هذه الدنيا دار للابتلاء والامتحان وسنة الله تعالى فيها ابتلاء الجميع ،قال سبحانه أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)[العنكبوت:2-3] ،
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)[البقرة:214]،
(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[آل عمران:186]،
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)[محمد:31]،
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ()الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ()أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)[البقرة:155-157].
ولا يستثنى أحد من الابتلاء ،ولو استثني أحد لكان النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه ابتلي بجميع أنواع الابتلاء من جوع وخوف وتهديد وسب وشتم وتشويه سيرته ومحاولات اغتيال وحصار ومقاطعة وتهجير من بلده وطعن في عرضه وموت أبنائه وأحبابه وغير ذلك من أنواع البلاء .
عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ :يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ) ،
ونستفيد من هذا الحديث أن الابتلاء قد يكون علامة محبة ؛ وذلك إذا ما كان الرجل من أهل الصلاح ، وأما إذا كان من أصحاب المعاصي فقد يكون عقوبة.
- حكمة الابتلاء:
1/معرفة الصادق بإيمانه من الكاذب: كما قال سبحانه في آية العنكبوت السابقة{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ }العنكبوت3 ، فإن بعض الناس يجعل عبادته لله في السراء فقط وأما في الضراء فإنه ينقلب على عقبيه؛قال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }الحج11 ،
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – في تفسير قوله سبحانه {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ }الحج11 - قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ فَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قَالَ :هَذَا دِينٌ صَالِحٌ ،وَإِنْ لَمْ تَلِدْ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ : هَذَا دِينُ سُوءٍ) .
2/تكفير الذنوب : فإن العبد كثير الذنوب سريع الخطا إلى الخطا ،وقد علم الله أن توباتنا لا تكفي حوباتنا فجعل الله للعبد أنهارا كثيرة لتكفير ذنوبه ، ومن هذه الأنهار الابتلاءات ، كما في حديث سعد السابق (...فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ)،وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ[تعب] وَلَا وَصَبٍ [مرض]وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا – وفي رواية مسلم (حتى الهم يهمه)- إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ).
3/رجوع الناس إلى ربهم :
فإن الإنسان إذا كان في أمان دائم وغنى جاثم فإنه قد ينسى ربه بل قد يتكبر أن يرفع يديه بالتضرع والدعاء ، ولسان حاله لماذا أدعو وأنا عندي كل شيء ؟! قال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى(*)أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)[العلق:6-7]، فيأتي البلاء ليكشف له غرور نفسه وحاجته الدائمة لربه فيلقى نفسه في محراب التضرع والتوبة والدعاء والإنابة ، قال سبحانه (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)[الأنعام:42].
4/تذكير الغني بحال الفقير ، والمعافى بحال المبتلى :
فإن أحس الغني بالجوع مرة والمعافى بالمرض مرة ، فإن هذا قد يذكره بمن كان الهم لصيقه والمرض رفيقه ، ومن كان ليس له جليس إلا الجوع ولا أنيس إلا الدموع ، فيتذكرهم بالإحسان والصدقة والإعانة.
5/تزهيد الناس في الدنيا وتعليق القلب في الجنة:
فإذا كانت الدنيا كثيرة البلاء ، مليئة بالهموم والأكدار ،طافحة بالأوصاب والأحزان ، وأيقن العبد بمدى قصرها وكثرة أنكادها ، اشتاقت نفسه إلى الخلود الأبدي في دار السلام السالمة من كل هم وحزن وكدر ووصب ونصب ونكد وبلية ، بل كل ما فيه حسن، نسأل الله من فضله.
- المخرج من المحن والابتلاءات:
- المخرج الأول :عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر : هذه العقيدة التي تكسب المسلم السعادة ، وتورثه الطمأنينة ، وتبث في نفسه الراحة ،وتجلله بالأمان ،وتطرد عنه الهموم ،وتبعد عنه الغموم ،وتسليه من الأحزان ، من آمن بهذه العقيدة فقد أعطي مفاتح أبواب السعادة في الدنيا والآخرة التي تنوء بها العصبة أولو القوة،ومن تخلى عنها طرفة عين ابتلعه حوت الأحزان وأغرقه طوفان الهموم وجرفه إعصار التعاسة،قال تعالى(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ …)[التغابن:11]، (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)[التوبة:51]،
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ) [أحمد،حسن]،
وعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَه)[مسلمُ]، وعن أنس أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ) [أحمد،حسن]؛فإذا كان الله لا يقضي للمؤمن شيئا إلا وهو خير له فلم الجزع إذن.
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَقَالَ يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ؛ احْفَظ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ) [الترمذي،حسن].
دع المقادير تجري في أعنتها ولا تبيتن إلا خالي البالِ
ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حالِ.
اللهم اجعلنا من الراضين بقضائك المسلمين لقدر والمنقادين لحكمك المتدبرين لحكمتك.
- المخرج الثاني:التوكل على الله تعالى : وهي ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر ، وهذه العبادة قد أمرنا الله تعالى بها {وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }آل عمران122،{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً }النساء81 ، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ)[النمل:79]، والتوكل : هو تفويض الأمر لله والاعتماد عليه وثقة القلب به بعد فعل الأسباب، فالمؤمن يجمع بين فعل السبب والاعتماد على المسبب وهو الله تعالى (اعقلها وتوكل ) [الترمذي،حسن]، فالاعتماد على السبب شرك وترك السبب قدح في العقل، وقد ضمن الله سبحانه للمتوكل الكفاية له من كل ما أهمه {يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }الطلاق3 يعني كافيه.
وانظر كيف نجى الله إبراهيم من النار فجعلها له بردا وسلاما عندما قال (حسبنا الله ونعم الوكيل)[البخاري] ، وفلق البحر لموسى عندما قال {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }الشعراء62 ، ونجى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر من العدو المحاصر للغار عندما قال صلى الله عليه وسلم {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}التوبة40، و شق الصخر لأم إسماعيل وأخرج منه بئر زمزم عندما قالت (إذن لا يضيعنا)[البخاري].
- المخرج الثالث:الإكثار من الطاعة في أوقات الفتن والأزمات:
وذلك أنه في وقت الفتن يختلط الحق بالباطل وتشتبه الأمور على الناس ، فالفتن تجعل الحليم حيران ، فما بالك بغيره من الناس، لهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعبادة ، فإنه إذا توقف دليل العقل والبصيرة احتاج العبد إلى دليل رباني وهادية إلهية تلهمه رشده ، فأقرب ما يكون الإنسان منها إذا كان كثير العبادة؛ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ)[مسلم ]، والعبادة تملأ القلب بالسكينة فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والعبادة تأتي بالفرج من الله (صنائع المعروف تقي مصارع السوء)، ومن أنواع العبادة:
- قراءة القرآن : فإن السكينة تنزل عند قراءة القرآن.
- الصلاة : فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، ويقول : أقم الصلاة يا بلال أرحنا بالصلاة .
- الدعاء: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا}الفرقان77وكان صلى الله عليه وسلم يحض علـــى دعاء المكروب : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) ، وكان يقول في الشدائد ( الله الله ربي لا أشرك به شيئا ) ويردد : (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا هو رب العرش العظيم، لا إله إلا هو رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم ) ، وكان يقول : من قــال ( بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ) إذا أصبح لم يضره شيء ذلك اليوم حتى يمسي ، وفي المساء حتى يصبح ، وكان يكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله .
- الاستغفار: قال تعالى {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }الأنفال33، وقال صلى الله عليه وسلم: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب).
- المخرج الرابع: الصبر : وهو أوسع عطاء يعطاه المؤمن ، فادخل في حصنه الحصين ، وأغلق عليك بابه المتين ، ولا تدع الجزع يدخل عليك ، فأنت بالصبر قوي على كل مصيبة ، قال تعالى {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ }البقرة45، فإن كان الله معك فما الذي تخافه.
- المخرج الخامس:التوبة من كل الذنوب: قال سبحانه :{وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ }الشورى30،قال كثير السلف:ما نزل بلاء إلا بذنب و لا رفع إلا بتوبة.
هذه الدنيا دار للابتلاء والامتحان وسنة الله تعالى فيها ابتلاء الجميع ،قال سبحانه أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)[العنكبوت:2-3] ،
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)[البقرة:214]،
(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[آل عمران:186]،
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)[محمد:31]،
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ()الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ()أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)[البقرة:155-157].
ولا يستثنى أحد من الابتلاء ،ولو استثني أحد لكان النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه ابتلي بجميع أنواع الابتلاء من جوع وخوف وتهديد وسب وشتم وتشويه سيرته ومحاولات اغتيال وحصار ومقاطعة وتهجير من بلده وطعن في عرضه وموت أبنائه وأحبابه وغير ذلك من أنواع البلاء .
عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ :يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ) ،
ونستفيد من هذا الحديث أن الابتلاء قد يكون علامة محبة ؛ وذلك إذا ما كان الرجل من أهل الصلاح ، وأما إذا كان من أصحاب المعاصي فقد يكون عقوبة.
- حكمة الابتلاء:
1/معرفة الصادق بإيمانه من الكاذب: كما قال سبحانه في آية العنكبوت السابقة{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ }العنكبوت3 ، فإن بعض الناس يجعل عبادته لله في السراء فقط وأما في الضراء فإنه ينقلب على عقبيه؛قال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }الحج11 ،
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – في تفسير قوله سبحانه {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ }الحج11 - قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ فَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قَالَ :هَذَا دِينٌ صَالِحٌ ،وَإِنْ لَمْ تَلِدْ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ : هَذَا دِينُ سُوءٍ) .
2/تكفير الذنوب : فإن العبد كثير الذنوب سريع الخطا إلى الخطا ،وقد علم الله أن توباتنا لا تكفي حوباتنا فجعل الله للعبد أنهارا كثيرة لتكفير ذنوبه ، ومن هذه الأنهار الابتلاءات ، كما في حديث سعد السابق (...فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ)،وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ[تعب] وَلَا وَصَبٍ [مرض]وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا – وفي رواية مسلم (حتى الهم يهمه)- إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ).
3/رجوع الناس إلى ربهم :
فإن الإنسان إذا كان في أمان دائم وغنى جاثم فإنه قد ينسى ربه بل قد يتكبر أن يرفع يديه بالتضرع والدعاء ، ولسان حاله لماذا أدعو وأنا عندي كل شيء ؟! قال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى(*)أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)[العلق:6-7]، فيأتي البلاء ليكشف له غرور نفسه وحاجته الدائمة لربه فيلقى نفسه في محراب التضرع والتوبة والدعاء والإنابة ، قال سبحانه (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)[الأنعام:42].
4/تذكير الغني بحال الفقير ، والمعافى بحال المبتلى :
فإن أحس الغني بالجوع مرة والمعافى بالمرض مرة ، فإن هذا قد يذكره بمن كان الهم لصيقه والمرض رفيقه ، ومن كان ليس له جليس إلا الجوع ولا أنيس إلا الدموع ، فيتذكرهم بالإحسان والصدقة والإعانة.
5/تزهيد الناس في الدنيا وتعليق القلب في الجنة:
فإذا كانت الدنيا كثيرة البلاء ، مليئة بالهموم والأكدار ،طافحة بالأوصاب والأحزان ، وأيقن العبد بمدى قصرها وكثرة أنكادها ، اشتاقت نفسه إلى الخلود الأبدي في دار السلام السالمة من كل هم وحزن وكدر ووصب ونصب ونكد وبلية ، بل كل ما فيه حسن، نسأل الله من فضله.
- المخرج من المحن والابتلاءات:
- المخرج الأول :عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر : هذه العقيدة التي تكسب المسلم السعادة ، وتورثه الطمأنينة ، وتبث في نفسه الراحة ،وتجلله بالأمان ،وتطرد عنه الهموم ،وتبعد عنه الغموم ،وتسليه من الأحزان ، من آمن بهذه العقيدة فقد أعطي مفاتح أبواب السعادة في الدنيا والآخرة التي تنوء بها العصبة أولو القوة،ومن تخلى عنها طرفة عين ابتلعه حوت الأحزان وأغرقه طوفان الهموم وجرفه إعصار التعاسة،قال تعالى(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ …)[التغابن:11]، (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)[التوبة:51]،
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ) [أحمد،حسن]،
وعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَه)[مسلمُ]، وعن أنس أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ) [أحمد،حسن]؛فإذا كان الله لا يقضي للمؤمن شيئا إلا وهو خير له فلم الجزع إذن.
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَقَالَ يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ؛ احْفَظ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ) [الترمذي،حسن].
دع المقادير تجري في أعنتها ولا تبيتن إلا خالي البالِ
ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حالِ.
اللهم اجعلنا من الراضين بقضائك المسلمين لقدر والمنقادين لحكمك المتدبرين لحكمتك.
- المخرج الثاني:التوكل على الله تعالى : وهي ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر ، وهذه العبادة قد أمرنا الله تعالى بها {وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }آل عمران122،{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً }النساء81 ، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ)[النمل:79]، والتوكل : هو تفويض الأمر لله والاعتماد عليه وثقة القلب به بعد فعل الأسباب، فالمؤمن يجمع بين فعل السبب والاعتماد على المسبب وهو الله تعالى (اعقلها وتوكل ) [الترمذي،حسن]، فالاعتماد على السبب شرك وترك السبب قدح في العقل، وقد ضمن الله سبحانه للمتوكل الكفاية له من كل ما أهمه {يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }الطلاق3 يعني كافيه.
وانظر كيف نجى الله إبراهيم من النار فجعلها له بردا وسلاما عندما قال (حسبنا الله ونعم الوكيل)[البخاري] ، وفلق البحر لموسى عندما قال {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }الشعراء62 ، ونجى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر من العدو المحاصر للغار عندما قال صلى الله عليه وسلم {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}التوبة40، و شق الصخر لأم إسماعيل وأخرج منه بئر زمزم عندما قالت (إذن لا يضيعنا)[البخاري].
- المخرج الثالث:الإكثار من الطاعة في أوقات الفتن والأزمات:
وذلك أنه في وقت الفتن يختلط الحق بالباطل وتشتبه الأمور على الناس ، فالفتن تجعل الحليم حيران ، فما بالك بغيره من الناس، لهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعبادة ، فإنه إذا توقف دليل العقل والبصيرة احتاج العبد إلى دليل رباني وهادية إلهية تلهمه رشده ، فأقرب ما يكون الإنسان منها إذا كان كثير العبادة؛ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ)[مسلم ]، والعبادة تملأ القلب بالسكينة فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والعبادة تأتي بالفرج من الله (صنائع المعروف تقي مصارع السوء)، ومن أنواع العبادة:
- قراءة القرآن : فإن السكينة تنزل عند قراءة القرآن.
- الصلاة : فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، ويقول : أقم الصلاة يا بلال أرحنا بالصلاة .
- الدعاء: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا}الفرقان77وكان صلى الله عليه وسلم يحض علـــى دعاء المكروب : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) ، وكان يقول في الشدائد ( الله الله ربي لا أشرك به شيئا ) ويردد : (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا هو رب العرش العظيم، لا إله إلا هو رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم ) ، وكان يقول : من قــال ( بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ) إذا أصبح لم يضره شيء ذلك اليوم حتى يمسي ، وفي المساء حتى يصبح ، وكان يكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله .
- الاستغفار: قال تعالى {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }الأنفال33، وقال صلى الله عليه وسلم: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب).
- المخرج الرابع: الصبر : وهو أوسع عطاء يعطاه المؤمن ، فادخل في حصنه الحصين ، وأغلق عليك بابه المتين ، ولا تدع الجزع يدخل عليك ، فأنت بالصبر قوي على كل مصيبة ، قال تعالى {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ }البقرة45، فإن كان الله معك فما الذي تخافه.
- المخرج الخامس:التوبة من كل الذنوب: قال سبحانه :{وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ }الشورى30،قال كثير السلف:ما نزل بلاء إلا بذنب و لا رفع إلا بتوبة.
قال الامام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه الفوائد
في قوله تعالى: «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون» البقرة : الآية رقم :216
في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد ، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب ، والمحبوب قد يأتي بالمكروه ، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة ، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعاقب ، فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد « وِ» أوجب له ذلك أمورا:
منها: أنه لا أنفع له من امتثال الأمر وإن شق عليه في الابتداء؛ لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح ، وإن كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع، وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب النهي وإن هويته نفسه ومالت إليه، فإن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب ، وخاصة العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبها من الألم العظيم والشر الطويل ، فنظر الجاهل لا يجاوز المبادئ إلى غاياتها، والعاقل الكيس دائما ينظر إلى الغايات من وراء ستور مبادئها فيرى ما وراء تلك الستور من الغابات المحمودة والمذمومة. فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط فيه سم قاتل ، فكلما دعته لذته إلى تناوله نهاه ما فيه من السم ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق مفض إلى العافية والشفاء ، وكلما نهاه كرهه مذاقه عن تناوله أمره نفعه بالتناول. ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم تدرك به الغايات من مبادئها وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق لما يؤمل عند الغاية ، فإذا فقد اليقين والصبر تعذر عليه ذلك ، وإذا قوي يقينه وصبره هان عليه كل مشقة يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة.
ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التعويض إلى من يعلم عواقب الأمور والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجو فيه من حسن العاقبة. ومنها : أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم ، فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم ، فلا يختار على ربه شيئا بل يسأله حسن الاختيار له وأن يرضيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك.
ومنها: أنه إذا فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه ، بما يختاره هو لنفسه .
ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات ، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة وينزل في أخرى ، ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه؛ لأنه مع اختياره لنفسه ، ومتى صح تفويضه ورضاه، اكتنفه في المقدور العطف عليه واللطف به فيصير بين عطفه ولطفه، فعطفه يقيه ما يحذره ، ولطفه يهون عليه ما قدره.
إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه تحيله في رده، فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحا كالميتة ، فإن السبع لا يرضى بأكل الجيف.
بعد طلاقي من زواجي الأول جلست قرابة السنتين خلصت المتوسطه وجلست سنه بالبيت بعدها تقدم لخطبتي رجل من الجماعه بس كبير بالعمر يعني الحين عمري 19 سنه كنت والله يبنات باالحوش أحرق الكتب بعد الأختبارات مع أختي كانت معي بنفس المرحله هي أصغر مني بسنه بس دخل علي خالي بحكم انه مثابت والد وقال فلان تقدم لخطبتك طبعا هم يعرفونه انا معرف شي عنه غير اسمه بس وقالي دامه خطب انا معطيه قلت طيب اعطوني فرصه افكر قالو وش تفكري الرجال زين ومن الجماعه وافقت وتزوجت الزوج الثاني بموافقه مني مع عدم القناعه الذاتيه به وبعد شهرين من زواجي حملت بطفلتي الأولى كان زوجي فظ غليظ القلب لايرحم ومن اقومك حتى انام مافيه حتى كلمة شكر أوعطف منه لي وأضيفو يأخوات من تزوجته ميعطيني غير مية ريال والله على ماأقول شهيد وتعرفون يأخواتي الحمل والوحام كيف صايرالحمدلله هذي نعمه من نعام الله علينا نفست بالبنت الأولى والله يأخوات غير خالي يجيب لي ويعتني فيني واناوحام وانا نافس يوكلني من يده ـوهو لاحياة لمن تنادي مدري من وين جايب البخل والجبروت مدري كان طول الوقت يايهاوش ولا ساكت ولايضرب بس هذي حياتي معاه ومشت الحياه كذا وتحملت انواع الأهانات وشد الشعر غير الأجهاد النفسي الي أشعر فيه بعد ثلاث سنوات حملت بطفلتي الثانيه واراد الله وتوفي خالي الي قلت لكم له علاقه بقصتي في الملف الأول قبل الزواج تذكرون وبعد وفاة خالي بشهرين فقط خطف زوجي بناتي وهرب فيهم عند امه قالي بوديهم السوبر وأنتظر وانتظر ربع ساعه نصف ساعه ساعه ولا خبرأتصل فيني قال أنا أخذت البنات لمي وانتي خلك عند خوالك والله يبنات لبست عبايتي واركض بالشارع بدون جزمه الله يكرمكم امه وأخواته من بنتي الكبيره وهم يحاولون ياخذونها مني وكأن زوجي ينتظر ان خالي يموت علشان يسوي فيني كذا تعبت نفسيتي البنت الصغيره عايشه على الرضاعه والماء أسقيها بالملعقه وش أقولكم عن همي وش أقول حسبي الله ونعم الوكيل أتصلت فيه على بالي يمزح قالي ودي من زمان أسوي فيكي كذا بس خالك ماسكني عنك طبعا" يدور شي يبرهن لنفسه ماأقول أني كامله يأخوات تزوجته راتبه 3الأف ريال وقفت جنبه خمس سنوات من عمري أشترى بيت وبعدين ثاني أغتنى الرجال وشاف نفسه وتزوج الثانيه بعد مطلقني بشهر وأخذ مني بناتي الثنتين وصرت تعبانه مره من النفسيه تخيلو مطلقني سنه ويقول لناس ماحصل عارفين ليش علشان مااتزوج انتو متخيلين الدناءه الي هو فيها دخلت المستشفى بعد مخذالبنتين جلست يومين وطلعت معي أختي حاكله همي وعشت فصل من أقصى وأمر قصصي الي مريت فيها بحياتي الحين يوم أشوف بناتي ينكسر قلبي الكبيره عمرها 15 والثانيه عمره12سنه قلبي ينمزع من محله من نظرت الأنكسار الي في قلوبهن وأدعي ربي أن يخليهن لي ويمد في عمري وأشوفهم برغد من عيش الحياه ولايشوفون الي شفته في حياتي ملاحظه أنا كنت أحب الرقص والطق والحفلات والوناسه بتقولين ليش تقولين لنا بالقصه الثالثه مفاجئه ترقبون بعد قليل وأنتهت قصتي بالطلاق الثاني الفقيرهـ الى ربها بإذن الله العروس
يأخوات أنا أشوفهم وكل شي موب تعبانه من نحايتهم الحين بعد ماكبرو بس يوم كانوصغار مكذب عانيت سنه ماشفتهن من ظلم البشر حسبي الله ونعم الوكيللاتقلقو علي أنا وهن بخير ولله الفضل والمنه