فن السرور

براءة حلم

New member
إنضم
2008/06/11
المشاركات
1,019




نعمة كبرى أن يمنح الإنسان القدرة على السرور، يستمتع به إن كانت أسبابه ، ويخلقها إن لم تكن .


يعجبني القمر في تقلده هالة جميلة تشع فنا وسرورا ، وبهاء ونورا ، ويعجبني الإنسان حين يخلق حوله جوا مشبعا بالغبطة والسرور ، ثم يتشربه فيشرق في محياه ، ويلمع في عينيه ويتألق في جبينه ، ويتدفق من وجهه .


يخطىء من يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية ، فيشترط ليس ر مالا وبنين وصحة ، فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف ، وفي الناس من يشقى في النعيم ، ومنهم من ينعم في الشقاء ، وفي الناس من لا يستطيع أن يشتري ضحكة عميقة بكل ماله وهو كثير ، وفيهم من يستطيع أن يشتري ضحكات عالية عميقة واسعة بأتفه الأثمان وبلا ثمن .


مع الأسف ألاحظ أن كمية السرور في بلاد العرب والمسلمين قليلة وليست تنقصنا الوسائل .


أكبر سبب لذلك في نظري أن الحياة فن ، والسرور كسائر شؤون الحياة فن ، فمن عرف كيف ينتفع بالفن استغله واستفاد منه وحظى به ، ومن لم يعرفه شقى به .


أول درس يجب تعلمه في فن السرور ( قوة الاحتمال ) فأكبر أسباب الشقاء رخاوة النفس وانزعاجها العظيم للشيء الحقير، فما أن يصاب المرء بالتافه من الأمر حتى تراه حرج الصدر لهيف القلب ، كاسف الوجه ، ناكس البصر ، تهتاج الهموم في صدره ، وتقض مضجعه، وتؤرق جفنه ، وهي وأكثر منها إذا حدثت لمن هو أقوى احتمالا ، لم يلق لها بالا ولم تحرك منه نفسا ، ونام ملء جفونه رضي البال فارغ الصدر .


ومن أهم الأسباب في أن العرب أقل من غيرهم على السرور فقد مر عليهم دهر لم يكونوا أمم حربية ، بل كانوا مستسلمين وادعين ، يتولى غيرهم الدفاع عنهم ، وإن حاربوا فحرب الضرورة ، وحرب الأفراد لا حرب الشعوب ، فاستفظعوا الموت ، وغلوا في الحرص على الحياة ، وتبع ذلك رخاوة العيش وعدم القدرة على الاحتمال ، وتهويل الصغائر ، ولا دواء لهذا إلا التربية القوية ، وبث الأخلاق الحربية .


وسبب آخر لقلة السرور وهو سوء النظم الاجتماعية ، ففي كل بيت محزنة من سوء العلاقات الزوجية والعلاقات الأبوية ، وفي كل مؤسسة حكومية مأساة من سوء العلاقات الإدارية وأحاديث الدرجات والرواتب ، وعدم التعاون في حمل الأعباء وبناء المعاملات على الفوضى والمصادفات لا النظام والقانون.


ثم عدم القدرة على خلق أسباب السرور الاجتماعية ، فاجتماعات المنازل التي تبعث السرور محدودة ونادرة ، وفي كثير من الأحيان تنتهي بمنغصات ، والملاهي العامة إما داعرة لا ترضي الذوق السليم ولا ترمي إلى غرض شريف ، وإما تافهة لا يجملها فن ولا يرقيها ذوق ومن أجل ذلك كان أشد الناس بؤسا عند العرب الطبقة المثقفة المهذبة التي رقى ذوقها ، فهي لا تكاد تجد لها ملهى يتفق وذوقها .


ومع هذا كله ففي استطاعة الإنسان أن يتغلب على كل هذه المصاعب ويخلق السرور حوله وجزء كبير من الإخفاق في خلق السرور يرجع إلى الفرد نفسه ، بدليل أن ترى الشخص في الظروف الواحدة والأسرة الواحدة والأمة الواحدة من يستطيع أن يخلق من كل شيء سرورا وبجانبه أخوه الذي يخلق من كل شيء حزنا فالعامل الشخصي – لا شك – له دخل كبير في خلق نوع من الجو الذي يتنفس منه ، ففي الدنيا عاملان اثنان : عامل خارجي وهو كل العالم وعامل داخلي وهو نفسك ، فنفسك نصف العوامل ، فاجتهد أن تكسب النصف على الأقل وإذا فرجحان كفتها قريب الاحتمال ، بل إن النصف الآخر- وهو العالم – لا قيمة له بالنسبة إليك إلا بمروره بمشاعرك ، فهي التي تلونه ، وتجمله أو تقبحه فإذا جلوت عينيك وأرهفت سمعك وأعددت مشاعرك للسرور فالعالم الخارجي ينفعل مع نفسك فيكون مسرورا .


إنا لنرى الناس يختلفون في القدرة على خلق السرور اختلاف مصابيح الكهرباء في القدرة على الضياء ، فمنهم المظلم كالمصباح المحترق ، ومنهم المضيء بقدر ضئيل كمصباح النوم ومنهم ذو القدرة الهائلة كمصباح الحفلات ، فغير مصباحك إن ضعف ، واستعض عنه بمصباح قوي ينير لنفسك وللناس .


ولكن ما الوسيلة إلى ذلك ؟


مما لا شك فيه أن غلبة الحزن مرض قد ينشأ من عوامل مختلفة ، فمن الخطأ رجوعها كلها إلى علة واحدة ، وإذا فمن الخطأ وضع علاج واحد للعلل كلها ، ولكن فحص كل نفس وأسباب حزنها ووضع العلاج الخاص بها لا يستطيعه إلا طبيب نفسي ماهر . أما الكاتب فلا يستطيع إلا قولا عاما ووصفا مشتركا ، وتعرضا للمسائل العامة .


ومن أهم أسباب الحزن ضيق الأفق وكثرة تفكير الإنسان في نفسه ، حتى أنها مركز العلم وكأن الشمس والقمر والنجوم والبحار والأنهار والأمة والحكومة والميزانية والسعادة والرخاء كلها خلقت لشخصه فهو يقيس كل المسائل بمقياس نفسه ، ويديم التفكير في نفسه وعلاقة العالم بها ، وهذا – من غير ريب – يوجد الحزن والبؤس ، فمحال أن يجري العالم وفق نفسه لأن نفسه ليست المركز ، وإنما هي نقطة حقيرة على المحيط الواسع ، فإن هو وسع أفقه ونظر إلى العالم الفسيح ، ونسى نفسه أحيانا ، ونسى نفسه كثيرا شعر بأن الأعباء التي ترزح تحتها نفسه والقيود الثقيلة التي تثقلها بها نفسه ، قد خفت شيئا فشيئا وتحللت شيئا فشيئا . وهذا هو السبب في أن أكثر الناس فراغا أشدهم ضيقا بنفسه لأنه يجدد من زمنه ما يطيل التفكير فيها إلى درجة أن يجن نفسه ، فإن استغرق في عمله ، وفكر في أمته وعالمه ، كان له من ذلك لذة مزدوجة ، لذة الفكر والعمل ، ولذة نسيان النفس .


ولعل من أول دروس فن السرور أن يقبض على زمام تفكيره فيصرفه كما يشاء ، فإن هو تعرض لموضوع مقبض – كأن يناقش أسرته في أمر من الأمور المحزنة أو يجادل شريكه أو صديقه فيما يؤدي إلى الغضب ، حول ناحية تفكيره وأثار مسألة أخرى سارة ينسى بها مسألته الأولى المحزنة فإن تضايقت من حديث ميزانية البيت فتكلم في السياسة ، وانقل تفكيرك كما تنقل بيادق الشطرنج .


ثاني الدروس ألا تقدر الحياة فوق قيمتها ، فالحياة هينة ، وكل ما فيها زائل ، فاعمل الخير ما استطعت وافرح ما استطعت ، ولا تجمع على نفسك الألم بتوقع الشر ثم الألم بوقوعه ، فيكفي في هذه الحياة ألم واحد للشر الواحد .

..............
 
13306-1-806279151.gif
 
جزاك الله خىر موضوع مفيد00

وتعليمات رائعه للتغلب على الحزن

وخلق السرور أعاننا الله على تطبيقها00
 
عودة
أعلى أسفل