( ١٢ )...
أجد صعوبه كبيره بالكتابه....
صراع دائم بيني وبين نفسي..... نفسي التي تريد ان تغلق الماضي الأسود إلى الأبد... وتنساه...
بل وتحرقه حتى لايبقى له أثر.....
لاأريد أن أبقى أتذكر الماضي... اريد ان امحوه من ذاكرتي تماما...
لماذا أكتب مذكراتي..؟! لاأعلم.....
انا أكتب وحسب.... بدون سبب واضح.....
ربما هي مجرد فضفضه وربما لا......
ربما أنا أقول للآخرين... تعالو لترو مارأيته انا..
وربما لا...
... ليس لدي أي هدف...
أتمنى أن أكتب كل حدث وأبكي عليه لآخر مره.... ثم أغلق صفحته إلى الأبد.......
كنت قد قررت أن أجعل قصتي هذه هي آخر ماسأكتبه من مذكرات وأحداث.....
لهذا.....
سأسمح لنفسي للمره الأخيره بحريه التعبير بكل صدق.... ..........
أعوووود للماضي....
وأنا أقوم بتجهيز حقيبتي.... حامله صغيري... متوجهه إلى مركز التدريب والتأهيل من جديد...
وصلنا...
أدخل وانا أتأمل المكان من جديد بكل تفاصيله.....
اتأمل الأشخاص الذين يدخلون ويخرجون بكل تركيز... ........
أفعل ذلك لاإرادياا...
بدون شعور ولاأي قصد مني.....
بعضهم يشعر بأني أراقبه وينظر لي بشك أو إستغراب...
بل أحيانا أنسى نفسي وأنا أنظر إلى أشخاص معينين....
تدخل عائله إلى المركز... أنظر وأحلل من أتى مع هذا الطفل... ماذا به... ماقصته... كيف شكله.... هل هو عادي.. هل هو طبيعي ومقبول... كيف يفعلون معه... كيف تعاملهم بالنسبه لابنهم.... انظر إلى ردات أفعال أهله هل هم متقبلين وجود هذا الطفل نفسيا أم لا...
هل هم متذمرين من الذهاب مرارا وتكرارا لهذا المركز وللعلاج.....
هل هم هادئين ومطمئنين...؟!
كيف علاقه الأم والأب..؟!.
كيف نظامهم....؟! اووووه... أنظر إلى تفاصيل أخرى............ أتوه إلى عالم آخر...... أنسى نفسي..
أنظر إلى تفاصيل مظهر الطفل.... هل هو جميل؟! هل هو قبيح؟! هل هو هادئ؟! هل هو مزعج..؟! هل يتعب والديه؟!...
ان شعرت بان مظهر الطفل جميل أبحث عن السبب على الفور.... لماذا هو جميل...؟!
أركز على ملابسه... لربما ملابسه أنيقه ومرتبه.... شعره... ربما هو مرتب للغايه ويوحي بالجمال والنظافه.... تفاصيل ملامحه.... أنظر إلى عينيه.... إلى أنفه... وإلى فمه... وإلى تعابيره.... أجمع المعلوماااااات...........
( فضوليه مهووسه بالإستكشاف ماذا أفعل بنفسي!!)
لاأكاد أتوقف حتى يذهب هذا الشخص من أمامي.......!!!!!!
انسى نفسي وأغوص إلى عالم تفاصيل التفاصيل...
ضغطت على زرالمصعد...
المكان هادئ جدااا...لايوجد أي صوت...
أصل إلى الدور الخامس...... وأدخل مركز التدريب الذي أشعر بالنفور منه..... نفس الرائحه التي أشمها في كل مره بالمكان.... لاتتغير ابدا.....
اسأل المرأه التي في الإستقبال أين أذهب....
فتشير إلى غرفه العلاج الطبيعي..... أقترب من هذه الغرفه أكثر فأكثر.... الهدوء بدأ يختفي وبدأت تظهر أصوات ما ولكنها مشوشه....
أقترب اكثر..... أسمع صوت بكاء... الصوت يزداد وضوحا كلما أقتربت........ إنه بكاء الأطفال المتواصل....!!
أشعر بأسى وأتخيل أن المدربين يقومون بتعذيب الأطفال في الداخل........ الله يعينهم......
المثل يقول :
( ماأجبرك على تحمل المر؟! قال الذي هو أمر منه...!!!)
كنت قد اخذت موقف من الاسبوع الماضي.. موقف الرجل الذي يتعامل معه المدربين بحده.....
كنت أخاف أن يلاقي صغيري نفس المصير...
كنت متأهبه ومستعده لأن أوقفهم عند حدهم عندما أرى منهم أي قسوه وأي حده في التعامل...... لن أسمح لهم بمعامله صغيري هكذا........!!!!
أقتربت من الباب الزجاجي..... وفتحته......
دخلت ومثلما كنت أنظر للجميع.... شعرت بأن الجميع ينظر إلي...
كنت أحمل أصغر طفل يتلقى العلاج...
كان عمره ثلاثه أسابيع.... بينما بقيه الأطفال مابين الثالثه والثانيه عشر سنه.........
بقيت متسمره في مكاني لدقائق معدوده... أنظر بذهول إلى المكان...
كانت الأرضيه باللون الخشبي البني الفاتح....
المكان عباره عن أركان أرضيه مقسمه ووسائد من الجلد الملون بالأزرق والأحمر....
توجد وسائد فوقها من الجلد أيضا ذات أشكال هندسيه...
كره مطاطيه باللون الأحمر بأحجام مختلفه...
الكثير من الأجهزه مثل النوادي الرياضيه...
أثقال للأيدي والأقدام ذات اوزان مختلفه...
أحذيه غريبه الشكل...
يوجد درج صغير للتدريب وفي الوسط مربعات خشبيه رفيعه مقسمه للتدريب على المشي والتوازن...
يوجد ألعاب بسيطه للأطفال أيضا....
ولكن هل وجودها لغرض اللعب..!!!! لاأعتقد...
المدربين كلهم يرتدون اللون الأزرق...
أتساءل لماذا كلهم من جنس الرجال...؟!
أنظر إلى يميني فأرى مدرب ومعه طفل بعمر الثالثه يحاول المشي بصعوبه معتمدا على المشايه وواضعا كل ثقله عليها.....
مدرب آخر ومعه طفل يحاول تدريبه على صعود ونزول الدرج الصغير....
المدرب الرابع معه طفل ويحاول تدريبه على المشي في جهاز السير الكهربائي ويقوم بزياده السرعه بالتدريج...
المدرب الخامس يسند طفله على الجدار ويقوم بتثبيت أقدامها بيديه لوقت طويل...
المدرب السادس يلبس أحد الأطفال حذاء ولباس للايدي شكلهم غريب ويقوم بتمارين غريبه ولكنها أشبه بالتمارين الرياضيه الإعتياديه...
والمدرب السابع يقوَم بوضع جسم أحد الأطفال على تلك الكره المطاطيه... ذلك الطفل لايستطيع حتى الوقوف او الجلوس مثل الأشخاص العادين...
عندما أجلسه المدرب انحنى رأسه فورا إلى أقدامه.... جسده كان مرتخي بشكل كبير...
كان هناك طفل قريب منه بعمر السابعه يزحف على ركبتيه ويحاول الوصول إلى المدرب...
بعد قليل أتى رجل ويحمل طفله تشبه ذلك الطفل الذي رأيته في المصعد الأسبوع الماضي......
جسدها كله مرتخي ويداها وأقدامها ساقطتان بالارض......
لاتستطيع تحريك اي شيء بجسمها.....
سلم ذلك الرجل والد الطفله.... طفلته للمدرب....
حملها المدرب ثم وضعها مستلقيه على الوساده الجلديه...
لايستطيع حتى أن يجعلها في وضعيه الجلوس..
وبدأ معها بتمارين معينه...
فوضى..........إزعاج... وصراخ وبكاء....
عالم كبير من الأشخاص..... .... المختلفين!!!!!!
كنت في داخلي اشعر بإنهيار فضيع..
لكن عندما كنت أرى مثل هذه النماذج.....
أشعر بالذهوووول....!!!!!
وبأن مصيبتي لاتكاد تساوي شيئا.... مقارنه بهم...
كان كل شيء يبدو طبيعيا.....
كانت التدريبات أشبه بالتمارين الرياضيه المألوفه... لاشيء يبدو غير مألوف.....
إذا لماذا يبكي هؤلاء الأطفال بهذا الشكل....!!!!!
بدأت بالبحث عن المدرب المسؤول عن تدريب صغيري.... أخبرني أن عمره صغير جدا لهذا لايستطيع أن يعطيه الكثير من التدريبات...
قال بأنه كلما كبر ستزداد كميه التدريبات المعطاه له...
فمثلا هناك أجهزه وأعصاب لاتعمل في جسمه الا في عمر اربعه او سته اشهر أو حتى سنه....
مجرد تدريب واحد هو مايحتاجه في ذلك الوقت...
كنت أراقب ذلك المدرب بتَمعن كبير....
كان لطيفا وودودا مع صغيري..... ويعامله برفق....
شعرت بإرتياح... كنت خائفه من معاملتهم القاسيه..