الجزء الثامن والأخير
عاد ثائر سريعًا وكان عازم الأمر على تطليقها
فلا يريد ان يراها تتعذب بسببه وان لم تستطع الصبر على عمله فلن يجبرها
دخل منزله فوجد هبة بكامل أناقتها تنتظره .. فاستبشر خيرًا ..
ولكن هنالك بعض الكلام يريد ان يسمعها اياه حتى وان عادت عن قرارها وندمت على طلبها الطلاق .. كتأديب لها .. ومحاولة منه لإرجاعها الى مكانها الصحيح ..
فعله بكلامه يوقظها من غفلتها .. فتعود كما كانت ..
الزوجة التي تحبه في الله .. الزوجة التي تبيع الدنيا ومافيه من أجل رضا الله
الزوجة التي تقف الى جانبه وتؤازره .. وتدفعه للذهاب الى الجبهة .. وتدعو له بالنصر او الشهادة ..
______
سلما على بعضهما ببرود .. لم تجرؤ هبة على فتح فمها بكلمة واحدة ..
فكان ثائر مختلفا جدا هذه المرة ..
تناولا طعامهما .. ولم يسمع غير صوت الملاعق ترتطم في صحون الطعام
في هذه الأثناء استيقظ محمد من النوم .. فذهبت هبة إليه .. وثائر جلس امام التلفاز يتابع نشرة الأخبار ..
ركض محمد باتجاه أبيه جلس في حضنه وأخذ والده يقبله ويلاعبه ويضمه ويشمه ويحدثه وهبة تجلس بعيدا تنظر إليهما
مضى بعض الوقت وهما على هذه الحال ..
وفجأة قام ثائر من مكانه ذهب الى غرفته بدل ثيابه حمل طفله ..
نادى هبة :
هبة هبة .. اريدك ان اكلمك جاءت هبة ووقفت امامه فادار وجهه عنها وكأنه لا يريد النظر في عينيها وهو يقول لها :
انت انت ..
"عيناها امتلأت بالدموع "
سأطلقك وأترك لك البيت وكل ما املك وسآخذ ابني وأرحل من حياتك الى الأبد .. حتى ثيابي سأتركها لك .. ولا اريد شيئا سوى محمد وعهدا منك
انه في يوم القيامة في صحراء المحشر .. تقفين امام رسول الله ص وتقولين له ان تطلقت من زوجي لانه كان يجاهد في سبيل الإسلام .. كان يتركني ويذهب للجهاد تحت رايتك سيدي يارسول الله .. لنصرة الإسلام والمسلمين وللدفاع عن المظلومين .. فلم أعد اتحمل هذه الحياة .. فتركته
____
وغادر ثائر دون ان يدعها تتكلم او تنطق بحرف واحد ..
ذهب الى خالته عالية .. تذكرونها في أول قصتنا ..
لم يخبره شيئ انما اراد رؤيتها ... وهو لا يحب ان ينشر اخباره الزوجية حتى عند اقرب الأقرباء .. ولكن خالته أحست بحزنه وألمه .. فأخذت تذكر له بعض الأحاديث عن أجر وثواب الصابرين .. وان مصائب هذه الدنيا هي ابتلاء للمؤمن وكفارة لذنوبه ..
وبعد ساعة تقريبا .. جاء ولدها علاء وكان يحب ثائر جدا وكم سعد برؤيته وجلس يسأله عن أوضاع المنطقة الشمالية واخبار الجبهة والمجاهدين وكم كانت جلستهم انيسة وهم يذكرون قصص هؤلاء الأبطال تضحياتهم وبسالتهم
الذي قد قال قائدهم فيهم يوما حين اشتدت الحرب
انتم النصر الآتي بإذن الله
انتم الحمى للوطن وللعرض وللشرف
انتم حضارة امتنا ..
انتم عنوان رجولتها
انتم بعد الله تعالى الأمل والرهان
اقبل رؤسكم التي اعلت كل رأس
اقبل اياديكم القابضة على الزناد
يرمي بها الله تعالى قتلة أنبيائه وعباده والمفسدين في أرضه
واقبل اقدامكم المنغرسة في الأرض فلا ترتجف ولا تزول من مقامها ولو زالت الجبال ..
_________
مضى الوقت سريعًا في منزل خالته .. أفرغ فيه ثائر همومه وأحزانه وعاد الى زوجته التي تركها تفكر بكلامه .. وينتظر جوابها
وما ان سمعت هبة صوت المفتاح يغرس في الباب حتى ركضت وعانقت ثائر ..
او تتركني لأقف في صحراء المحشر وانا خجلة من رسول الله ص
او تطلقني .. وتتركني لهوى نفسي لأمارة بالسوء ؟
واحسرتاه يا ثائر .. إذ ما تركتني لمصيري الأسود
أثرت كلمات ثائر بزوجته ..أشد تأثير ..
وقلبت كيانها رأسًا على عقب...
فهذه الحياة التي أولتها اهتمامها وظنت ان السعادة لا توجد الى فيها .. ستنتهي يومًا وستجلس في بيتها الأبدي ذلك القبر الضيق المظلم .. والذي اما يكون حفرا من حفر النار او روض من رياض الجنة .. وان هنالك نشر وحساب وحشر ..
ومرور على صراط ..
"فأين كنت انا ذاهبة بأعمالي ؟"
تغيرت حياة ثائر وهبة بعد هذه الاحداث ..
وكان التغيير هذا المرة جذري وعميق..
لأن ببساطة هبة غيرت طريقة تفكيرها تجاه الأمور وضعت منظارا آخر أكثر عمقًا ووعينا امام عينها .. فصارت ترى بوضح أكثر حقيقة هذه الدنيا الفانية ..
اما ثائر فكان أسعد زوج بالدنيا لحظة ينام والى جانبه تغفو زوجة أفضل من حوريات الجنة .. .. زوجة في قلبع لا يسكن غير الله عز وجل .. وتحبهم في الله ..
اما نسرين فقد تحسنت علاقتها بالله كثيرا وباتت اقرب الى ربها ..
وصارت اقرب الناس الى قلب هبة
اصبحتا صديقتين مقربتين .. تتعاونان على الخير ..ولكن علاقة نسرين بياسر لا زالت متوترة .. ولكنها اوكلت امرها لربها .. بيقين وثقة .. " انا عند حسن ظن عبدي بي "
مرت الأشهر الأخيرة جميلة بل رائعة في منزل ثائر .. فهو منزل يملؤه الحب والطاعة لله كما تمنى دوما ..
________
الساعة 11 عشر ليلا
منزل هبة وثائر
تدخل هبة غرفة محمد لتطمئن عليه فيلحق بها ثائر يحضنها من الخلف ويلفها نحوها ويسحبها الى الخارج ..
يقبلها بشغف .. يجلسها في حجره كطفلة صغيرة .. وهي تمرر يدها بنعومة في شعرها ثم تتركها قليلا على صدره .. ولكن هاتف ثائر يرن ويقطع عليهم هذا التواصل الرائع بين زوجين يجمعهما الحب والتفاهم ..
تحاول هبة ان تثنيه بدلع عن الرد .. ولكنه يضع اصبعه على فمه بإشارة منه ان تهدأ وكان لازال يضعها في حضن ويلعب بخصل شعرها المنشور على صدره ..
أنهى اتصاله وعدل جلسته .. ومسح على راس حبيبته برقة وأخبرها انه غدًا سيذهب الى الشمال .. فالأوضاع مضطربة ويحتاجون له ..
فاقتربت منه وهمست في أذنه الله يحميك يا حبي .. ويكون معاك .. ويسدد خطاك ..
ذوبت كلامتها ثائر الذي قام وحملها وبسرعة على غرفة النوم
وضعها على السرير ..
هسسسسسسسس .. ثائر سكر الباب وقال ما يبي ازعاح ..
يلا برااا لوسمحتم
ارتفع آذان الفجر .. وكسر سكون الليل .. بصوت المؤذن الجميل .. الذي يريح النفس ويملأ الروح طمأنينة ..
قامت هبة توضأت ومدت سجادة صلاتها .. صلت وجلست تدعو
وثائر كان قد استيقظ فخرج من الغرفة فوجد زوجته جالسة بخشوع ورافعة يديها الى الله وسمعها تدعو :
اللهم احفظ ولدي واجعله ولدا صالحا بارا يعبدك لا يشرك بك
اللهم ارزق زوجي الجهاد والشهادة في سبيلك
اللهم انصرنا على عدوك وعدونا
آمين آمين
اقترب منها قبل رأسها .. ودعا لها بتقبل الأعمال
صلى وقرأ بعض آيات القرآن الكريم
وكانت هبة قد جهزت له فطور ..
لم يأخذ معها حقيبته كالعادة ..
تناولا افطارهما .. ومن ثم ذهب ثائر الى غرفة محمد قبله ومسح على رأسه
اراد ان يتصل على امه شعر انه مشتاق لها كثيرا .. تردد ومن ثم عزم الأمر واتصل ..
توووووت ... تووووت ... تووووت ... توووووت
وجاء صوت امه وهي شبه نائمة ..
السلام عليكم يمه
هلا ثائر وعليكم السلام
خير يمه وقعت قلبي ليش متصل الحين
كل خير يمه بس حبيت اسمع صوتك واسمع منك كلمة
" الله يرضى عليك يا ولدي "
الله يرضى عليك الله يرضى عليك يا الغالي
الله يخليك لنا يارب
انا سأذهب بعض قليل الى المنطقة الشمالية فلا تنسينا من دعائك ..
الله يحميك وينصرك على عدوك
يلا بخليك يمه سلمي على ابوي والكل ..
السلام عليكم
وعليكم السلام
في آمان الله
_________
ودع زوجته .. ورحل
ورحل
ورحل
ورحل
وبعد عدة أيام .. عاد ...
عاد شهيدا ...
وقفت هبة امام جثمانه تبكي بصمت .. ومحمد واقف الى جانبها يبكي ويصرخ
بابا بابا اصحى ليش نايم .. بابا رد علي
انا محمد اناديك ..
بابا بابا
اما والدة الشهيد البطل .. كانت جالسة امام ولدها الملفوف بكفنه الأبيض تنظر إليه غير مصدقة .. تكلمه فلا يرد
ثائر يا ثمرة فؤادي .. ربيتك بدمع العين .. واطعمتك حبات قلبي
رأيتك تكبر امام ناظري .. وتصبح كالبدر ليلة تمامه
ثائر يا شمعة عمري لماذا اطفئت باكرا ..
ثائر يا نور عيوني .. لا تتركني ..
ثائر .. زفيتك لهبة .. وتمنيت ان ارى اولادك ..
وتحققت امنيتي وجاء محمد أغلى من روحي ..
ولكن انا يا ثائر ..
تمنيت ايضًا ان تمسك يدي وتساندني .. يوم نقف في عرس محمد ..
انا يا ولدي .. ربيتك على حب الوطن .. ربيتك على الإيمان
والإسلام ..
بارك الله فيك يا حبيبي .. بيضت وجهي .. امام نبينا.. امامرسولنا
يا ثائر يا مهجة الفؤاد .. رحلت باكرا من حضن امك .. الى حضن الثورة
فعشقت فلسطين قضية كبرى .. وذبت في هوى الأقصى ..
فهل يا ترى يكون لك ما تتمنى ..
يا رب انصرنا على الظالمين .. يا رب يارب يارب يارب
بعد عدة أيام .. زارهم بعض الشباب من اصدقاء ثائر ..
يعزون .. بل يهنون .. فكيف لا نهني اهلا .. قد من الله عليهم اذا اختار واحدا من ابنائهم شهيدا
وقد قدم احد الشباب ظرف اخبرهم انه وصية من ثائر لهم .. ولكل واحد فيهم ورقة لا يقرؤها الا صاحبها ..
بعد ان ذهبوا ..
فتح ياسر الظرف ووزع الاوراق ..
كان له ورقة ولنسرين ايضًا واحدة ..
ولوالدته ووالده ولمحمد واحمد التوأم
ولهبة ورقة جميلة كان لونها مختلف وفيها عطر
اما محمد الصغير فقد ترك له تسجيل "فيديو "
ركضت هبة الى غرفتها .. وجلست على سريرها وأخذت تقرأ كلماته وكأنها رسالة من حبيبها .. وليست وصيته
وهذا بعض ما جاء في الوصية ..
زوجتي العزيزة .. في اليوم الذي اصبحت فيه حلالي .. سكنت قلبي وتربعت كالملكة عليه .. احببتك بل عشقتك حتى النخاع ..
هبة ايتها الغالية .. يا اطهر انسانة .. احمد لله عز وجل اذ اختارك لي زوجة وجعلك انيسة لروحي ..
منذ بداية علاقتنا كنت على يقين ان اختياري كان صائبا .. وكنت اعلم ايضًا
انك الزوجة التي ستقف قوية يوم أعود اليها جثة هامدة فتقف امام نعشي بثبات
لا تصرخ ولا تجزع .. وتحتسب الأجر عند الله
الحياة امامك فاستغليها على اكمل وجه فها انا الآن في قبري لاحول لي ولا قوة ..
اتمنى لو اعود الى الدنيا ليكون زاد آخرتي اكبر..
فأعدي العدة واحسني الزاد .. ولا تنسيني من صالح دعائك واعمالك
هبة وصيتي اليك نفسك .. فلا تتركيها ابدا ..اسيرة لشهوة او غريزة
ووصيتي ايضًا والتي هي قطعة مني .. محمد
انهم يا هبى احتلوا وارضنا وظلمونا ولكننا الحقنا بهم الخزيمة وسننتصر
ولكنهم سيحاولون من جديد غزونا ولكن من خلال احتلالهم لعقول ابنائنا ..
فيبعدونهم عن دينهم .. ويسعون لتبديل قيمهم ..
فينسون ذكر الله ..والخشية منه ..
هذا الغزو اشد إيلاما واكثر فعالية
لانه يقتحم كل بيت .. فيخربه .. ويجعله دمارا ..
انتبهي له واحسني تربيته وانا كل ثقة انك ستنجحين ..
ارجوك لا تضربيه .. فهو اليوم يتيما لا اب له .. فامسحي على رأسه دائما وتذكريني ..
....
ياسر بدوره قرأ وصيته .... دخل بعدها عدة ايام الى المشفى نتيجة انهيار عصبي حاد
خرج بعدها شخصا آخر ..
لا يترك الصلاة في المسجد مهما حصل .. ولا يتهاون في معصية ..
ولدت نسرين .. وانجبت طفلا اسموه ثائرا
تيمنا بعمه الشهيد
_________
محمد يكبر في منزل جده محاطا بالكثير من الحب ..
يحسن الجميع معاملته ..
في هذا اليوم سيدخل محمد عامه الدراسي الأول
ألبسته امه الثوب المدرسي .. حمل حقيبته .. قبل جدته
واصطحبه عمه ياسر ..بسيارته
اما هبة فقد وقفت تتأمل المشهد ودموع تتدحرج على وجنتيها فتذكرت ثائر كم كان يتمنى رؤية طفله يكبر ويدخل المدرسة ويكمل تعليمه ويتفوق .. فيخدم بعلمه خط الإسلام ونهجه ..
ولكن اليوم ثائر .. غير موجود
لقد رحل .. ولن يعود
إلا طيفًا ..
لا لن تفارقنا وطيفك حاضرا
ستظل تلهج باسمك الأيام
هذه قصتي سطرتها لكم
أتمنى ان تنال اعجابكم وتصل اهدافي اليكم
فيكون لنا في الوقت الذي امضيناه نكتب ونقرأ
الأجر والثواب
ويكون في كلماتها .. عظة وعبرة ومنفعة