الفتاة صغيرة في الثالثة من عمرها ، وجسمها ضئيل جداً ، إلا انه كان يدفعها لتسلق الألعاب الحديدية التي خصصت للأطفال الأكبر سنا ً ، وكان يجعلها تلهو وتركض وهو يتابعها من بعيد ، حتى إذا اقتربت من الجدول الصغير الموجود في الحديقة ، يركض مسرعا ، ومناديا لها لتنتبه ، فتستجيب له وترجع .
طريقته كانت مختلفة تماما عن الأسلوب الحذر الذي كنت أتعامل فيه مع أولادي وقت تنزههم لدرجة أنني كنت افسد عليهم متعة اللعب من كثرة التحذيرات والتوعد بعدم اصطحابهم ثانية إذا ذهبوا باتجاه كلب ، أو ركضوا باتجاه الجدول مخافة أن يغرقوا ، أو تسلقوا الألعاب العالية وتشقلبوا في الجو ، لدرجة أن الكبير منهم كان يمل مني ويطالب بالعودة للبيت تخلصا من خوفي وتحذيري المستمر له ، وصراخي وتحسبي مع كل حركة خطرة يقوم بها .
بعد أن تأملت طريقة ذاك الرجل الذي كان كثيراً ما يصادفنا وقت العطلة الأسبوعية ، تعلمت أن أدعهم يلهون وأن أتابع بدقة ، وأن لا أجلس أبداً بل أتابعهم ، ولا احجر حريتهم ، فهم أطفال يريدون العبث والجري ، واللعب .
ذات مرة كانت الدنيا غائمة ، وفجأة بدأت السماء تمطر، وكنت أجمع أطفالي بسرعة ، وأضع عليهم القبعات الصوفية ، وألمهم تحت المظلة ، ونظرت باتجاه الرجل فإذا به يلهو بمتعه تحت المطر ، وابنته تضحك بصوت عال وتغرف الطين المتكون من المطر وترمي به عليه ، وهو يضحك ، وأنا مصعوقة من الأريحية ، التي تعامل معها مع الموقف .
غمغمت بنفسي : قاتل الله الرجال، هو يلهو معها بالطين لأنه ليس من سيغسل ملابسها بعد ذلك، يا للأم المسكينة التي ستعاني من رجل مستهتر مثله إذا وقعت ابنتها وكسرت رجلها ذات يوم، أو غرقت في الجدول..
وأصدرت حكماً سريعاً على الرجل أنه غير أهل لرعاية الطفلة .
ذات يوم لاحظت أنه يستخدم الدراجة الهوائية دوماً للقدوم إلى الحديقة بصحبة الفتاة ، وكانت له طريقة مميزة لم أراها من قبل ، وهو أنه يضع الفتاة على فخذه ويمسك بها بيد ، ويسوق باليد الأخرى وتضل الفتاة ترتفع وتنخفض مع رجله التي تدوس عجلة الدراجة ، ولكنه بنفس الوقت كان يهتم بتلبيس ابنته الخوذة الواقية على الرأس .
في يوم من الأيام، تعطلت آلة جز العشب لدينا ، وكان زوجي قد أهمل قصه لدرجة أن صاحب المنزل تذمر ، واشتكانا لدى مكتب التأجير ، وألزمونا بأن نقص العشب بخطاب رسمي ، لأن ذلك مخالف لتعليمات البلدية .
بينما كان زوجي يحاول في الخارج إصلاح الآلة ، مر ذلك الرجل راجعاً من الحديقة المجاورة ، وكانت تصاحبه ابنته ، فوجئت بزوجي ينادي الفتاة باسمها ، ويتكلم كأنه يعرف ذلك الشخص معرفة وثيقة ..
وتداول معه الأحاديث قليلاً ، ثم عرض ذلك الشخص أن يقرض زوجي آلته ، وأن يجز له العشب إن أردا لأن طراز آلته مختلف وأكثر تعقيداً من آلتنا البسيطة .
وطبعا الجنوبي الكسول أبدى الرفض الممانع ، وإن كان يطمع بالراحة من وراء ذاك العرض ، وانتهت المداولات على أن يجز لنا الرجل العشب ،حتى يعرف التعامل مع الآلة ، بشرط أن نرعى ابنته ( إيما ألوها ) وللمعلومة اسم ( ألوها ) ايرلندي معناه ( الحب )
المهم الشرط أن تبقى لدينا ( إيما ) فترة الساعة التي يستغرقها الجز .
حينما أتى لي زوجي بالفتاة، وأخبرني قصته مع جز العشب وجارنا الذي تطوع لجزه، سألته مستغربة، لماذا أتى بالفتاة إلينا، لماذا لم تمسكها أمها ؟
قال : سأحكي لك قصته ، هذا الرجل زميلانا في ( كلاس ) معين لمادة معينة في الحاسب في الجامعة وهو يعمل بوظيفة مرموقة ، ولكنه أحب أن يأخذ كلاسات في المادة لدعم أدائه في العمل ..
أخبرني زوجي أن ذلك الرجل يسكن لوحده مع ابنته ، لأنه مطلق ، بعد أن استحالت معيشته مع زوجته الشابة المستهترة ، والتي تنازلت له بطيب خاطر عن الفتاة الصغيرة ، وأنه يحاول بالأم أن تأتي للسكن بجواره لترعى معه الطفلة ، وحتى لا تحس الطفلة بفقدان حنان الأم ، ولكن تلك الأم ترفض وتقول أنها تريد مسح خطئها معه ، وتتناسى الفترة التي كانت تعيشها معه ، وتتناسى معها طفلتها لأن طفلتها تذكرها بمعاناتها .
أجبت زوجي : كثيرا ما كنت أراه بصحبة الفتاة ، وكنت أتساءل عن تلك الأم التي لا تلبس طفلتها إلا قميص وكولون ، ولا تجيد ربط شعرها .
قال: مسكين ، هو يضع الفتاة بالحضانة دوام كامل ، وفي العطل يحاول العناية بها بقدر استطاعته .
لا أدري لم أحسست بالحزن والشفقة على الاثنين، وتغيرت مقاييسي تماما في الحكم على الرجل الذي اتهمته بالاستهتار سابقاً في رعاية الطفلة، فهو يلهو مع ابنته وتتسخ ملابسها وهو الذي سيغسلها..
يترك ابنته تمارس حريتها برعاية منه ، وليس لأنه مستهتر لأنه أيضاً سيعتني بها في حال مرضت أو سقطت ، ولكن لأن له طريقة رجولية في التعامل مع الطفل تتشابه مع بقية الرجال في التخفيف من الحذر ، بجانب الرعاية الكاملة ، لينطلق الطفل ..
وجدت أن طريقته تشبه طريقة زوجي في التعامل مع أطفالنا ، وطلبه الدائم لي بأن لا أفسد متعتهم بالتحذير الدائم ..
بعد لهو الطفلة التي كانت حيوية ومحبوبة جداً مع أبنائي أخذها زوجي ليسلمها أبوها .
وحينما رجع ، قال لي : قلت له أن يلبس الطفلة شيئاً غير القميص والكولون ، فاعتذر قائلاً بان ذلك خطأ منه ، وهو بحاجة لكثير من التعليمات في رعاية الطفلة . فطلب منه زوجي أن يسألنا عن أي شيء يشكل عليه خاصة إذا مرضت الطفلة ، ولم يعرف ما بها ، فشكره واعداً إياه بذلك وذهب حاملاً طفلته بسعادة .
بعدها بعد فترة ليست بالوجيزة لمحته ثانية ، وقد البس ابنته بنطلون جينز ومعطف صوفي علاوة على القميص المعتاد .
أحيانا يكون الأب ، أحن من الأم على الأطفال ، وأحيانا يكون الأطفال أحسن مع أبيهم لا أمهم. استغربت حنان ذلك الأب ، مقابل قسوة قلب الأم .
تحياتي .
بانتظار تعليقكم على المشهد :c045: