التخاطر في التاريخ
تواترت إلینا هذه الروایة عن طریق رواة صحاح مما یقطع الشك بحدوثها .
وخلاصة هذه القصة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان له جیش یقاتل المشركین على
رأسهم قائد یسمى ساریة ..(وقف عمر لیخطب خطبة الجمعة في المسجد، ولكنه قطع خطبته وصرخ بأعلى صوته) : "یاساریة .. إلزم الجبل !.."
فماذا كان یفعل ساریة في هذا الوقت؟
كان ساریة یقاتل أعداء الله متحصناً بجبل خشیة أن یلتف الأعداء من خلفه هو ورجاله وكان القتال شدیداً ..وقد أحسّ الأعداء أنه لا یمكنهم مقاتلة ساریة وجنوده مواجهة مادامت ظهورهم إلى الجبل وأنهم لا سبیل إلیهم سوى أن یتركوا موقعهم الحصین فدبروا خطة .
هذه الخطة هي التراجع أمام المسلمین حتى یظنوا أنهم تقهقروا وانهزموا فیتبعوهم في مطاردة تبعدهم عن الجبل المعتصمین به فیطبقوا علیهم من خلفهم بالفرسان فیبیدوهم .
وبطبیعة الحال لم یكن ساریة على درایة بخطة أعدائه وكاد أن یقع في مخططهم ولكن والروایة على لسان ساریة یقول ویقسم أنه عندما هم بمطاردة الأعداء سمع صوت عمر في المعركة یأمره بالالتزام بالجبل
..فماذا كان هذا الأمر؟ !
والحقیقة أن هذه الواقعة مثیرة في أكثر من جانب، وهي إن كانت فیها ملامح من ظاهرة التخاطر إلا أنها تعدتها بمراحل عدیدة، فالتخاطر كما أوضحنا نوع من الاتصال العقلي وهي بهذه الحال یجب ألا یتعدى فیها علم المتخاطرین بأكثر مما یحویه عقل كل منهما، والواضح أن ساریة لم یكن یعلم بشأن الأعداء شیئاً .
والتخاطر أحد قدرات عمر الروحیة المتكاملة وهو ما یؤكد لنا أن عمر اطلع على أفكار الأعداء ومخططهم فكان استقباله لخواطر الأعداء العقلیة وقام بإرسال خواطره إلى قائده في ذات الوقت .وهذه القدرة في حد ذاتها لا تختلف عن قدرات العدید من الناس الذين لا یرقون إلى قدرات عمر بن الخطاب وإنما التمیز في هذه الحالة یرجع إلى المسافة البعیدة التي استطاع عمر الاتصال العقلي من خلالها وهو ما یستند إلى نشاط روحي قوي وممیز لدى عمر.
وجد في قبائل التوبو الأفريقية البدائية إذا أرادت قرية أن تنقل خبرا إلى قرية أخرى فإن أحد الأهالي يمثل محطة إرسال فينام ويصبح في غيبوبة , وفي نفس الوقت يحدث مثل هذا في القرية الأخرى, أي في محطة الاستقبال , ومتى ما أفاق الرجلان تكون الرسالة قد وصلت
ويذكر أن الجنرال ليكرك قد انتفع بهذه الرسائل الروحانية حين عبوره من بحيرة تشاد شمالا إلى تونس وقد سأل بعض الضباط رجال التوبو عن سرهم فلكان جوابهم "آباؤنا كانوا يفعلون ذلك قبلنا"
للحديث بقية