[h=1]التوكل على الله
[/h][h=2]تمهيد [/h]يحتلُّ التوكل على الله تعالى في المراتب الإيمانية مرتبةً عاليةً، فهو الركن الرابع من أركان الإيمان، كما عدَّته بعض الروايات. فالتوكل صفة شريفة، ومفهوم إسلامي راقٍ، يجب التعرف عليه بشكل دقيق، بما يبعث من أمل ومعنويات تحث على العمل والمثابرة، وهناك طرق نستطيع من خلالها الوصول إلى هذه الصفة الشريفة، فكيف نكتسب هذه الصفة، وما هي ثمراتها في الدنيا والآخرة ؟ هذه الأسئلة وغيرها سنستسقيها من معين كتاب الله تعالى والروايات الشريفة سائلين الله تعالى أن يجعلنا من المتوكلين عليه، والفائزين بنعمى الرضا منه.
[h=3]الصفحة (13)[/h][h=2]فضل التوكل [/h]قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾(1) ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾(2) وعن الإمام علي عليه السلام: "الإيمان على أربعة أركان: التوكل على الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله عز وجل" (3)
[h=2]معنى التوكل [/h]لما سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التوكل على الله تعالى: "العلم بأن المخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، واستعمال اليأس من الخلق، فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لأحد سوى الله، ولم يرج ولم يخف سوى الله، ولم يطمع في أحد سوى الله، فهذا هو التوكل" (4) وعن الإمام علي عليه السلام: "حسبك من توكلك أن لا ترى لرزقك مجرياً إلا الله سبحانه" (5)
[h=3]الصفحة (14)[/h]عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام: "ليس شيء إلا وله حد قلت: جُعلت فداك فما حدُّ التوكل ؟ قال: اليقين، قلت: فما حد اليقين ؟ قال: ألا تخاف مع الله شيئاً"(6)
[h=2]التوكل في الجهاد [/h]﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾(7)
[h=2]كيف تصبح متوكلاً؟ [/h]1- عن الإمام علي عليه السلام: "التوكل من قوة اليقين" (8)
2- وعنه عليه السلام: "حسن توكل العبد على الله على قدر ثقته به" (9)
3- وعنه عليه السلام: "ينبغي لمن رضي بقضاء الله تعالى أن يتوكل عليه" (10)
[h=3]الصفحة (15)[/h][h=2]ثمرات التوكل [/h]"1" القوة والغلبة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله" (11)
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "من توكل على الله لا يُغلب، ومن اعتصم بالله لا يُهزم" (12) "2" قوة القلب: عن الإمام علي عليه السلام: "أصل قوة القلب التوكل على الله" (13) "3" الغنى والعز: عن الإمام الباقر عليه السلام: "الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل أقطناه" (سكنتا فيه) (14)
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لو أن رجلاً توكل على الله بصدق النية لاحتاجت إليه الأمور ممن دونه، فكيف يحتاج هو، ومولاه الغني الحميد"(15) "4" تذليل الصعاب : عن الإمام علي عليه السلام: "من توكل على الله ذلَّت له الصعاب
[h=3]الصفحة (16)[/h]وتسهَّلت له الأسباب" (16) "5" الرزق والكفاية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من توكل على الله كفاه مؤنته ورزقه من حيث لا يحسب" (17) قال سبحانه وتعالى: ﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب زمن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾ (18) وعن الإمام الصادق عليه السلام معلِّقاً على الآية: "من أعطي التوكل أعطي الكفاية ثم قال: أتلوت كتاب الله عز وجل﴿من يتوكل على الله فهو حسبه﴾(19)"
[h=2]التوكل هو العمل [/h]لما نزل قوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ انقطع رجال من الصحابة في بيوتهم واستغلوا بالعبادة، وثوقاً بما يضمن الله لهم، فعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فعاب ما فعلوه، وقال: "إني لأبغض الرجل
[h=3]الصفحة (17)[/h]فاغراً فاه إلى ربه: اللهم ارزقني ويترك الطلب"(20). وروي أنّه لما رأى أمير المؤمنين عليه السلام رجالاً أصحاء جالسين في زاوية المسجد قال لهم: من أنتم ؟ قالوا نحن المتوكلون قال: لا، بل أنتم المتأكّّلة، فإن كنتم متوكلين فما بلغ بكم توكلكم ؟ قالوا:إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا، قال عليه السلام: هكذا تفعل الكلاب عندنا... (21)"كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لقوم رآهم لا يزرعون: ما أنتم ؟ قالوا نحن المتوكلون، قال: لا بل أنتم المتكلون"(22).
[h=2]من قصص التوكل [/h]عن ابن شهر آشوب: أمر نمرود بجمع الحطب في سواد الكوفة عند نهر كوثا من قرية قطنانا وأوقد النار، فعجزوا عن رمي إبراهيم، فعمل لهم إبليس المنجنيق فرمي به، فتلقاه جبرائيل في الهواء فقال: هل لك من حاجة ؟ فقال: أما إليك فلا ! حسبي الله ونعم الوكيل، فاستقبله ميكائيل فقال: إن أردت أخمدت النار فإن خزائن الأمطار والمياه بيدي ؟ فقال: لا أريد ! وأتاه ملك الريح فقال: لو شئت طيرت
[h=3]الصفحة (18)[/h]النار ؟ قال: لا أريد ! فقال جبرائيل: فاسأل الله، فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وفي رواية أخرى قال جبرائيل: يا إبراهيم هل لك إلي من حاجة ؟ فقال إبراهيم عليه السلام: أما إليك فلا، وأما إلى رب العالمين فنعم، فدفع إليه خاتما عليه مكتوب "لا إله إلا الله محمد رسول الله، ألجأت ظهري إلى الله، أسندت أمري إلى الله، وفوَّضت أمري إلى الله" فأوحى الله إلى النار كوني برداً وسلاماً(23).
[h=2]شعر عن التوكل [/h]ينقل عن أمير المؤمنين عليه السلام:
[h=4]رضيت بما قسم الله لي وفوّضت أمري إلى خالقي
كما أحسن الله فيما مضى كذلك يُـحسن فيما بقي
[/h]وعنه عليه السلام:
[h=4]لا تعتبنّ على العباد فإنما يأتيك رزقك حين يُؤذن فيهِ
سبق القضاء لوقته فكأنه يأتيك حين الوقت أو تأتيهِ
فثقن بمولاك الكريم فـإنَّه بالعبد أرأف من أب ببنيهِ[/h]