لم يطل الانتظار عند نقطة تفتيش الشميسي أكثر من سبع دقائق....
لينطلق بعدها السوبربان نحو مكة المكرمة...
وعلى أحد أبواب المسجد الحرام وقف أبو صالح هنيهة ليعظ أم صالح والزغروطة ويوصيهما بإحسان
العبادة والطواف والبعد عن المهاترات الجانبية والخلاف....ودخل الثلاثة صحن المطاف...
أبو صالح لزوجتيه قبل الشروع في الطواف موجها ومصدرا تعليماته
:الزحام معقول....امشيا خلفي ولتمسك كل واحدة بطرف ردائي....
ولو قدر الله وتفرقنا فليكن الموعد آخر الصحن تحت المكبرية الصغرى(خلف الحجر)...
أم صالح:إن شاء الله ما نتفرق حتى نموت....
الزغروطة وقد أخافتها كلمة الموت:فال الله ولا فالك...يا شيخة..إن شاء الله برا وبعيد...
أم صالح:وأنا وش قلت عاد....
أبو صالح:ما قلت شيئا...يا الله توكلنا على الله.....
أم صالح كانت تمسك بطرف رداء أبي صالح وفي الوقت نفسه تريد أن تستأثر بظهر أبي صالح كله وبقفاه...
وأما الزغروطة فكانت تزاحم للحصول على نصيب أكبر من ظهره وقفاه...غير أن الكفة رجحت لأم صالح إذ
هي الأوفر حظا وجسما...
أبو صالح أيها السادة كان مشغولا باختراق الجموع وإيجاد طريق ميسر له ولزوجتيه اللتين كانتا تشدان الرداء
فتكادان تخنقانه في بعض الأحيان....
وكان شد أم صالح والزغروطة لسببين:
الأول:اضطراري إلى حد ما حين تدفع الجموع إحداهما فتشد يدها على الرداء حتى لا تذهب بعيدا...
الثاني:اختياري...بسبب محاولة كل واحدة أن تكون هي الملتصقة بأبي صالح والمستأثرة بظهره وقفاه خالصين
لها دون الأخرى...
أبو صالح كان ينادي:يا هو فكي الرداء...لقد خُنقت....
وبدأت أم صالح والزغروطة تتبادلان التهم....أنت التي شديتي الرداء بقوة.....بل أنت من خنقت الرجال....
الزغروطة وهي تطوف رأت امرأة تطوف بجانب زوجها وقد تأبط ذراعها....فقالت في نفسها:
يا حسرة عليك يا بدرية....فسنحت لها فكرة....حيث تقدمت على يمين أبي صالح....وسرعان ما تأبطت ذراعه
الأيمن....
أبو صالح:خير يا بدرية.....
الزغروطة بدر....(اسم الدلع كما يحلو لأبي صالح أن يدلعها دائما في خفية عن أم صالح):أنا خايفة من الزحام...
أم صالح:يا غافل لك الله أنستها المكاسب التي حققتها عن متابعة التطورات الجديدة....خصوصا وقد كانت هناك
امرأة تسير خلف أبي صالح فحسبتها الزغروطة....
وأما أبو صالح فكان مستأنسا جدا.....وما له ألا يستأنس وقد تأبطت ذراعه الزغروطة فأحس بالدفء
والأمان...والعطف والحنان...
مرت ثلاثة أشواط وربما أربعة....لتكتشف أم صالح أن الزغروطة قد تقدمت بجوار أبي صالح...فتقدمت بدورها
لتقف إلى شماله....مساك الله بالخير...
أنا قاعدة وراك أمشي....وش الي جاب بدرية قدام مع أننا اتفقنا على أن نمشي خلفك؟؟؟...
أبو صالح:كله واحد.....ورا.....قدام.....كله واحد.....ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب
النار..
اضطر أبو صالح أن يجعل يديه من خلف ظهري زوجتيه حماية من الزحام ودفعا لبعض الحجيج الذي لا
ينظرون أمامهم فيصطدمون بالطائفين رجالا كانوا أم نساء....
شعرت أم صالح بأنها عادلت الكفة....وفجأة ضاقت السبل واشتد الزحام والضغط فإذا بالزغروطة ظهرها
في أحضان أبي صالح....وتتحول من الجنب إلى الأمام....
وأم صالح تنظر بعين الحسرة وتحاول الوصول إلى ما وصلت إليه الزغروطة...لكن هيهات فقد منعها الزحام ما
تصبو إليه...
كان الله في عون أبي صالح يده اليمنى تلتف لتحمي الزغروطة التي كانت تمشي وهي في حجره....وشماله كانت
من خلف ظهر أم صالح التي كانت تحاول بكل سبيل أن تزحزح الزغروطة عن مكانها....
هدأ الزحام قليلا....فتقدمت أم صالح ووقفت بجسمها أمام أبي صالح بل وأمام الزغروطة بدرية...
وهنا تدخل أبو صالح ودفع برفق الزغروطة-متظاهرا بأن ذلك بسبب الزحام-ليجد مكانا لأم صالح...
وانتهى الطواف أبو صالح في الخلف وزوجتاه أمامه....
وأما السعي فقد فضل أبو صالح أن يسعى بزوجتيه من الدور الأعلى.....
كان الجميع متمعتين....وبعد أن أدوا العمرة لله....وخرجوا من الحرم....أعطى أبو صالح المقص لأم صالح
وطلب منها أن تقصر من جميع أجزاء رأسه....
تقدمت الزغروطة بسرعة وقالت:أنتي قصري النصف ولي النصف الآخر....
قالت أم صالح:حتى في الشعر تبين النصف....ما يكفين أخذتي نصف أبو عيالي عليَّ وعلى عيالي.... ا لزغروطة:أخذت نصف أبو عيالك؟؟؟....سرقته وإلا لهفته يا عيني....ما أنا زوجته مثلي مثلك....
أبوصالح:يا جماعة صلين على النبي....واتركن هذا الكلام الي ما له داعي....
الزغروطة:أنت ما أنت سامع يا بو صالح وش قاعدة تقول أم صالح....وليش هيه التي تقصر شعرك...أنا ما
أعرف أقصر....وأخرجت من حقيبتها الصغيرة مقصا صغيرا...
أخذ أبو صالح ينظر في المقصين في يد كل من زوجتيه....فقال لإحداهما:أنتي قصري من هنا...وأنتي قصري
من هنا...
انتهى التقصير بعد مدة ليست بالقصيرة....وقد راغت أم صالح بالمقص على جلدة رأس أبي صالح فكادت
تجرحها بل قد جرحتها جرحا لطيفا خفيفا ظريفا....والسبب كثرة حملقتها ومراقبتها للزغروطة بدرية وهي تقوم
بتقصير شعر أبي صالح....
أم صالح:وقد أعطت المقص لأبي صالح:يا الله يا حجي تفضل وقصر من شعري وحللني...
ونهضت الزغروطة مسرعة وناولت أبي صالح المقص وقالت:يا الله يا بو صالح قصر يا عيني قصر...
أبو صالح:وقد بدأ يمارس نوعا من العدالة الاجتماعية:بمن أبدأ؟؟؟....
قالت أم صالح:وهذي يبغالها سؤال....طبعا بالكبيرة....
الزغروطة مهتبلة الفرصة....صدقت أم صالح....هي الكبيرة العبيرة تستاهل أم صالح....
كبيرة عبيرة احترمي نفسك لو سمحت....أنا أكبر منك نعم.....لكن مو لهذي الدرجة....يا حبيبتــــــــــي!!!!!
وش الفرق بيني وبينك ثلاث وإلا أربع سنوات....ما هي شيء....كلها خبرة وتجارب والحمد لله....
أبو صالح مستظرفا نفسه بعض الشيء:لماذا لا تقص كل واحدة منكما للأخرى؟؟؟...وتكسبان الأجر في بعضكما
فقالتا بلسان واحد:بل نريد أن تكسب فينا الأجر يا أبا صالح....
فبدأ برأس أم صالح وغض بصره حين رأى شعرة أو شعرتين بيضاوين تتواريان خلف الشعر الأسود...المتدلي
في ظفائر أربع...
ومحاولا في الوقت نفسه ألا تراهما الزغروطة فيزداد اعتدادها بنفسها...
ثم راغ إلى رأس الزغروطة فسُري عنه وهو يمسك الشعر الأسود الناعم....(لا تحسبوا أن شعر أم صالح ليس
ناعما ولكن نعومة شعر الزغروطة عند أبي صالح لا يعدله شيء)....
وفي العزيزية اكترى أبو صالح شقة من غرفتين وحمام ومطبخ.....
أبو صالح هزه الشوق بعد أن تحلل من العمرة....ولكن الوقت لا يسمح له بشيء مما هزه الشوق إليه....حيث
اليوم يوم التروية...حيث تحلل في النهار ولسوف يحرم بالحج في المساء.....فصبر جميل أبا صالح....
وفي عرفات مر اليوم دون مناوشات سوى طفيفة.....وتضرع الركب إلى الله....وتسامحت أم صالح من
الزغروطة..وتسامحت الزغروطة من أم صالح....وتسامحتا من أبي صالح....وتسامح أبو صالح منهما...
ونفروا إلى مزدلفة نفرة يسيرة....وبعد أن أدوا صلاة المغرب والعشاء جمعا وقصرا....وتناولوا وجبة عشاء
خفيفة....وبعد حوالي ساعتين تهيأ الجميع للنوم....كل ينام في جهة درء للفتنة ووساوس الشيطان....
قالت الزغروطة إنها تريد دورة الماء....فقال أبو صالح:وأنا أيضا....وأنتي يا أم صالح....
قالت أم صالح:أنا والله متعبة...ولا أريدها.....
ذهب أبو صالح وزغروطته إلى دورة الماء....ووجدا متنفسا للحديث مع بعضهما....وأخذ أبو صالح يوصي
زغروطته وصايا رقيقة شفيقة بأن توسع خاطرها لأم صالح وألا تخلي عقلها بعقلها....فأنت المتعلمة التعليم
العالي المثقفة....ومن أسرة واعية.....ولو سمعت أم صالح شيئا من هذا الكلام لجعلت أبا صالح ينفر من مزدلفة
أول الليل وهو لا يلوي على شيء....
عاد الاثنان إلى أم صالح ليجداها جالسة وهي تتربص بهما وتترقب عودتهما على أحر من الجمر الملتهب...
أبو صالح:خير يا أم صالح....ليش صاحية....كنت أتوقع إنك في سابع نومة....
أم صالح:أنا عارفة أنك تبغاني أكون في سابع نومة.....عشان تاخذ راحتك وأنت وبدرية....
أبو صالح:الله يسامحك يا أم صالح....أنا قلقان عشانك....الله يهديك....
أم صالح:با ين قلقان عشاني....وعشان كذا النوم ما هوب جايك....وقاعد رايح جاي تتمشى....
أبو صالح:يا الله ننام...عشان بنقوم بعد كم ساعة عشان نرمي الجمرة الكبرى....يا الله التيسير...
وما إن وضع أبو صالح جنبه على الفراش....وبدأت أسراب من النوم تتوافد على رأسه....
حتى قالت أم صالح:
يا بو صالح أبغى الدورة....
فرد أبو صالح:الدورة يا عزيزتي....تمشين بعد الباص الي قدامنا وبعدين تلفين يسار وبعدين....
وفي أثناء هذا الوصف قالت أم صالح:لا بعدين ولا قبلين....قم الله يعينك....روح معي....
يا بنت الحلال....الحمام قريب....وأنا والله أحس ظهري بينقص....روحي وتعالي....
الزغروطة بدرية:خلاص يا بو صالح أنا أروح معاها وأوريها الحمام وانتظرها حتى تنتهي ونرجع سوا(حين
قالت الزغروطة كلمة سوا....تذكر أبو صالح بمرارة مبلغ النصف مليون ريال الذي ذهب في سوا فلم يعد ولن
يعد!!!...
أم صالح:أبو صالح.....الله لا يهينك تعال معي زي ما رحت مع بدرية.....
أبو صالح:أبشري يا أم صالح...غالي والله والطلب رخيص....قالها بشيء من الامتعاض الذي أخفاه في قالب من
الود المعلب الذي أوشك تاريخ صلاحيته على الانتهاء....
الليلة ليلتك يا أم صالح...كانت هذه الكلمات تتقافز وتتراقص في قلب أم صالح وهي تمشي بجوار أبي صالح
تاركة بدرية وراءها ظهريا....
كانت أم صالح تمشي بتلكأ وتلكع فكل دقيقة تخلو بأبي صالح فهي في صالحها حتى لو كانت في الطريق إلى بيت
الخلاء....
عادت أم صالح وأبو صالح ليجدا بدرية الزغروطة واقفة تترقب مجيئهما....
ما نمت يا بدرية....قالتها أم صالح....
ما عندي نوم....يا عيني.....قالتها بدرية....
فقال أبو صالح:أما أنا فو الله لا أستطيع أن تحملني قدماي من الإعياء والتعب...
فاضطجع وقال:تصبحان على خير....
نام أبو صالح وبدأ في عزف سيمفونيته المعتادة بالشخير...
وأما أم صالح...فكانت تراقب بدرية....وأما بدرية فكانت تراقب أم صالح...تخشى كل واحدة منهما أن تخلو
صاحبتها بكلمة أو بحركة أو بسكنة من أبي صالح....
ليهنك المضجع والمرقد أبا صالح....وعلى مقربة من قدميك حارسان مخلصان يتنافسان في ودك وحراستك....
استيقظ أبو صالح وانطلقوا إلى منى وتمكن الجميع من الرمي....واتجهوا إلى مكة فطافوا للإفاضة وسعوا ثم حلق
أبو صالح رأسه عند الحلاق....وقصرت كل واحدة من زوجتيه للأخرى...
وذهبوا لشقتهم ليستريحوا....أراد أبو صالح أن يفطر على شكشوكة....
من يقطع البصل والطماطم؟؟؟....ومن يصنع الشاي...ومن يصنع الشكشوكة....
طبعا أم صالح مشهورة بطبيخها...والزغروطة بضاعتها في الطبخ مزجاة....ولكن طعامها محبب عند أبي
صالح..فلتطهو ما تشاء...
أم صالح:يا الله يا بدرية قطعي البصل والطماطم....وأغلي الماء....وأنا سوف أقوم بالباقي...
بدرية:وليش أنتي ما تقطعين البصل والطماطم وأنا أسوي الشكشوكة....
أم صالح:أبو صالح ما يسمع في شكشوكتي....وإلا أيش رأيك يا بو صالح....
أبو صالح رأى أنه سوف يدخل نفقا مظلما بهذا النقاش الذي قد يشتد ويحتد بسرعة....فبادر عفا الله عنه
إلى المطبخ وراغ إلى البصل فقطعه وإلى الطماطم فمزقها....وهو يردد:خيار القوم خادمهم....
وقال:يا الله يا أم صالح....وقالت الزغروطة معقبة:اليوم يومك يا أم صالح....فدخلت أم صالح وأمسكت بالمقلاة
ودفعت براد الشاي إلى الزغروطة وقالت:يا الله يا شطورة ورينا شطارتك في الشاي....
أفطر الجميع وناموا في غرفة واحدة...كل في جهة....أبو صالح تحلل ويبي يتدلل....ولكن حيل بينه وبين ما
يشتهي...
وحان وقت الغداء....فأخذها أبو صالحة برأسه...وشمر عن ساعديه....وتذكر أيام العزوبة بشيء من اللوعة...