قال أبو الفرج ابن الجوزي -رحمه الله- في ( تذكرة أولى البصائر : 346-347 ) في سياق كلامه عن الرافضة :


فصل

وهنا حكاية عن بعضِ هؤلاءِ تُبيّن لك قبح ما هم عليه مع ما تقدم من الطعن على زوجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهي : ما حكى الشيخ الإمام الحافظ ضياء الدين المقدسي -رحمه الله- قال : أخبرنا خالي الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي -رحمه الله - إجازة , قال : إن الشيخ المقرئ أبا بكر بن علي بن عبد الله الحراني نزيل بغداد حدّثه سنة سبع وتسعين وخمسمئة بمحلة الصالحين بسفح جبل قاسيون , قال : خرجت لزيارة قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في آخر خلافة المستضيء أنا وجماعة , فنزلنا على نقيب من نقباء الأشراف العلويين , فأكرمنا , وأحسن إلينا , وكان هو متولّي الموضع , وإذا له خادم يهودي يتولى أمره , وخدمته , وكان الذي عرّف بيننا وبينه رجل هاشمي كان صديقًا لنا , فلما كنا في بعض الأيام جلوسًا عن النقيب العلوي , إذ قال له الهاشمي -ونحن نسمع- أيها السيد النقيب ! إن أمورك كلها حسنةٌ , وقد جمعت الشرف , والمروءة , والكرم إلا أننا أنكرنا استخدامك لهذا اليهودي , واستدناءك إياه مع مخالفته دينك , وأنت وهو كما قال بعضهم :

إن الذي شُرِّفْتَ من أجله ## يــزعــم هذا أنــه كــاذبُ

أو كما قال , فكبف هذا ؟

فقال النقيب : هو كما تقولون , إلا أني اشتريت مماليك كثيرة وجواري , فما رأيت أحدًا منهم وافقني , ولا وجدت فيهم أمانة ونصحًا مثل هذا اليهودي , يقوم بأموري كلها مع الأمانة . فقال بعض الجماعة : فإذا كان على هذه الصفة , فأعرض عليه , فلعله يسلم . قال : فأرسل إليه , فلما جاء قال له بعض الجماعة : قد دعوناك لكذا , وكذا . فقال اليهودي : والله لقد عرفت حين دعوتموني ما تريدون مني . فقلنا له : إن إن هذا النقيب قد عرفت فضله , وبيته , ورئاسته , وهو يحبك ! فقال : اليهودي : أنا أيضًا أحبه ! فقلنا له : فلم لا تتبعه على دينه ؟ وتدخل في الإسلام . فقال اليهودي : قد علمتم أني أعتقد أن عزيرًا نبيٌّ كريم -أو قال : موسى -صلوات الله عليه- ولو علمت : أن في اليهود من يتهم زوجة نبيي -صلى الله عليه وسلم- بسوء , ويسب أباها ويسب أصحاب نبيي -صلى الله عليه وسلم- ما اتبعت دينهم , فإذا أسلمت أنا لمن أتَّبع ؟ فقال الهاشمي : تتبع النقيب الذي أنت في خدمته . فقال اليهودي : ما أرضى هذا لنفسي ! قال : ولِمَ ؟ قال : لأن النقيب يقول في زوجة نبيّه عائشة ما يقول , ويسب أباها , وأصحاب نبيّه , فلا أرضى هذا لنفسي أن أتبع دين محمد , وأقذف زوجته , وأسب أصحابه , فرأيت أن ديني دين اليهود خير من دينه . قال : فوجم النقيب , وأطرق إلى الأرض ساعة , ثم رفع رأسه , وقال لليهودي : صدقت ! مد يدك , أنا أشهد أن لا إله إلا الله , وأشهد أن محمدًا رسول الله , إني تائب عما كنت عليه من هذا الأمر الذي ذكرت . فقال اليهودي عند ذلك : وأنا أيضًا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمد عبده ورسوله , وأن كل دين غير الإسلام باطل . وأسلم , وحسن إسلامه , وتاب النقيب عن الرفض , وحسنت توبته فانظر -رحمك الله!- هذه الحكاية الحسنة , وما فيها من الموعظة لمن له عقل , أو ألقى السمع وهو شهيد . اه .


قال ( ماجد ) :

ومن المعاني التي تؤكدها هذه القصة :

1- ما تقرر سابقًا عند كل من له أدنى اطلاع على مذهب الرافضة من قبح مذهبهم , وما اشتمل عليه من ابتداع وشرك وزندقة , وأنت تلاحظ أن النقيب قد نطق بالشهادتين إقرارًا منه بأنه لم يكن على الإسلام وقت أن كان قاذفًا لأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها وعن أبيها- , سابًّا لصحابة المصطفى -صلى الله عليه وسلم , ورضي عن صحابته الكرام- .

2- ما في مذهب الرافضة من صد للناس عن الدخول في الإسلام , ويؤخذ هذا من عدم قبول اليهودي للدخول في الإسلام أول الأمر , لما رآه وأدركه من سوء مذهب ذاك النقيب الرافضي .

3- أن مذهب الرافضة معارض للعقل والفطرة زيادة على معارضته للشرع , فهذا اليهودي لما تكلم بميزان العقل لم يقبل أن يتبع نبيًّا على دينه ثم يقذف زوجته , ويسب أصحابه ! فرأى أن دينه خير له من دين الرافضي .

4- أن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر , فهذا اليهودي قد قال ما قال مما كان سببًا في توبة النقيب وإسلامه .

والله أعلم .
منقوووووووووووووووووول