ارتبكت قليلا و أنا أستمع لصوته الدافئ لأنني فهمت انه يود مصارحتي بأمر يخفيه عن محمود زوجي، تمنيت أن يصارحني بحبه ليريحني من ما أنا فيه من عذاب، تمنيت أن يرضي غروري و يظهر اعجابه بي و بجمالي الفتان حتى أعيش قصة حب رائعة لطالما تمنيت أن أعيشها، و أجبته:
"لا، لم تزعجني أبدا،،،، تفضل"
" منال، بصراحة،،، أممممم،، في الواقع لا أعرف كيف أبدأ، لأول مرة في حياتي أجد نفسي متوترا هكذا ......"
أجبته بلهفة و أنا أتصنع البلاهة :" خير يا خالد؟ هل لديك مشكلة ؟؟ "
"لا لا أبدا ، و لكن هناك أمر أود البوح به و لكنني أخشى أن تسيئي فهمي، و لكنني لم أعد قادرا على الكتمان أكثر"
صمتت و صمت هو برهة من الوقت أحسستها كأنها الدهر، و قلت له محفزة اياه على المتابعة : "تفضل يا خالد، لا تخاف،، لن أسيء فهمك"
"منال بصراحة، أنا ،،، أنا ،،، أنا أحبك و معجب بك بشدة"
كاد قلبي يتقافز فرحا لسماع هذه الكلمة العذبة من خالد، أعمتني فرحتي الشيطانية في هذا الوقت، لم أنتبه الى أن صغيرتي تقفان خلفي في فضول لمعرفة من هذا العم المتصل، حاولت تصريفهما و اشغالهما باللعب، و عندما لاحظ خالد صمتي قال مستدركا بصوت جريح:
"منال أنا آسف لأنني تجاوزت حدودي ، أقسم بالله أنني لن أعيد هذه الكلمة و لن أدخل منزلكم بعد اليوم، سامحيني أرجوكي و أنسي هذه المكالمة، و أعدكي أنني سأختفي الى الأبد...."
لم أشأ أن تنتهي هذه المكالمة هكذا خوفا من أن ينفذ خالد وعده فلا أراه بعد اليوم ولا أستطيع سماع صوته.. فقلت له مستدركة: "لا تخف،،،، لست غاضبة"
" حقا؟؟ أنا أعتذر و بشدة مرة أخرى ، أعلم أنك زوجة صديقي، و لكن ماذا أفعل؟ بت أختنق بحبك، لم أعد قادرا على الكتمان أكثر، لذلك عزمت أمري أن أصارحك بالأمر، فاما أن تصديني و تغلقي الهاتف و عندها سأرحل للأبد و أحاول نسيانك و اما أن........."
أجبته في حدة مقاطعة : " و اما ماذا؟؟ "
استفزتني كلمته، و أول ما خطر في بالي هو أنه يريد الحرام، و كأن الحرام انحصر في ممارسة الزنا فقط.. و كأنه فهم ما أفكر فيه فقال: " لا لا يا منال لا تفهميني خطأ أرجوكي، أنا لست انسانا سيئا كما تعتقدين و لا أريد أن أؤذيكي، أنا أخاف عليكي من نسمة الهواء و لن أسمح أن يصيبك مكروه،، صدقيني أرجوكي"
هدأت كلماته و صوته الساحر كل غضبي و عدت أتحدث اليه في نعومة و صوت أنثوي : " و ماذا تريد مني اذا ؟؟ "
" أريد أن أقابلك اذا لم يكن لديكي مانع، لدي ما أقوله لكي، لا تسيئي فهمي أريد أن أقابلك في مكان عام و أمام جميع الناس"
أجبته و كلي فضول لمعرفة ما يود قوله: " بامكانك أن تقول ما تريد هنا ، لا داعي للقاء و لست انا من تتقابل مع رجل غريب و هي متزوجة"
"لا يا منال أرجوكي وافقي، و أعدك أنها ستكون المرة الأخيرة، ثم اننا سنلتقي في مكان عام و سنتحدث لمدة عشرة دقائق لا أكثر ،، أعدك "
سكت لبرهة ثم أجبته: " موافقة، هل يناسبك أن نلتقي غدا الساعة الثانية عشر ظهرا في الحديقة المجاورة لمقر عملي؟ "
أجابني في لهفة و فرحة ظاهرة : " حاضر، سأذهب الى أي مكان يناسبك حتى لو كان في المريخ"
ضحكت بدلال و قلبي يرقص فرحا للقاء الغد، و أنتهت المكالمة.....
حينما جاء الغد، استيقظت مبكرة ، مزاجي كان رائعا حتى أنني أيقظت زوجي بقبلة عميقة على جبينه و قلت له بابتسامة عريضة: " محمود حبيبي استيقظ للعمل" و نهض المسكين من نومه متفاجئا من أسلوبي اللطيف الذي لطالما حرمته منه، و كأنه يريد أن يستوعب أن ما سمعه كان حلما أو حقيقة،، سألني في دهشة و سعادة : " ماذا حصل حبيبتي؟ " أجبته بتعجب و قد عدلت من أسلوبي لأتحدث معه بلهجتي الجادة التي لطالما اعتادها مني : " لا شيء !! قم لتجهز نفسك للعمل" فقام من سريره منكسرا بعد أن أدرك أن ما سمعه كان حلما جميلا أو لربما سقط سهوا مني و لم أعني شيئا من تلك الابتسامة الساحرة ولا من كلمة حبيبي....
أيقظت طفلتاي بطبع قبلة على جبينهما، ساعدتهما في ارتداء ملابسهما، و ارتديت أجمل ما لدي من الثياب و تزينت فبدوت قمة في الجمال و الاثارة، حتى زوجي العزيز علق قائلا : " ما كل هذا الجمال و الأناقة، ألديك اجتماع مهم اليوم؟ " فأجبته بالنفي و عللت كل هذا الاهتمام بأن السبب هو معنوياتي المرتفعة في هذا الصباح و لا شيء غير ذلك..
وصلت الى مكتبي،،، لم أنجز أي شيء من أعمالي في ذلك اليوم، كل ما فعلته كان الشرود في اللقاء الذي سيجمعني لأول مرة مع حبيب القلب، و مراقبة الساعة، مر الوقت بطيئا جدا حتى صارت الساعة الحادية عشر و نصف، لم أستطع الصبر أكثر من ذلك، و استأذنت من عملي و خرجت مسرعة للحديقة المجاورة، بقيت أتمشى عند مدخل الحديقة حتى يتمكن خالد من رؤيتي بمجرد دخوله الحديقة، مرت نصف ساعة ببطئ شديييد و أنا متلهفة لقدومه ، و بينما أنا أتمشى و اذا بصوت خالد الرجولي الرائع يناديني من خلفي، " منال" ألتفت لأراه خلفي و قلبي يدق فرحا، و التقت عيني بعينه و نظر الي بكل لهفة و شوق ، ثم مد يده ليسلم علي و عينه ما زالت محدقة في عيني، بقينا هكذا لبرهة من الزمان و قد نسينا كل ما حولنا ، ثم تنبه خالد و قال لي : "أنا آسف لأنني تأخرت عليكي، هل تحبين أن نتمشى قليلا؟ " فأومأت رأسي موافقة، بدا خالد مرتبكا خجولا ، كان يحاول جاهدا أن يفكر قبل أن ينطق بأي كلمة، فموقفه حساس جدا، و كذلك كان موقفي أشد حساسية...
" منال،،،، أتذكرين أول لقاء لنا؟ "
"نعم يا خالد،، ما زلت أذكره جيدا"
" حينما رأيتك لأول مرة شعرت أنني أعرفك من سنين،،،، في عينيكي سحر أخذني الى عالم بعيد، شعرت يومها أنني تعلقت بك و عجزت أن أفسر لنفسي ما سبب شرودي طوال ذلك اليوم، بقيت طول اليوم أسترجع في ذاكرتي شكلك، و تصرفاتك العفوية حينما أخذت تصلحين من هندامك بسرعة و ترفعين خصلات شعرك الناعم ببراءة "
شعرت بالنشوة و أنا أستمع لكلمات خالد، احمرت وجنتاي خجلا و ركزت نظري على الأرض ،، و بقيت صامتة لأحثه على الحديث أكثر..
" بعدها صرت أتحجج لصديقي محمود بأنني أود زيارته في المنزل علني أراكي، و كلما رأيتك أكثر كلما تعلقت روحي فيكي أكثر، و بت في صراع مرير بيني و بين نفسي، فمن جهة محمود صديق طفولتي، عرفنا بعضنا منذ أيام الدراسة، و ما زلنا حتى الآن أصدقاء، لا أذكر أنه أذاني في يوم من الأيام لأن طيبة قلبه كانت تشمل الكون كله، كان يفضلني على نفسه في كل شيء، و من جهة أخرى بات حبك يخنقني، و صرت أعذب نفسي أكثر فأكثر و آتي لمنزلكم لأراكي و أتعذب، كنت أشعر بالحنق على محمود حينما أغادر منزلكم و لا أستطيع أن آخذكي معي و انما تبقين مع محمود... منال أعذريني أرجوكي أعلم أنني أتجاوز حدودي و لكنني ما عدت قادرا على الكتمان أكثر..."
صمت قليلا، و كنت حائرة بين الاعتراف بمشاعري و بين الكتمان، ولكن ما فائدة الكتمان؟ فالعاشق تفضحه عيونه، و ان لم أنطق بكلمات العشق و الهوى فقد تحدثت عيناي بكل ما أحس به منذ أول لحظة شاهدت فيها خالد، اذن فلأبح له بعشقي و ليكن ما يكن ..
"لست غاضبة يا خالد،،، و كأنك تتحدث عني"
"حقا ؟؟؟!!! "
قالها خالد بدهشة و قد ارتسمت على وجهه علامات الفرحة الممزوجة بالتعجب، و كأنه توقع أن يحصل على –تهزيئة- بعد ما أسمعني من كلام، و لكنه فوجئ بردة فعلي الموافقة..
أجبته بالايجاب، فأمسك يدي لا شعوريا بيديه الاثنتين و نظر في عيني قائلا : "منال أنتي حبيبتي ، أعدكي أنني سأبقى وفيا لكي طول العمر، ثم تعالي هنا،،، ما كل هذا الجمال؟ لم تتركي شيئا الا و يستحق الغزل، ما هذه العيون؟؟ ما هذه الأناقة؟ ما هذا ال........"
بقي خالد يتغزل و يتغزل في كل شبر في حتى أشبع غروري و أعادني كفتاة مراهقة تطربها كلمات المدح و الغزل، نسينا أنفسنا و قضينا وقتا لطيفا ما بين الغزل و المشي في الحديقة و الوعود الرائعة، بقيت أيدينا متعانقة كعاشقين ولهانين، مضى من الوقت ساعة و نصف، ضحكنا متعجبين من سرعة انقضاء الوقت ، ودعنا بعضنا على أمل اللقاء في اليوم التالي في نفس الوقت و نفس المكان، و ذهبت مسرعة الى مكتبي حتى أستعد للعودة للمنزل..