أختي الكريمة /
أرى لك عقلا نيرا , وضميرا حيا , ونفسا راغبة في الخير ..
وحري بمن يملك هذه المفاتيح العظيمة أن يتخطى الصعاب بمهارة تثير الإعجاب - بعون الله الواحد القهار –
لكني لمست أثر انكسار بدا جليا في نبض كلماتك .. وقلبا مجهدا منهكا من أثر تلك الصدمة ..
وأنا هنا لست ألومك على آثار ذلك الحدث المفاجئ على مشاعرك ..
لا و لكني أرى أنك قادرة بقوة على التخطي ومجاوزة هذا المنعطف الذي مررت به بحياتك بعون الله ..
اسمعيني يا عزيزتي ..
عليك أن تدركين جيدا أن هذه الدنيا دار ابتلاء ,
ولو كانت للدعة والراحة لم تكن هناك جنة يثاب بها المناضلون , ونار يذوق حرها المفرطون ..
هذه الدنيا طبعت على كدر , وكل منا قُـسِمَ له حظه من أكدارها ..
وكلما زيد في دين العبد كلما زاد الابتلاء عليه ..
لينال الرفعة والتمكين وشرف القرب من الله العلي العظيم إن ( ثبت وصبر ورضي ) ..
ولو لم يكن في البلايا إلا أنها تعلمنا [ كنوز الدعاء والركون إلى الله والتضرع ]
لكان في ذلك فتح باب للعبد عظيم ..
لعل عبادا لم يفقهوا أسرار الحياة إلا بعد أن خاضوا لجج الابتلاء ,
فتذوقوا لذة المناجاة , وتعلموا الحكمة , وحظيت قلوبهم بالأنس بالله ,
فزهدوا به عن كل ما سواه !!!! وما أعظمها من درجة يوفق الله لها العبد ..
بل لعلهم بعد البلاء رغبوا في جنة عرضها كعرض السماء ,
وخرجت الدنيا من قلوبهم حتى وإن كانت أوما زالت في أيديهم ..
إلا أن قلوبهم عافت التعلق بها , أليس كل ما فيها إلى زوال ؟!!
فالمغتر فيها هو المغتر ..
أتدرين يا أختي الفاضلة / أن الصحابة والسلف الصالح من هذه
الأمة إذا مرت فترة لم يشهدوا فيها بلاءا في أنفسهم , أو ما يملكون ,
خشي الواحد على دينه .. ورابه من أمر دينه ما رابه ....
أختي الفاضلة / جميعنا يعلم أن أحب الناس إلى الله هم الرسل والأنبياء
صفوة خلق الله الأتقياء الأنقياء , ومع ذلك كم من صنوف الابتلاءات ابتلوا بها ,,
وما زادهم ذلك إلا صبرا ورضا وتسليم وحسن ظن ويقين بما يدخره الله لهم في الدنيا والآخرة ..
لو لم يكن في الابتلاء إلا أن يكون [ دليل حب الله للعبد ] لكان ذلك بلسما يخفف الجراح ويضمدها ..
نعم أن تعلم أن هذا دليل يستشف منه محبة الله لك ..
فتمتن له تعالى أن اصطفى الله قلبك من بين كل القلوب ليكون من القلوب المقربة !!!
أي شرف هذا الذي يراد بك إن صبرت ورضيت ؟!!
تصبري , واعلمي أنه لو كشف لك الغيب لاخترت هذا الواقع ,
فربك رحيم أعلم بما ينفع للعبد في دينه ودنياه ..
فمن رحمته تعالى جعل الأقدار تجري في مصلحة العبد ,
فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط ,
تبسمي وطيبي نفسا وقري عينا , ولا تذهب نفسك حسرات على ما فات ..
واعلمي أيتها الغالية أن أشد ساعات الليل حلكة تلك التي تعقبها خيوط الفجر !!
فكلما زادت وطأة الكربة كلما اقتربت خطوات وخطوات من فجر الفرج !!
ولتعلمي أن العبد (( ما يزال في عبادة طالما أنه ينتظر الفرج من الله )) !!....
أي دين عظيم كهذا يهتم لأدق مشاعر إنسانية , ويحول كل محنة إلى منحة ,
ويجعل الأوقات المنتظرة للفرج تصب في مصلحة هذا العبد ليرتفع رصيده من الطاعات ( فهو في عبادة ) !!!
الله أكبر .................
ليكن لك من الثلث الأخير والفجر نصيب ....
تعلمي فنون المناجاة , بثي إلى ربك الرحيم شكواك , وابكي ,
واسمحي لأجفانك أن تسدل دمعها فما أروع مناجاة الله تعالى ,
والبكاء بين يديه ...
تلك لذة لم تعرفها القلوب التي ألهتها وأشغلتها الدنيا ..
وأخيرا أختي الكريمة ..
(( أثلج الله فؤادك وعوضك خيرا وأخلف عليك خيرا ومنحت من الراحة في قابل أيامك ما ينسيك كل ما مضى لك من هموم ))
***************
هذا ما لدي فما كان فيه من صواب فمن الله وحده وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان , وأعوذ بالله من عثرات اللسان وسقطاته ...