:evil_lol:في بيت الأشباح .:evil_lol:
ذات يوم في السوق ، وجدت أن أمامي ساعتين من الوقت استطيع استغلالها دون هدف ، هرباً من الروتين اليومي والانشغال الدائم الذي أصبح ديدن أيامي المشحونة بالقلق ، ومراقبة الساعة ، والسباق مع الزمن.
رغم أني قررت التسكع فقط ، والفرجة على الملابس التنكرية التي يلبسها المتجولون بالشارع حولي في عيد الهلوين – عيد الأشباح - إلا أن واجباتي ومستلزماتي سارعت بالظهور أمام عيني منذ دخولي المول .. تذكرت أننا نحتاج بالبيت كذا ،وأن الأولاد يحتاجون ذاك ، وأنني أحتاج تلك .. وغرقت في دوامة شراء المستلزمات اليومية ، ولم أحس بالوقت الذي تأخر ، والذي تجاوز الساعتين التي رصدتها سابقا ..
لفت نظري أثناء التسوق .. نزول التخفيضات على الأقنعة ، والملابس التنكرية في المحلات ، رددت في داخلي لا ضير من المشاهدة ، لأن المحلات ستغلق سريعا احتفالا بالعيد ، وسأستطيع اللحاق بالباص .
دخلت أحد المحلات ، وأعجبتني الأقنعة ، وكان عرض القرعات المفرغة على شكل وجوه ، والإضاءة بداخلها ساحرا و مميزا لأجواء اليوم .
نظرت إلى الساعة ، وفزعت لحقيقة أن الشمس تقترب من المغيب ، وحددت وقت وقوف الباص بالمحطة ،لقد فات عليه 3 دقائق ، ركضت مسرعة ، للحاق بالباص ، ولكن للأسف كان الوقت قد فات ، رأيته قد غادر ، ومنعتني مشترياتي الثقيلة من الإشارة إليه ليتوقف .. أحسست بالإحباط، فهئنذا سأتأخر لنصف ساعة أخرى في انتظار الباص الآخر .. زفرت بضيق ، ووقفت عند الموقف الأول للباص ، وتذكرت مشواري الطويل .. أخذت أتفرج على الموجودين هنا وهناك . هذا على هيئة شيطان بقرون وذيل يحمل شوكة ، وذاك على هيئة مصاص دماء تتقاطر من أنيابه قطرات الدم وتلك على هيئة ساحرة بأنف طويل وقبعة مضحكة ضخمة ... الخ ، وتذكرت الهلوين الماضي كيف وضع الكل القرعات على مداخل بيوتهم ، وكان الأطفال يطرقون بابي كل نصف ساعة وحين أفتح يصرخون (Trick or Treater
ورغم استمتاعي بما أرى إلا أن ضيقي كنا يزداد مع كل دقيقة تمر .. بعد أن حل الظلام ، بدأت مخاوفي في الظهور ، بدأت أفكر أنني سأقطع الطريق إلى الموقف الآخر للباص الآخر الذي سأحتاج أن أركبه بالظلام .. شتمت نفسي واتهمتها بالغباء ، ألم أجد غير هذا اليوم لأقضي مستلزماتي وأتأخر ؟
حينما ركبت الباص لا أدري لم أخذت أفكر بعبدة الشيطان وأن عيد الهلوين هو عيدهم المفضل ، وأتذكر طقوسهم المفزعة فيه ، والتي يقدمون فيها ضحية للتقرب من الشيطان ، ازداد فزعي عند هذه النقطة ، وفعلا شعرت بالخوف يجتاحني .
تساءلت هل إذا رأوني مسلمة سيوسوس لهم الشيطان أن يأخذوني أنا بالذات كقربان . فعلا أحسست بقلبي يقف لدى تفكيري بذلك ، حاولت الاتصال بزوجي لأن ساقاي لم تعودان تحملاني ، تذكرت بأنه مشغول ، وسيذهب بعد انتهاءه لجلب الأطفال ، ورغم ذلك جربت الاتصال ، لأجد أن بطاقة الشحن منتهية .. تجمعت الدموع في عيني .. وظهرت لي مشاكلي كلها دفعه واحدة ، أحسست بالحزن ، والسخط ، والتعب ، وكثرة المسؤوليات ، حسدت المرتاحين ببيوتهم بدون أن يبذلوا جهدا ، أخذت أراجع قراري بالاغتراب وترك بلدي وأهلي ، بدا لي فجأة بأني أتعس إنسانة على وجه الأرض .
حينما نزلت في المحطة الأولى ، زاد رعبي لحقيقة أن الطريق خالي إلى موقف الباص الذي يقع بمنحنى الطريق المقابل .. تجمدت أطرافي من الرعب ، وأخذت أتلو آيات من القرآن حتى أهدأ .. مشيت بطريقي ، وللصدف السعيدة ، كان هناك شخص يجثم في موقف الباص المقابل ، وكان الموقف مضاءاً بنور أقوى من نور الشارع الخافت .. اقتربت من الموقف ، وانتظرت ، لفت نظري الزي التنكري للشخص الجاثم على رصيف الموقف ، كان يلبس ثيابا مهلهلة ، مقطعة ويبدو بهيئة المتشردين .. نظر إلى ساعة وقوفي بالموقف ، ففكرت ، لماذا يجلس على الأرض وليس على المقعد ، لابد أنه يريد إتقان الدور الذي يتخيله له الليلة .. حينما نظر إلى ثانية وابتسم ، بادرته بقولي ( زي تنكر لطيف ) .. سكت قليلا ولم يرد ، ثم أخذ يضحك بخفه أول الأمر ، ثم ازداد وقع الضحك حتى انقلب إلى قهقهة !!
رددت بنفسي ( معتوه ) .. واكتفيت بالنظر ،فقال : إن هذه ثيابي ،ليست زيا تنكرياً !! أحسست لأول وهلة أنه يمزح، ثم لاحظت اتساخ أظافره الشديد، وشعره القذر، والوسخ البادي على جلده.. اشمأزت نفسي ولكني أسفت على حاله ،لقد كان شابا ً، وصمت إحراجا منه .. وأردت تدارك الموقف فقلت ( اعتذر ) فقال: لا تعتذري .. أنت تنظرين لي بشفقة ، بعكس من أصادفهم لأول مره . كلهم ينظرون لي بازدراء وقرف ، ظنا منهم أني اتخذت خيارات سيئة في حياتي .. ألقيت نظري بسبب كلامه على ذراعاه الباديان من شقوق ثيابه ، لم يكن هناك آثار حقن مخدرات كما هو المعتاد في معظم المتشردين في هذا البلد . استغربت ولكني لم أسأله عن قصته .
مرت سيارة ، فقال : كان لي سيارة مثلها ، وكان لدي شقة ، وصاحبة . قلت له : و .. لأحثه إكمال كلامه ، فقال : فصلت من عملي لتغيير سياسية العمل ، وكان لدي ديون ، وها أنا متشرد . لا أدري ،لماذا طرأ علي مقولة قرأتها منذ عهد بعيد ،أن أكثر الناس شقاء هم بخلاء اليهود ، لأنهم حرموا أنفسهم في الدنيا من النعيم ،و سيحرمون في الآخرة أيضا من النعيم ، أي لم ينالوا متاع أي من الدارين .. فكرت بأن هذا الشاب مثلهم ، زال عنه نعيم الدنيا ، وسينتهي إلى جهنم إن لم يسلم ،، عند هذه النقطة حمدت الله كثيرا وتذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسلمين وأن أمرهم كله خير ، إن أصابتهم سراء شكروا فكان خيرا لهم ، وإن أصابتهم ضراء صبروا فكان خيرا لهم .
في لحظة تضاءلت متاعبي التي تراكمت أثناء ركوبي الباص ، وحمدت ربي كثيرا على كل شيء
.ولكن ظلت مخاوفي من ( عبدة الشيطان ) مستمرة حتى وصلت إلى بيتي الآمن ، وكانت هذه أكثر ليالي رعبا بهذا البلد .