استيقظت حور من نومها .. بدت كلّ جارحـةٍ منها مرهقةً مُتعبـة ..
نظرت إلى الساعة .. إنها العاشرة والنصف .. صبـاحـاً ..
آه .. اليوم هو الجمعة .. ستزورنـا أختي مـنـار اليوم .. وستحضر معها عصفورتها رغد .. يااااه كم أنا مشتاقة لهما ..
قامت من سريرهـا بتثاقـلٍ وكسل ..
آهه .. تثائبت بعمق ..ثم التفتت إلى سريرها لتلتقط منه هاتفها الجوال ..
إممممم .. أين هو .. آها .. هاهو .. مالذي جاء بك إلى قدميّ !! ..
حور لا تنـام إلا على أزيز الأغاني والموسيقى الصاخبة .. وهذا هو منوالها وروتينها اليومي ..
حيث تتلو الطقوس الموسيقيّه قبل كل منام .. ليجتمع حولها كلّ عفريـتٍ وشيطـان !!
وعندما التقطت هاتفها الخلوي .. وإذا بها تجد رسالة جديدة في صندوق الوارد ..
ممممم .. من يا تُرى ؟؟
أسرعت إلى صندوق الوارد .. وإذا بالرسالـــــة .. من زميلتها في الجامعة .. فاطمة ..
( السلام عليكم .. صباح الورد .. برنـامج ~ كيف تتلذذ بالصلاة على القناة الفلانية ~ في الوقت الفلاني .. فلنتذوق حلاوة الصلاة .. و....
أغلقت حـور الهاتف ..
يوووووه .. إنها متفرغة .. هذا ما كان ينقصني متابعة القناة الفلانيّة ..
توجهت إلى دورة المياه .. لتتوضأ وتصلي الفجر .. حيث أنها لم تُصـل ِ
..
أحسّت كما لو أن هموم الدنيا وأثقالها قد جُمِعت .. وتراكمت فوقَ صدرهـا ..
يا إلهي ماذا دهاني .. أشعر بضيقٍ شديدٍ في صدري ..
ربما بسبب اقتراب موعد الإختبارات النهائيـّة ..
ربما ..
أسرعت نحو التلفـاز بعد أن نقرت صلاتها في ثوانٍ معدودة ..
بدأت تقلّب القنوات .. وتُقـلـب ..
وبالقـدر .. استقر مركب القنوات .. على القناة الفلانيّة .. حيث البرنامج الذي تحدثت عنهُ زميلتها فاطمة في الرسالة ..
(كيف تتلذذ بالصلاة )
استغربت حـور من هذه المصادفة .. وابتسمت بتعجب ..
كان الشيخ في القناة منهمكـاً في الشرح ..
في الواقع .. حور لم يجذبها الحديث في بدء الموضوع .. لكنها استغربت من كون الشيخ صغيراً .. ويملك قدرةً على شرح وتفصيل المعلومـة ..
لم تشعر حـور .. إلا وهي قد اندمجت مع مضمون الحديث ..
كان كلامـاً جديداً عليهـا ..
وضعت يدهـا على راحـةِ كفها .. وقررت أن تتابع
.......
......
..
.
لم تشعر إلا .. وقد اندمجت مع البرنامج
..
,,
.
وامتزج كل حرفٍ من حروف الشيخ .. في أذنها ..
..
بدأ الشيخ يتحدث .. ويتحدث ..
,,
حـــور .. كانت قد استسلمت لكل حرف من ذلك البرنامج
.. شعرت بشيء غريب .. يطرق باب فؤادها المنهك ..
إنه شعورٌ جديد لم تجرب حـور أن تنسجم معه
شعرت بـ .. راحــة ..
راحـــة عجيبة لكلام الشيخ ..
شعرت
بطمأنينةٍ تسري في جسدهـا ..
براحـةٍ وسكـونٍ .. يقتحمان جدران فؤادهـا الظمآن ..
كان الشيخ يسرد القصة تلوَ الأخرى ..
في أسلوبٍ سلسٍ وشيّق ..
لم تكن حـور تدركـ من معاني الصلاةِ شيئاً ..
كانت كما لو أنها تقومـ بعمل طقوسٍ رياضية .. بروحٍ خاليةٍ .. وقلبٍ عليل ..
لم تكن الآيات تتجاوز مكان الحلق منها ..
..
كان الشيخ .. يتحدث .. ويتحدث .. يغوص في معانٍ جليلة في الصلاة ..
وهي معهُ تغوص ..
هو يزيـد في الإمعان .. وقلبها يتشرب الإيمان ..
تذكرت حالها .. كيف أنها صلّت الفجر قبل قليل .. ولم تدرك من صلاتها حرفـاً ولا معنى ..
أحست بزلزالٍ يهزّ كيـانها ..
بعواصف .. عاتية .. هبت في وديانِ فؤادها الـمتـلـفـع بالأشواكـ ..
الصلاة بهذه الروعة ..!!! وبهذا العـمـق ؟؟
وأنـا بعيدةٌ كل البعد عن معاني الخشوع الإنكسار ؟؟
لماذا لم أتذوق هذا الطعم منذ زمن ..
شعرت كما لو أن أحدهم قد صـــــاح في أعماقها ..
( كيف تتلذذين .. وأنتي على مزامير الشيطان تنامين )
كيف .. وقد تشرب فؤادكـ المناكر .. وارتوى وثمل منها ..؟؟
شكوتُ إلى وكيعٍ سوء حفظي ... فأرشدني إلى تركـ المعاصي
وقال إن العلم نـــــــــــــــور ... ونــور الله لا يُهدى لعاصي
لم تشعر حـور .. إلا بقطراتٍ كالجمان .. تتساقط على خديها الموردين ..
شعرت بأن شيئاً مـا يذوب في جوفها ..
سبحان الله
كفكفت دموعها بسرعة ..
وقالت في نفسها .. حــــور ما بك .. لماذا بكيتِ بسرعة ؟؟ هل حقاً كلامهُ يُبكي ؟؟
لا لا ..إنه يتحدث عن معانٍ جديدة .. فقط .. وكنت أجهلها برّمتها ..
لكن ..
لكن ماذا ..؟؟
نعم أنا مقصرة بحق الله ..
نعم لماذا لا أبكي على نفسي ؟؟
لماذا لا أتحسر على نفسي ..
وأنا من حرمتها من السكون والراحة في جوار الرحمن
لم تشعر بذاتها .. إلا وهي في غرفتها .. نظرت إلى وجهها الشاحب في المرآة ..
تأملت .. في ذاتها ..
شعرت بأن الله أراد لها ..أن تتذوقطعمـاً جديداً ..
طعم الهداية ..
شعرت بأن وصولها إلى تلك القناة لتشاهد البرنامج لم يكن محض مصادفة ..
بل هو الرحمن .. أراد أن يلطف بها ..
أرادها أ تتذوق شيئاً من حلاوة مناجاته ..
أراد أن يغسل فؤادها من الذنوب والخطـايــــا ..
وأن يرشدهـا إلى طريقٍ جديد .. لم تطأهُ قدمـاهـا يــــــومـــــــــاً ..
توضأت .. من جديد .. استشعرت تساقط ذنوبها مع كل قطرةِ مـاء ....
~ اللهم اجعلنـي من التوابين واجعلني من المتطهرين ~
شعرت بجبال الهموم تلك .. وقد أزيحت عن صدرها ..
كما لو أنها في مقابلة خـــــاصة مع الــمــلــكـ الــــــجــــــــبــــــار ..
نعم .. سيسمع الله مني كل حرف .. وسيرد على كلّ كلمةٍ أنطقها ..
يااااااه ... ياااربي ما أعظمكـ ..
كيف غفلتُ عن هذه المعاني ..
كيف أهملت ثاني ركن من أركان الدين .؟؟
كيف نسيت بأن الصلاة عمود الدين .. إن صلحت صلحَ ما بعدها ..
وإن فسدت فسد ما بعدها ..
كيف نسيت بأنها أول ما سيُحـاسبُ عليه المسلم يوم القيامة ..
..
استقبلت القبلة ..
رفعت كفيها .. مـُكـبـرة ..
شعرت بأنها قد حذفت الدنيا مع كفيها إلى الوراء ..
لا شيء يستحق أن أذكره في هذا اللقاء المقدس بيني وبين خالقي ..
..
حـــور .. كـَـبـّرَت للصلاة .. لتغوص في معانٍ جهلتها لسنون ..
ولتبدأ صفحـةً جديدة مع المنان ..
لتتداركـ ما بقي من أنفاسها .. قبل فواتِ الأوان ..
~ * ~حــــــــــور ~ * ~
بقلمي المغترب
ظبية الإسلامـ