من نبض البطولة.. ( قصة )

الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
الفصل التاسع ..


في ذات ليلة قد اشتد فيها الظلام..و تعالت صيحات البرق لتمزق صمت الوجود..و لتسقط على إثرها أمطارا غزيرة ..تكاد تغرق الريف بحقوله..

رميت بجسدي المنهك على فراشي..و أخذت أحملق في الوطن و الذكريات..شعرت بلحظتها بأن سقف الغرفة يكاد يسقط ليجثو على صدري..

تركزت أنظاري على(موبايلي)..
فأنا على موعد لسماع صوت ليث ( قائد جبهتنا ).. لأسمع منه ما استجد من تطورات..
و لأرى إن كان قد سُمح لي أخيرا بالعودة إلى أرض الوطن..فقد مضى علي أربعة شهور و بضع أيام..و لست أستطيع تحمل الفراق أكثر..

فأخذت أ ُمني نفسي بالرجوع عاجلا..و أخطط لما سأشتريه من الهدايا لأهلي..

"أممم ...سأشتري الشال الحريري الذي رأيته في ذاك المتجر لوالدتي..و ربما سأشتري تلك السترة إلى فاطمة..

اممم و ماذا سأشتري إلى وليدها المنتظر..ربما لعبة صغيرة..أو حذاءا يقيه من البرد.."
قطع علي الموبايل أفكاري..
فالتقطته مسرعا..لا أكاد أصدق أنه أخيرا قد رن..
و أني أخيرا سأسمع خبر الإفراج عني..لأعود إلى أرض الوطن..و لأرتمي بين أحضان أحبائي..

و بعد تبادل تحية مقتضبة سريعة..جاءني صوته متلعثما منقبضا..

- " الوضع السياسي الراهن في المنطقة لا يسمح لك بتاتا بالرجوع..على الأقل في هذه الفترة "
- " ها؟؟!! نعم!!!"

هززت رأسي غير مصدقا لما يقول..فطلبت منه أن يعيد ما قال..فربما لم أسمع جيدا..
و كدت أنفجر غاضبا ..أو ربما منهارا..بعدما تأكد لي أنني سأقضي بضع شهور أخرى في هذا الجحيم..

- " أرجوك يا ليث..دبرني..لست أستطيع الاحتمال أكثر"
قلتها متوسلا..
- " تجلد يا هذا..قريبا ستعود..أعدك بذلك.."

بعد هذه المكالمة..شعرت بأن الأرض باتت رحى تدور تحت قدمي..و هموم الكون كلها باتت كأنها جبال قد انهدت على صدري...

و لأنني كنت أشعر باختناق شديد..آثرت الخروج من هذا النزل..لأهيم على وجهي دونما وجهة معينة..أرمي بوجهي إليها..

كانت الساعة تشير إلى الثانية فجرا..و كان الظلام حالكا جدا..و المطر كان يتساقط بعنف..معبرا عن غضبي قبل أن يعبر عن غضب الطبيعة..

و فجأة..
فلاش سيارة مسرعة كان يقترب مني..كانت قادمة على الشارع السريع في الاتجاه المعاكس..
و مع أني حاولت تفاديها برمي نفسي على حافة الشارع..إلا أنني فقدت وعي..و ما عدت أتذكر أي شي..

يتبع >>
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
الفصل العاشر..


استيقظت بعدها ذات صباح..
و ما أصعب أن يستيقظ المرء ليجد نفسه في عالم غريب عن عالمه الذي نشأ فيه و ترعرع..

و ما أصعب أن يفتح عينيه..ليجد نفسه غريبا مكسر الأعضاء..دون أن يكون أحدا من الأهل حوله..

إذ لا أم تتواجد معه في هكذا محنة..لتحتضنه و تبكيه..و لا أخت مشاغبة تتمازح معه..أو حتى لتغرقه بحنانها الفياض..

و لولا تواجد أمجد و علياء و أم محمد..و حنين (التي كانت تلازم فراشي بصورة شبه دائمة ) و التفاف هؤلاء الأحبة حولي في هكذا محنة..لربما ما تمكنت من الصمود..و التماثل للشفاء..

فقد شفيت من جروحي..سريعا لأخرج من زنزانتي في هذا المستشفى..إلى زنزانتي الأكبر..في هذه الغربة المرة..

و كان أول ما أشاره علي أمجد ..هو أن أسعى سريعا للاستقرار العاطفي..فهذا ما أنا بأمس الحاجة إليه ..في هذه المرحلة الحرجة..

و لأن شرارة حب صادقة كانت قد اضطرمت في قيعان قلبي اتجاه حنين.._ذاك الملاك الذي أسرني و سبى لي القلب و الوجدان_..

فقد راقت لي الفكرة..بل راقت لنفسي كثيرا..
فأسرعت بمفاتحة أم محمد برغبتي في الاقتران بابنة أختها..
فما كانت منها إلا أن باركت لنا علاقتنا..و دعت لنا بدعاء الأم الحنون..بالسعادة الأبدية..

و هكذا تم زفافي..دونما طبول تدق..أو أهازيج تترنم..

دونما أن أسمع زغاريد أمي ..أو أرى ابتسامتها و دموعها الفرحة بي و هي تزفني إلى حيث عروسي..

عوضا عن كل هذا..عن أن أسمع التهاني و التبريكات لي بهذا الزواج المتواضع..

جاءني في ليلتها صوت القائد باكيا..


ليخبرني بأن سامي قد استشهد..و أن الحرب قد اضطرمت نيرانها..على حين غرة..
و أنه قد تم قصف بعض المدن الساحلية بالصواريخ مساء أمس..
و الكثير الكثير من الأطفال و المدنيين ..قد راحوا ضحية هذا الهجوم المباغت..و ضحية لإرضاء رغبة سيدة العالم المتغطرسة..

سرعان ما أغلق القائد هاتفه ليتركني في حيرتي و وجومي..و لأطالع عروسي في ليلة زفافي بعينين باكيتين..

- " إنها الحرب يا حنين..الحرب.."
- " يا إلهي..لن يمسهم أي سوء.. سيكونون جميعا بخير.."
- "سامي استشهد..سامي مات.."

و بهتت لحظتها في مكانها..بل شرعت هي الأخرى في البكاء..

دمار و سفك دماء الأبرياء..هكذا دوما عرفنا الحرب..و هكذا ستظل للأبد ..رمزا للدمار و الفناء..

و لكن إلى متى سيستمر هذا الظلم ؟؟!! إلى متى سنقف مكتوفي الأيدي !! لا نملك سوى النحيب..البكاء..و ربما لطم الخدود..أو شق الجيوب..
إلى متى علينا أن نرضخ بالعدوان؟!! إلى متى جهود العرب تكتفي بالتصفيق لمثل هؤلاء الأنذال؟!!

أو لا يكفي أننا يا أمة العرب قد خسرنا قدسنا بالأمس..عندما تكاسلنا و تخاذلنا عن نصرتها..
لنسمح لهم اليوم..بسلب الأرض و الوطن منا..و ربما في الغد القريب ..سنسمح لهم بسلب ذاتنا ..و ربما حتى أحلامنا منا!!!
يتبع >>
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

غاليتى / ابنة الشهيد

ما زلنا نتابع

ولكن ما لاحظت هنا بعد إذنكِ

انكِ لم توضحى لنا طبيعة تلك المهمة الموكلة لبطل الأحداث مع رفاقه

وأى بلد ذهبوا اليه؟

ولم يصفه بالجحيم؟

فالأحداث تتمحور حول علاقة الشخصيات بعضها ببعض بمعزل عن المكان

وأغلبها يدور حول حنين البطل لوطنه وأهله الغائب عنهم

عذرا منك غاليتى على الإطالة

وشكرا لرحابة صدركِ

تحيتى
 
عزيزتي أروى ..
لم أكن أرغب في تحديد بلد معين.. أو مدينة معينة .. أو قرية معينة ..
كنت أرغب باضفاء عنصر الشمولية .. فالقصة هذه ممكن أن تحدث في القدس .. في العراق.. في افغانستان.. في مصر.. في أي بلد عربي.. قد يتعرض أو تعرض لظروف الحرب..

كتبت القصة هذه في بداياتي.. في عام 2003.. و أعتقد أني كنت متأثرة بأحداث العراق و ما يحدث فيها..فربما هي من حركت مشاعري في الكتابة عن الحرب و أهوالها ..

القصة درامية و تعبير عن مشاعر الابطال..و ما قد يمر عليهم من مختلف الظروف النفسية القاسية أيام الحرب.. و ربما الغربة و فقد الأحبة أقساها على الاطلاق..

شكرا عزيزتي على المتابعة .. تواجدك يسعدني ..
 

ابنة الشهيد .. شدني عبق هذا النص كثيراً ..
ثمة روحُ جهادية في ثنايا حرفـه .. حيث هو المذاق الأدبـي الذي يشدني بقوة ..

ابنة الشهيد .. معجمكـ يزخم بالثروة اللغوية .. وهذا ما ترجمه كل سطرٍ عنكـِ ..

بارك الله فيك وفي قلمك المعطـاء .. أنا مع كل حرف .. مع كل همس .. مع كل نَفَس ..

استمري .. متابعون بإذن الله ..

احترامي

 
رائعه القصه واصلي فكلنا شوق للمزيد منك

تحياتي لك
 
ظبية الاسلام.. كلماتك أطربت روحي.. فأخجلتني..

لا حرمت من تواجدك في صفحتي..

 
أختي لاست دريم ..

كوني بالقرب من هنا.. بقي القليل جدا..

شكرا عزيزتي للمتابعة..
 
LaF77630.gif
 
الفصل الحادي عشر..


عشنا جميعا حالة من الذعر و الارتباك..و خوف شديد كان يلفنا جميعا..
فأعداد الشهداء بالألوف ..و أعداد أكثر و أكثر من الجرحى و المشردين..

كما أن رنين الهاتف في تلك الفترة كان يشكل رعبا لأي واحد منا..

إذ أن أي هاتف في مثل هذا الوضع قد يحمل معه خبر سيء.. أو مصيبة جمة..


و بالفعل..
فقد كان ذاك الهاتف المشئوم من قبل عمي..و الذي حمل معه خبرا ..كالصاعقة أو ربما هو أشد..

- " فاطمة ماتت يا ياسر..ماتت و هي تلد بوليدها الأول"
- ....
-" قلة التجهيزات الصحية في المستشفى في أيام الحرب هذه هي السبب..إذ حاولنا أن ننقذها من نزيف حاد صاحبها أثناء الولادة..و لكن..
- " لااااااا...مستحيل..فاطمة لم تمت..تكذبون...جميعكم تكذبون..حتى هذه الحرب مجرد كذبة أو ربما كابوس.."

قلت عبارتي هذه منهارا..فلم أكن أبدا لأصدق أن فاطمة تموت..
قبل حتى أن أرى وليدها..!!!
أو لم تعدني بأنها ستنتظرني إلى أن أعود..لأحمل وليدها بين ذراعي!!!!

آآه يا ربي رحمتك بنا ... رحمتك...

و لكم كنت أتمنى لو كنت أمتلك جناحين لأطير بهما إلى حيث والدتي فأواسيها و أقف معها في هذا المصاب الجلل...
و لكن محال..فأشواط و أشواط تمنعني من الوصول إليهم.

"يا ترى كيف هو حالهم؟!!! كيف هو حال والدتي و لا فاطمة معها بعد اليوم؟!!

و قد كانت هي السلوى الوحيدة لها على مر الزمن..

أم كيف هو حال حفيدتها ( وليدة الشهيدة ) وهي تفتح عينيها و لا أم لها تحتضنها و تراعيها!! "

عوضا من أن تنهل من ضرع أمها الحنون..فإنها تنهل طعم المرارة المشبع بالدمار و الدم..

و عوضا من أن تنام على صوت أمها و هي تهدهدها في مهدها الصغير..فإنها تنام على صوت صفارة الإنذار..و تستيقظ على صوت الصواريخ و دوي السلاح!!!


أي جيل ثوري هذا الذي سيكون!!! قد ولد ليشهد الدم..و الدمار و الحرب!!!


و توالت علي الأخبار السيئة تباعا..

فقد بلغني خبر استشهاد أحمد و منير..و غيرهم الكثير..

و لأنني اعتدت على خبر استشهاد أحبائي تباعا..فقد تجلد قلبي..و صار كقلوب أمهاتهم..
يزغرد فرحا بشهادتهم و هو في أعماقه يتفطر حزنا و ألما لفراقهم..

بل بت أنا الآخر أتوق إلى الشهادة و أتمناها..لعلي بها أجتمع مع فاطمة و محمود..سامي ..أحمد و منير ..

و ربما تحققت لي أمنيتي من حيث لم أكن أتوقع..
فقد أفقت ذات ليلة على صخب و ضجيج..لأرى جنودا في عقر داري..و هم يوجهون إلى أسلحتهم..
ليسحبوني بعدها من على فراشي سحبا..كأنني شاة تقاد إلى قصابها..

لم أعد أستطيع رؤية أي شيء..ما عدا دموع حنين..
لأنها كانت تتجسم أمام عيني و إن لم أكن في الواقع أراها..
فقد ضمد الأوغاد عيني ..و كبلوا يدي بالسلاسل ..

- " أرجوكم اتركوه..بل خذوني عوضا عنه..أو لتأخذوني معه "

هكذا صرخت حنين فيهم متوسلة ..و ربما جثت على ركبتيها تقبل أيديهم متوسلة..

- " اسكتي أيتها الملعونة..و إلا أفرغت في رأسه السلاح .."

و دوى في المكان صدى رهيب كان على إثر صفعة دامية..أدمى بها هذا النذل وجه حنين..

أما أنا فحاولت الثورة عليهم..و الثأر لكرامتي..و حرمة أهلي..


لكن كيف لي مقاومتهم..و أنا مكبل اليدين..موثوق العينين!!!
يتبع>>
 
الفصل الثاني عشر ( الأخير )..



في صباح أحد أيام يونيو الحارة ..و بعد مرور سنين و سنين على أيام الحرب ..

و قد ارتفعت الشمس الحارقة و اعتلت كبد السماء ..و رمت بأشعتها المتناثرة ..لتنير أرجاء المعمورة..و لتبعث بالحياة من خلف الدمار الذي قد خلفته الحرب..

كان الأطفال ( فاطمة و فارس ذوي الثمان أعوام ) يتراكضون و يتمازحون في صحن الدار..متناسين هموم الحرب و الدمار الذي قد خلفته..

في حين كانت حنين ( أم فارس ) تعد وجبة الإفطار...
و أم محمود كانت تقوم بتنظيف حجرة ياسر..

فعملية تنظيف هذه الحجرة المقدسة..هو روتين يومي..اعتادته منذ سنين..

على أمل أنه سيعود يوما قريبا..و لابد أن يجد حجرته كما غادرها..منذ ما يزيد على العشرة أعوام..

و إذ بجرس الباب يرن..
ليخيم صمت رهيب على المكان..فما اعتادوا أحدا من الزوار ..في مثل هذا الوقت المبكر..

و ربما هو إحساس الأم من نطق أخيرا..ليجعل أم محمود تقف في مكانها جامدة دونما حراك..واضعة يدها على صدرها..و قد أذنت لعينيها بالبكاء..

في حين أن لحنين حدسها هي أيضا..
فقد شردت بعيدا منذ أن سمعت هذا الجرس..فجرحت بالخطأ إصبعها بالسكين التي كانت في يدها..
ليذكرها لون الدم القاني..بأسطورة المعاناة التي اكتنفتهم جميعا على مر سنين الحرب ..

أسرعت فاطمة الصغيرة بفتح الباب..و إذ بأربعة رجال من ذوي البدل العسكرية كانوا هناك حاملين فوق أكتافهم نعشا شديد السواد..

ليلجوا إلى داخل الدار و من ثم لينزلوا ببطء ذاك النعش على أرض الفناء...

كانت الأم المصدومة ..واقفة جامدة في مكانها دونما حراك..فما زالت غير مستوعبة للموقف..

تطالع الحمام الخفاق حينا..و الذي كان قد تجمع على حافة التابوت..

رامزا للحرية أو ربما للشهادة.. و حينا آخر تنتقل ببصرها إلى ما داخل التابوت..

و في حين أن عينها كانتا قد اغرورقتا بالدمع..و قلبها قد تفطر حزنا..و وجدانها قد اختنق بالعبرات..

إلا أنها سرعان ما أطلقت زغرودة طويلة..و هي تتناول بعض الأوراق من العديمي الإحساس..

لتوقعها على أنها قد استلمت الأمانة أخيرا..

" آآه ...نعم لقد استلمتها أخيرا..بعد غياب دام أكثر من عشرة أعوام..و لكن..

..شتان بين من رحل و بين من عاد...



تمت بعون الله..
ابنة الشهيد
30/1/2003
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

شكرا لكِ غاليتى على القصة

لقد رسمت لنا صورة تحاكى الواقع الأليم

والذى تحياه شعوب بأكملها فى كل لحظة

مساكين هم أبناء الحروب والدمار

المغتالة طفولتهم وحاضرهم ومستقبلهم


لا أدرى

ظننت للحظة أن الأمل يلوح من بعيد

مع إشراقة الشمس

وضحكات فاطمة وفارس

ولكنه عاد لنا يفترش تابوت

ليؤكد أن للحرب خسائرها

التى لا تنتهى

شكرا لقلمكِ الراقى

بانتظار جديده دوما

تحيتى
 
غاليتي أروى..

يسعدني دوما رؤية اسمك يتألق في متصفحي..

شكرا عزيزتي لتعليقك و دعمك المستمر..

وفقك الله لما يحب و يرضى
 
مايحتاج يالغاليه تعليق

فانت دائما تمتعينا بجميل مايطرحه قلمك

تابعي لتصلي للقمه يامبدعه

تقبلي مروري المتواضع
 
تسجيل حضور .. وقراءة أولية
للفصول الأخيرة ..
لي عودة .. ابنة الشهيد .. وأعتذر بشدة للتأخير ..

إحترامي
 
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
عودة
أعلى أسفل