:sadwalk:بين اليونان و رجال العرب ..:sadwalk:
في يوم كنت أتسوق بالسوبر ماركت مع زوجي – وهي حاله نادرة حينما تلتقي مواعيدنا - لاحظت تحديقه الطويل بالمحاسبة على الصندوق ، كانت شقراء عشرينية ، شديدة الجمال .
ميّزتُ تلك الابتسامة المتراخية التي تدل على الانبهار ترتسم على شفتيه كعادته إذا رأى فتاة تعجبه .
وقد تستغربون إن قلت لكم أن مثل هذه المواقف قليلا ما تثير غيرتي ، ولا تدفعني للتعليق إلا إذا أحسستها تهدد كرامتي !!
لوموني إن شئتم ولكن هذا شعوري الحقيقي .
حينما لاحظت تجاوب الفتاة مع نظراته المعجبة ، واستظرافها الذي لم يكن هذا محله إذ لا وقت للدردشة والابتسام ووراءنا طابور طويل ، تدخلت بالموقف ، ولفت نظر زوجي إلى عجوز بيضاء الشعر ، تملأ التجاعيد وجهها بشكل منفر .
علقت قائلة: جميلة تلك الفتاة ، ولكن دائما الشقر مواعيد صلاحيتهم قصيرة ، مساكين .
انظر إلى تلك العجوز ما أسرع ما تزحف التجاعيد في الثلاثينات وتدمرهم .
التفت هو وتأمل، وقال: فعلا لاحظت هذا الشيء أحيانا يكن بالأربعينات فقط ومتجعدات بشكل كبير، لابد أنه من المشروبات واستهلاكهم لأجسادهم في وقت الشباب.
حملنا مشترياتنا بعد أن اجتهدت الموظفة حينما انقطع حديثها مع زوجي في تقييم مشترياتنا وتعبئتها في أكياس.
في وقت خروجنا من المحل كان أمامنا على محل المحاسبة الذي يجاورنا رجل يوناني ، وامرأته التي ميزت جنسيتهم من لباسها ، فقد كانت ترتدي الزي التقليدي للعجائز اليونانيات التنورة الطويلة ،و البلوفر الصوف ، وتغطي رأسها بإشارب ، كما أن لغتهم دلت على أصلهم .
صادف أن أوقعت العجوز المسكينة الكيس الذي كانت تحمله نظراً لاصطدامها بالحاجز الضيق الذي يفصل صندوق المحاسبة عن باب الخروج ، ففوجئت بنوبة غضب من زوجها الحقير عنفها فيها بلغته بشدة ، ونظر لها بكبرياء دون مساعدة منه ، حتى التقطت الأشياء ، وعبأتها بالكيس ، وكان خلال ذلك يتلفظ عليها بالعبارات لا أدري ما معناها لأني لا أفهم اليونانية ، ولكن كان واضحا أنه يلومها ويقرعها على عملها .
بدأت نوبة الغضب المعتادة التي تصيبني إذا رأيت مشهدا لهوان امرأة على يدي رجل ، تتفاعل بنفسي وتثور ، وودت لو ذهبت لذلك الذكر الذي يخلو من الرجولة لأساعد زوجته وأعطيه نظرة محتقرة ، ولكن لا استطيع فزوجي لن يسمح لي بالتدخل .
الرجل اليوناني معروف جدا بمواقفه المتعنتة المتكبرة تجاه المرأة التي تضطر لدفع مهرها لدى اليونان لتتزوج، كثيرا ما أفكر أن المرأة اليونانية أقرب الاحتمالات للإسلام، لأنها لو قرأت في الحقوق التي كفلها الإسلام للمرأة لأسلمت.
لمحت الساعة في يدي ، فوجدت أن أمامنا وقت طويل جدا في ذلك الصباح قبل موعد خروج الأولاد ، فاقترحت عليه أن نستغل ساعة واحدة فقط لنجلس في مقهى إذ نادرا ما نفعل ، وبعد بحث قصي من زوجنا المصون عن أكثر الأماكن احتجابا عن الأعين ، وافق بعد مضض على إحدى الطاولات في مقهى ، مشترطاً أن أدير ظهري للمارين ، ولا أجازف بالالتفات أبداً خوفا من عين متلصصة تعرفنا ، فوافقت .
فتح الموضوع الذي يحلو له ( النساء الجميلات ) قبل أن أفتح موضوعي المفضل دائما (انتقاد جبروت الرجل ) ، فكان لنا هذا الحوار ، سأنقل ما أتذكر منه .
قال : سبحان الله الجمال متوفر هنا ، أعطاهم الله تقريبا كل شيء ( الخضرة والماء والوجه الحسن ) !!
قلت : نعم لكن سبحان الله ربك لا يظلم أحداً ، إذ وازن بين البشر في ما أعطى حتى لو كانوا كفاراً ، لاحظ أن الشعوب الأفريقية قليلة الجمال ، وبالرغم من ذلك يمتلك نساؤها أجمل قوام منحوت باعتراف خبراء الجمال وعرض الأزياء ، وكذلك البشرة الغامقة أقدر وأقوى على مقاومة التجاعيد ، بينما الشعوب الأوروبية نساؤهم جميلات هذا شيء صحيح ، ولكن البشرة الشقراء ، أكثر أنواع البشرة تأثراً بعوامل الجو ، وأسرع أنواع البشرة بالتأثر بعوامل الزمن ، أنظر إلى النساء في سن الخامسة والثلاثين مثلا هنا ، وقارنهن بالنساء العربيات السمراوات من نفس العمر ، وسيتضح لك الفرق .
أجاب : فعلا لا حظت ، يشيخون بسرعة ، ودائما أقارن جدتي بالنساء من عمرها هنا وأجد أنها تقريبا تخلو من التجاعيد التي تكثر فيهن هنا .
قلت : قلت لك مدة صلاحية الجمال الأشقر دائما قصيرة ، دائما يستهلك بسرعة .
أجاب : بل ينفذ بسرعة من كثرة الطلب .
قلت : المهم أن جودته قصيرة . لأنها ليست بأصالة أنواع أخرى من الجمال .
أجاب : ليس شرطا ، أحيانا كلما تقدمت المرأة الشقراء بالعمر كلما ازدادت جمالا !! عندك مثلا مسز جولي بالجامعة أريتك إياها ذات مره .
قلت له : نعم ولكن هل تستطيع الجزم بأن مسز جولي كانت جميلة في العشرينات ، من الممكن أن تكون عادية ، وكلما تقدمت بالعمر احتفظت بجمالها العادي ، ثم مع تقدم العمر ارتفعت نسبة هذا الجمال لا لأصالته ، بل لندرته في مثل عمرها ، هل فهمت الفرق ؟
أجاب : فهمتك ، ولكن أيضا ليس شرطا ، فلم تريها في العشرينات .
راهنته وقلت : استطيع ضرب أمثلة كثيرة للتدليل على رأيي ، في مثل حالتها ، الممثلة ( ليلى طاهر ) لم تكن جميلة بعمرها الصغير ، وازدادت جمالا حينما كبرت ، الراقصة ( فيفي عبده ) لم تكن جميلة في صغرها وزادت جمالا حينما كبرت لا لأنها في الأصل جميلة ، ولكن لأننا نعقد المقارنة مع من هن بمثل عمرها ونراها أجمل منهن ، بينما ممثلة مثل ( مريم نور الدين ) فائقة الجمال في صغرها ، وحينما كبرت أصبحت تميز ملامح الجمال بوجهها وتقول ( كانت جميلة ) . ولا استطيع أن أنفي أن هناك ممن تحتفظ بجمالها الباهر وهي صغيرة حتى تكبر ، ولكنها حالات لا تنطبق على ذوات البشرة الشقراء إلا نادراً .
أحسست أن الحديث عن النساء الجميلات زاد عن حده ، ولن نستطيع أن نصل فيه لنتيجة لأن الجمال ( نسبي ) يختلف تقديره من شخص لآخر .
فبدأت موضوعي المفضل ( اضطهاد الرجل للمرأة ) . وتكلمت عن موقف الرجل اليوناني كعادتي في شجب واستنكار ( الرجولة الزائفة ) في بعض الذكور الذين يرون في تجبرهم وضربهم للمرأة رجولة ، وطبعا خلفياتنا الثقافية العائلية مختلفة جدا في هذا الأمر بيني وبينه ، فرجالهم القدماء من الأجداد وأحيانا من الآباء ، في بيئتهم لايرون في ضرب المرأة عيب .
ذكرت له اسم إحدى جارات أهله القريبة لهم ، وقلت ذكرتني بها تلك المرأة اليونانية فوراً .
كانت تلك العجوز القريبة له كثيرا ما أخبرتني عن قسوة زوجها – رحمه الله – معها ، وكان كثيراً ما يضربها ، لدرجة أنه كسر لها يدها في يوم حينما رماها من فوق هضبة .
حينما أتى ذكر تلك الجارة القريبة له قال : أنت تأثرت جدا بكلام فلانة ، لكن لاحظي أنت سمعت كلام لقضية من طرف واحد ، كانت تلك المرأة تسيء التصرف مع زوجها ، ولا تتحاشى بعض الأمور التي ينهاها عنها ، فقد كان كغيره من رجال قبيلتنا شديد الغيرة ، وهي لا تراعي هذا الأمر ، وهذا ما يستفزه ويجعله يؤدبها !! أنت لم تقابلي الرجل ، أنا أعرفه رحمه الله ، كان ونعم الرجل ، وكان تقياً طاهر الثوب ، من بيت يكره الدنس لذا كان شديد الغيرة ، وهي لم تراعي في تصرفها ذلك .
قلت له : الغريب أنك تدافع عنه في كل مره ، وهناك فرق بين الغيرة ، وبين الشك ، هل تصدق بت أشك من كلامكم عن شكه الشديد بأنه لابد قد تعرض لموقف أو رأى موقف خيانة في طفولته جعلته شديد الشك بجميع النساء محتقراً لهن ، ما تترجمه تصرفاته الهمجية مع زوجته وبناته .
عند ذكر ذلك أرغى زوجي وأزبد وغضب من ذلك الكلام ، وقال : أتقى الله أنت ترمين بالباطل نسائنا .
قلت : أنا لم أقذف أحداً ، أنا فسرت لك بعض الشكوك التي دارت بعقلي حينما حكيتم لي عن بطولات ذلك الرجل في إذلال نساءه ، فتساءلت ياترى لماذا كان شديد الشك بهن ؟ هل أتى ذلك من فراغ ؟ أم أنه تعرض لموقف ليس شرطا أن يكون من نساء عائلته ، ولكنه رأى موقفا في طفولته أدى به إلى احتقار النساء .
أخذ زوجي يسرد مرافعة طويلة حفظتها من كثر ما كررها في دفاعه عن ذلك الرجل ، ودائما ما كانت حجته ضعيفة بالنسبة لي ، إذ لم أرى أيا من المبررات التي يسوقها مبرراً مقنعاً للتعامل مع المرأة بتلك القسوة والهمجية .
بعد أن انتهى من مرافعته ، سكت لأن الجدل معه في هذه المسألة عقيم ، لأنه مصر على الاقتناع بحججه رغم بطلانها ، فصمت ثم حولت مجرى الحديث حتى لا تنشب مجادله بيزنطية .
قلت : تعرف ما يعجبني في قصة تلك المرأة العجوز – أقصد قريبته - .
قال : ماذا ؟
أجبته : أنه بالرغم من الهمجية التي عوملت بها من زوجها ، إلا أن تلك المعاملة لم تكسر روح الشباب وحب الحياة ، والمرح ، والفكاهة في نفس تلك السيدة ، فعلا تلك السيدة تحمل روحاً شابة مرحة ،استغربت حينما حكت لي حياتها الزوجية أنها لا زالت تمتلكها ، أتعرف أنها أشب روحاًً من ابنتها التي تزوجت رجلاً كبيراً بالسن ، وكان يحسن معاملتها ، إلا أنها انكسرت وشاخت قبل أوانها لمجرد إحساسها بأن أبوها ظلمها ، وأمها التي عانت من زوجها القاسي ما عانت تضحك ، وتطلق النكات ، أكثر منها .
تابعت قائلة : تلك العجوز رائعة جدا بروحها ، ذات يوم كنا أنا ونساء وبنات من عائلتكم في أول أيامي وأنا عروس أتت للتعرف بكم ، كان الطابع العام الذي يطبع تلك الجلسة الملل ، لأن البنات مقموعات لم يستطعن الحديث في مجلس النساء ، وكذلك كانت امرأة متسلطة تدير الجلسة ، ما خفف عني وقع الملل هو قريبتك هذه ، حينما أتى صوت ( الزير ) في التلفزيون أمسكت يدي وقالت : سأعلمك طريقتنا في الرقص . وقمت معها أجاريها في خطوات الرقصة الشعبية .
وأمسكتني وأخذت تعلمني وسط النظرات الساخطة لها لأنها برأيهم هزت ( بريستيج ) العائلة الكريمة أمام الوافدة الجديدة وهي ( أنا ) .
وفوجئت بمن كن جالسات بالقول : اخفضوا الصوت ، يافلانه خلاص لا تفشلينا قدام ال ( ..... ) وذكروا اسم قبيلتي ناسبيني لها .
ردت العجوز : تخجلون من رقصكم الشعبي ( عيب عليكم ) . وايش فيها لو علمتها .
وتابعتُ قائلة : فعلا أحببت تلك المرأة المرحة التي لم تسمح للرجل المتسلط بأن يقتل روحها ، وشعلة الحياة بداخلها .
رد زوجي قائلا : تذكري أنه قريبي لا تسبيه ، لم يكن متسلطاً .
هززت كتفي و قلت له : لكم دينكم ، ولي دين .
تحياتي .