ما هو الدافع الحقيقي لقيام العلاقة بين رجل وامرأة ؟؟
وإذا اعتبرنا هذا الإنجذاب تعبير عن حاجة الإنسان للمشاركة الوجدانية الصّرفة أو حتى اعتبرناه شهوة أرضية لهدف الإنجاب , فهل هو نقيض المثالية والكمال ؟؟
من العبث الكلام عن الحب من غير اعتبار للتقعيدات الفكرية والثقافية سواء كانت نتاج عقائد سماوية أو من صياغة أرضية , والتي تنظر إليه في أكثرها اعتدالا باعتباره غريزة جامحة تحتاج إلى التـقـنين لشمولها ماهو أكثر من طرفي الحب ممّا يتطلّب صيغة نظامية قانونية متفق عليها تحفظ لكل ذي حق حقّه , وفي هذه النظرة ما يشوبها من الإقتران الفوري بين الحب والجنس كعلاقة حتمية ضرورية بضرورة ترتّب النتائج على الأسباب.
إن البعض يرفض بشدة موضوع الإقتران العاطفي قبل الزواج , لأنه وقتئذٍ إنهاك للقلب والروح وجهد وعذاب لا طائل منه , فيكون عبثاً وخداعاً للنفس لا يمكن تلافي آثاره السلبية التي تترك بصمة ظاهرة يزول بها النقاء الأصلي الفطري , ونرى هنا أن هذا الرفض مبني على الإيمان بالحب وتأثيره والإقرار بوجوده وشرعيته ضمن إطار قانوني هو الزواج.
وليس كل رافضي الاقتران العاطفي يرفضونه لذات الأسباب الرومانسية , بل إن التجريم للحب باعتبار ما يؤول إليه هو السائد في الثقافات المحافظة والتي تستغل الأيديولوجيا لتشريع النبذ لكل مظاهر الشكل العاطفي حتى لم يعد ذلك خاصاً بالحب قبل الزواج بل تعمّق الإشعار بالذنب والجرم في الوجدان الجمعي حتى نال من هذه العاطفة النبيلة من أساسها فلم تعد لها شرعية سواءً كانت قبل الزواج أم بعده باعتبارها سرفاً وقدراً زائداً لا حاجة لها ولا تليق إلا بناقصي العقل والنساء!!
إذاً ما هي أمثل السبل لشرعنة الحب قبل الزواج ؟!
إن الفتاة تعتبر كل رجل ترتبط به عاطفياً هو مشروع زواج!!
وإن كانت لا تجرؤ على التصريح بذلك..
فارتباطها به عاطفياً إقرار ضمني بملاءمة صفاته للزوج المستقبلي..
بخلاف وجهة النظر الرجالية التي تعتبر الفتاة متنفساً لتفريغ ما فاض من الدفق العاطفي والتوق الجنسي..
وإن كان يخفي ذلك تحت أطنان من الحيل والمماراة والمهادنة والمداراة والمسايرة..
وبالطبع من الغباء الزعم بأن الأصابع ماهيب سوا..
بل هي في أحيانٍ كثيرة متماثلة بدقة تثير الدهشة!!
وليس ذلك بسبب التعليلات السذاجة حول عنجهية الرجل الشرقي..
بل إن هذا السلوك نجد تعليله متموضعاً في الكروسومات الذكورية لجميع المخلوقات الهادفة لإبقاء النسل..
من الفئران إلى الإنسان..
وهذه المهمة – إبقاء النسل- يشترك فيها الذكر والأنثى..
ولكن الذكر ينتهي دوره بمجرد إخراج النطفة وإيداعها في رحم الأنثى..
حينها يبدأ دور الأنثى في مرحلة زمنية تحتاج فيها الأنثى إلى بقاء الذكر ووفائه في فترة حملها والتي ترنو فيها إلى من يقوم بأمورها وحوائجها ويحميها من الأخطار الطبيعية في البيئة المحيطة..
ولذا فالدجاجة لا تستاء كثيراً من استباحة الديك لـ 30 دجاجة في ذات العشة..
وكذلك اللبوة لا تمانع أبداً من حصول الأسد على 10 لبوات في ذات الوقت..
وذلك لأن هذه الحيوانات العجماء قد أودعها الله حكمة فطرية تتمكن بها من فهم دورها الطبيعي في الحياة..
بخلاف الإنسان الذي جنى عليه اجتهاده..
إذاً ..
في ظل هذه الرابطة العقدية غير المتكافئة التي سببها إخفاء أحد المتعاقدين لقصده الحقيقي الضار بمصلحة الآخر..
فإن مبدأ "شرعنة علاقة الحب قبل الزواج" – وإن كان من المفترض أن يكون حقاً أصلياً طبيعياً مستمداً من قاعدة حفظ النسل- لا يمكن أن ينال القبول في ظل مسؤولية المشرّع والضمير الجمعي عن صلاح المجتمع وسلامة أفراده (الإناث) من الاستغلال الجسدي والعاطفي, والذي لا يمكن في كثير من الأحوال جبر ضرره أو التعويض عنه بالتعويض الملائم..
والقاعدة الشرعية تقول:
الضرر الذي لا يمكن جبره, يتعيّن منعه..
لا شك أن هناك تساؤلاً سيثب إلى ذهن المتلقي مفاده" أليس الحب علاقة مقصورة على شخصين لا يعدوهما الضرر – المظنون لا المتيقن – فيجب أن يكون تصرفاً مشروعاً من جملة التصرفات التي يتمتع بها الشخص كامل الأهلية, قياساً على أي علاقة عقدية ( كبيع وإجارة) تقوم بين اثنين ثم بان أحدهما مخادعاً مضمراً معاملة الآخر بنقيض قصده" ؟!
والجواب على ذلك:
أن ذلك قياس مع الفارق..
فالضرر الحاصل من جرّاء أي علاقة تقوم بين اثنين, لا يمكن أن يقاس عليها الضرر الحاصل من علاقة "الحب قبل الزواج"..
وذلك من نواحي:
أولها من ناحية التوثيق:
فعلاقة الحب هي علاقة غير موثقة بكتاب ولا شهادة, وهذا عيب فظيع يؤدي إلى هشاشة الرابطة العقدية وعدم إمكانية تضمين الضارّ ما ينشأ عن هذه الرابطة من حيف أو ضرر لعدم القدرة على إثبات نسبة الضرر إليه, بخلاف العلاقات الأخرى القائمة على مواثيق مكتوبة او مشهود عليها لضمان ثبوتها واستقرارها وترتّب نتائجها عليها!!
فإذا قال الرجل للمرأة أنه يحبها, فهذا يعني التزامه بمتطلبات هذا الحب من وفاء واستمرارية وزواج, وهذا مفهوم ضمناً ولا يمكن للرجل أن يتنصل من هذا الالتزام بدعوى عدم تصريحه بذلك, وهناك قضية شهيرة حكمت بها المحاكم الأمريكية على رجل كان على علاقة مع امرأة لمدة 8 سنوات ثم هجرها, فرفعت دعوى عليه بطلب التعويض حيث انها قد بلغت الأربعين من عمرها ولم يعد هناك من رجل قد يهتم بطلب يدها, وهي لم تنتظر كل هذه السنوات وفية ومخلصة له إلا على أمل زواجها به.
ثانيها من ناحية مقدار الضرر:
المشكلة أن الضرر الحاصل من هذه العلاقة هو ضرر جسيم لا يمكن جبره أو التعويض عنه, فالانكسار العاطفي الذي يصيب المتضرر وما قد يؤدي إليه من آثار وخيمة على حياته الوظيفية والاجتماعية قد تؤدي به إلى مزالق خطيرة كالإدمان على الخمور والمسكرات, أو الانتحار, أو الانهيار العصبي الذي قد يسبب له اضطرابات نفسية تؤدي إلى فشل أي علاقة مستقبلية طوال عمره.
كما أن هذا الضرر إذا صاحبه استغلال جسدي فإن الأمر يكون جريمة لا تغتفر, حين أن بضع المرأة حقه الصيانة والحفظ, وحوق الضرر به لا يمكن جبره بحال, ولا يستباح إلا بحقه, ويخطيء من يتعلّل برضا المرأة لدرء التهمة عنه, فالمرأة لم تصرح برضاها إلا بعد تصريحه بحبه لها المتضمن لتعهده برابطة تنتهي بالزواج, وتخلّفه هو عن أداء التزامه لا يعني أبداً انتفاء مسؤوليته عنه, لأن رضاها مبني على تغريره بها وخداعه لها, فلا يعتبر رضاها رافعاً للحرج, إلا في حالة تصريحه بعدم رغبته فيها كزوجة وموافقتها له على ذلك, فإن هذا قد يكون مبرراً لدفع المسؤولية, بشرط انتفاء الناحية الثالثة والتي سنذكرها تبعاً.
ثالثها من ناحية شمولية الضرر:
فالضرر الحاصل من هذه العلاقة لا يمكن قياسه على أي ضرر حاصل من أي علاقة أخرى, حيث أن الضرر هنا متعدي, ولا يقف على المرأة فقط, بل هو يتعدّى إلى أختها وأخيها وأمها وأبيها ووالدها وبنيها وجميع قبيلتها وذويها, فهو عار وشنار لا يندفع إلا بضرر أشد منه وأكبر, وذلك على افتراض وجود هذه العلاقة في مجتمع ذو وشائج اجتماعية وقيم أخلاقية مماثلة لما هو موجود في مجتمع عربي أو مسلم.
أما في حالة وجودها في مجتمع لا تتجسد فيه العوامل المذكورة, فإقرارها على تصريحه لها بعدم رغبته في الزواج منها ورضاها باستمرار علاقتها معه رغم ذلك, قد يصح اتخاذه مستمسكاً لدرء المسؤولية عنه.
حيث القاعدة: أن العادة مُحَكّمة !!
النتيجة:
يتبين من تتبّع علل المجيزين فساد ما احتجوا به, وعدم توافقه مع لازم المشروعية وهو المصلحة وانتفاء الضرر, حيث أن القول بمشروعية الحب قبل الزواج لا يؤدي سوى إلى الفساد لما يترتب عليه غالباً من الضرر المتعدي غير القابل للجبر أو الضمان.
ملاحظة:
ما ذكرته عن الحب as "رابطة عقدية" هو من باب التجرّد النظري المحض, وهذا يقتضي تساوي الرجل والمرأة في الآثار والالتزامات, إلا أنه ومع ذلك فالمرأة باعتبارها هي الجانب الأضعف في العلاقة العقدية فإن النظام قد كفل للأضعف حماية معتبرة في هذا النوع من العقود المسمّى بـ "عقود الإذعان".
وذلك نظراً لاختلاف الضرر الواقع, من النواحي الثلاثة سالفة الذكر, فلذا يجب أن يراعي الحكم تلك الجوانب ويضعها في اعتباره, وهذا تبرير موضوعي مني لدفع تهمة التحيز عني.