"وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي."
هناك حكمة نبوية في تخفيف التلطف مع من يُظن به أمراً مع القيام بحقه اللازم الواجب دون تقصير..فهو صلى الله عليه وسلم كان يسأل عنها ولكنه ترك التلطف معها، لأنه لو فعل لصار ذلك خرماً في المروءة ألاّ يبالي وعرضه ينهش، وإن جفا فربما ظلم أهله.
حرص عائشة رضي الله عنها على تقدير المسلمين وخاصة من له فضل او منقبة
"فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني سلم ثم قال كيف تيكم فقلت أتأذن لي أن آتي أبوي"
. مشروعية السلام على الأهل حال الدخول، واستئذان الزوجة لخروجها حتى لزيارة والديها.
"فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أسامة بن زيد -ما- حين استلبث الوحي، يستأمرهما في فراق أهله"
مشروعية الاستشارة والمشورة وجعلها في الثقات خصوصاً في الملمات، ومجانبة الركون إلى حكم العقل وهوى النفس، وهذا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يُبلّغ الوحي من عند الله يستشير علياً وأسامة _ رضي الله عنهما _، وهما دونه في كل شيء ..
" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي"
على المرء انتقاء ألفاظه حسب المقام وطبيعة المقال، مع مراعاة إغفال ذكر أسماء صريحة في مواضع مذمة أو شبهة أو حتى في النصح كقوله: ( ما بال أقوام ). وهنا استخدم النبي صلى الله عليه وسلم لفظ ( أهل ) وهو على المنبر رغم أنّ الكل كان يعرف من هو المعني بها، لكن تأدباً وتلطفاً وتعريضاً، بينما هو يصرح باسمها في مواقع الحمد ( من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة )
"فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا "
بالرغم من ثقته صلى الله عليه وسلم بزوجته وبصاحبه إلا أنه لم يبت في الأمر وانتظر وحي السماء
وفي هذا دليل على نبوته لمن انكرها فلو لم يكن يوح إليه لما انتظر كل هذه الفترة وعرضه ينهش.
"فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا"
أن الحمية الجاهلية والقبلية من أعظم مسبباتِ الفرقة بين الناس (ما حصل بين الصحابة بسبب موقف الأوس والخزرج).
وإن كان بين الصـحابة شيء من المواقف إلا أنّ صدورهم سليمة على بعضهم في تتبع للهدي النبوي الرفيع في التسامح .
"فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه"
طريقة المواجهة فعالة جداً ويفترض بثها أسلوباً للتعامل بين المربّين والمتربّين، وفيها حث على الصراحة والوضوح، كما أنها الأفضل غالباً في حل المشكلات، والوصول إلى نقاط تسوية، وكذلك كشف الحقائق وشرح الصدور وتطييب النفوس، خاصة إذا جمع معها الصفح عن الخطأ مع حصر الأمر على طلب الاعتراف فقط.
"وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها" ليس للإنسان أن يرى لنفسه رفعة على غيره وفضلاً حتى لو كان متميزاً، فهذه عائشة وفضلها كانت تقول: ( كنت أرى نفسي أحقر شأناً )
"فقالت أمي قومي إليه قالت فقلت لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل ."
أمنا عاءشة رضي الله عنها تتقن فن الدلال!!!!!!!
هاهي ترفض طلب امها ان تقوم وتشكر زوجها بعد نزول براءتها تتصرف بذكاء وحكمة وتتوشح بكبرياء جميل يعكس قوتها وثقتها ببراءتها ولم تظهر ضعفها وحاجتها ،،،فالموقف يتطلب عكس ذلك تماما
"قال أبو بكر بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال والله لا أنزعها منه أبداً."
غضب أبي بكر رضي الله عنه على مسطح وعزمه على قطع النفقة، مع ذلك لم يف بيمينه تسامحاً وتطلعاً للثواب .. وأقسم يميناً عكس يمينه الأولى بألا يقطع عنه النفقة أبداً!
"قالت عائشة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال يا زينب ماذا علمت أو رأيت فقالت يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ما علمت إلا خيرا قالت وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع وطفقت أختها (حمنة) تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك."
درس عظيم في الورع فالضرة عليها أن تنصف ضرتها ولا تستغل الفرصة عليها، وذلك من أعظم المحامد لها
انتهت الوقفات مع القصة ولنا بإذن الله موعد لنستعرض بعض الوقفات مع تلك الآيات العظيمة
هذا الحادث قد كلف أطهر النفوس في تاريخ البشريه كلها الاما لاتطاق , وكلف الامه المسلمه تجربه من اشق التجارب في تاريخها الطويل , اذ ان وراء كل امر خسيس افراد لهم هدف ومكيده لهم نوايا خبيثه لنشر الرذيله , والدس بين المسلمين
وكل مصيبة من هذا النوع ايا كانت فهي ابتلاء عظيم , يخص الله به المؤمنين اذن فعلينا الصبر وعاقبة الصبرمحموده , تاملوا اخوتي اي بيت رمي بالفحش والدنيه(( بيت النبوه)) واي امراءة تناولتها الالسن ((انها عائشه ام المؤمنين وابنة الصديق)) واي عرض قذف انه ((عرض خاتم المرسلين)) فكانت حادثة الافك اعظم درس لنا في التاريخ
وليست اخر الحوادث فقد علمنا ربنا كيف نواجه هكذا حادثه.
تاملو معي التربيه الالهيه:
خطوتان في المنهج الرباني لمواجهة الافك..الخطوه الاولى:
عرض الامر على القلب واستفتاء الضمير وهي خطوة الدليل الباطني الوجداني , والتي بدأ بها بعض المؤمنون من رجوعهم الى انفسهم واستفتاء ضمائرهم فاستبعدوا , ان يقع مانسب الى عائشه(( و لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12))
والخطوه الثانيه:
خطوة التثبيت بالبينه والدليل وهي خطوة طلب الدليل الخارجي والبرهان الواقعي (( لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)))
هذا هو الدرس الاول لمواجهة مثل هذا البلاء
اما الدرس الثاني:
ان رحمة الله شملت المؤمنين واحتسب الله للجماعة المسلمه الناشئه درسا قاسيا , فادركهم بفضله ورحمته ولم يمسسهم بعاقبه فهي فعلة تستحق العذاب لماتسببه من الالم وتستحق العذاب الذي يتناسب مع الشر الذي ذاع في الجماعة المسلمه وشاع لكن رحمة الله اقرب وهنا كان الدرس الثاني للبشرية اجمع فالامر جامع لامة محمد والعذاب ان رفع عن الامه وقتها فمن يضمن رفعه عنا ان عدنا لنفس الاثم؟؟
الدرس الثالث
((إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)))وهي صوره فيها الخفه
والاستهتار وقلة الحرج وتناول اعظم الامور واخطرها بلا مبالاه ولااهتمام لسان يتلقى عن لسان دون تدبر ولا رويه ولافحص ولاامعان النظر وتحسبونه هينا ولقد كان ينبغي ان تجفل القلوب من مجرد سماعه وان تتحرج من النطق به
ارئيتم اخوتي كم هو عظيم الوقوع في الاعراض والذي تكاثر في مجتمعا وانتشر انتشار النار في الهشيم
الدرس الرابع:
عند سماع الولوغ في الاعراض مانصنع واليكم التربيه الربانيه لهذا (( وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) )) اي قاعدة اسسها ربنا لنا علمنا كيف نترفع عن الافك وبهتان الناس وعندما تصل هذه اللمسه الى اعماق القلوب فتهزها هزا وهي تطلعها على ضخامة ماجنت وبشاعة ماعملت عندئذ يجئ التحذير.
وهو الدرس الخامس:
((يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) ))..
يعظكم في اسلوب التربيه المؤثر مع تعليق انتفاعهم بالموعظه بايمانهم اي ان المؤمن لايعود لامر كشف له عن بشاعته وهو مؤمن.
((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) ))
احبتي هنا يتجلى لنا الدرس السادس في محبة اهل الفسق والفحش في نشر الفاحشه عن طريق القذف واتهام المحصنات وخدش الاعراض فهم هنا يسهلون الوقوع فيها عن طريق الحديث وتناقل التهم فتضيع الانساب بالشك وتدمر بيوت المؤمنين وتهتز صورة الزوجات فتصبح الاعراض مكشوفه لضعاف النفوس ومنها تسهل لهم الوقوع في الاثم والفاحشه دون رقيب او حسيب وذك بزعزعة ثقة الجماعه المسلمه بالعفه والطهاره فتصبح الطهاره عملة نادره لاوجود لها فتشيع الفاحشة في النفوس لتشيع بعدها في الواقع.
الدرس السابع:
(( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (20)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) ))
هنا درس رباني سامي ان الانسان لضعيف معرض للنزعات وعرضه للتلوث الا ان يدركه فضل الله وحادثة الافك صوره مستنكره لتتبع خطوات الشيطان وهو عدو الله وعدو ادم وذريته والمؤمنين اجمعين الى يوم يبعثون فكان اجدر بهم ان لايتتبعو خطاه ولايلتفتو لوساوسه وهنا ايقظ الله في المؤمنين الحذر والحساسيه بان الشيطان لايامر الا بالفحشاء والمنكر وعليهم الحذر منه لانه العدو اللدود
الدرس الثامن:
العفو والصفح سمات المؤمنين مهما كان ذنب المخطئ , فمن احب ان يصفح الله عنه فليصفح عن المسئ من امة محمد توجيه رباني لعظيم اجر العفو والذي لاتتقنه الا النفوس المومنة الحقه والتي شربت من ينابيع القران والهدي النبوي .
الدرس التاسع:
(( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) ))
احبتي هنا درسنا يتضح في العقاب الذي ينتظر الذين يتهاونون في قذف الاعراض وهتك الحرمات باللعن والطرد من رحمة الله والعذاب العظيم لقاء الفعل الشنيع وشهادة السنتهم وجوارحهم عليهم بما كان
منهم.
اما درسنا العاشر :
ان الله يدافع عن المؤمنين والمؤمنات وانه مهما تطاول الفسق والفحش فلابد ان تنتصر الفضيله بقلوب المؤمنين
فالإنسان يدخل الإسلام بكلمة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وكلمة الكفر والإصرار عليها تخرجه من ملة الإسلام، والإنسان يعبر عما في نفسه بالكلام، ومن أظهر بالكلام خلاف ما يخفي فهو المنافق، ومن تحدث بغير الحقيقة فهو الكاذب، والإنسان محاسب على ما يتكلم به، قال تعالى: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:18]. وقذف المحصنات ما حقيقته إلا كلمة، إذا لم يأت على إثبات مقالته بالشهود اللازمة أقيم عليه الحد، ولا تقبل شهادته، وعد من الفاسقين إلا من تاب، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور:4-5]. لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من سوء الكلام وجعل حقيقة الإسلام في قلب صاحبه حين يسلم المسلمون من لسانه ويده وقدم اللسان لخطورته، وسهولته على المتجرأ به، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». وورد هذا المعني في أحاديث عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل من نفسه ضامنا الجنة لمن أقام أمور منها إمساك اللسان، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ». واللسان بين اللحيين. وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه بيان لخطورة الكلمة حين قَالَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمِلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ». فَقُلْتُ لَهُ بَلَى يَا نبي اللهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ - أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ». عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رضي الله عنه رَفَعَهُ قَالَ «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ اتَّقِ الله فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا». عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَكْثَرُ خَطَايَا ابنِ آدَمَ فِي لِسَانِهِ». بل إن الناس قد تستهين بالكلام فتتكلم بكلمة بسببها يهوي في النار فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ». وعند الترمذي «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لاَ يَرَى بِهَا بَأْساً يَهْوِى بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفاً فِي النَّارِ».
فالمؤمن يظن خيراً فيما يسمعه عن أخيه المؤمن: قال تعالى: (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) [النور:12] في قوله تعالى: (ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً) أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم فيجب عليهم أن يكونوا كذلك، سواء أم المؤمنين التي نزلت بشأنها الآيات أو عموم المسلمين، ويروى أن حديثا دار بين أبي أيوب الأنصاري وامرأته حين دخل عليها، فقالت: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟ قال: نعم، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب، فقالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة خير منك «ويلاحظ هنا أنه لم يقل:لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرا؟ وقلتم: ولِمَ عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر؟ فالجواب للمبالغة في التوبيخ بطريقة الالتفات، وللتصريح بلفظ الإيمان؛ ليدل على أن الاشتراك فيه ينفي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول غائب أو طاعن، وفيه تنبيه على أن حق المؤمن إذا سمع قالة سوء في أخيه المؤمن، أو أخته المؤمنة أن يظن فيها خيرا ولا يشك فيهما». «وهذا من الأدب الإسلامي الرفيع الذي قل القائم به، بل وقل من يسمع مقالة السوء عن أخيه أو أخته فيسكت ولا يشيع ما سمعه».
لقد بينت الآيات ما يجب على المؤمنين عمله عند سماع السوء: أ- ما بيناه فيما سبق بحسن الظن فيما يسمعه عن إخوانه المؤمنين الدعاة، وهذه هي الخطوة الأولى في المنهج الذي يفرضه القرآن لمواجهة الأمور.. خطوة الدليل الباطني الوجداني. ب- أن لا يكتفي بالظن الحسن في القلب بالنسبة لما يسمعه، بل يسارع إلى الإنكار اللساني (وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ). جـ - الخطوة التالية طلب الدليل الخارجي والبرهان الواقعي، قال تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ الله هُمُ الكَاذِبُونَ) [النور:13]. د- من الأدب الأخلاقي أن المرء لا يقول بلسانه إلا الذي يعلمه ويتحققه، وإلا فهو أحد رجلين: أفن الرأي، يقول الشيء قبل أن يتبين له الأمر فيوشك أن يقول الكذب، فيحسبه الناس كذاباً، وفي الحديث: حسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما يسمع، وإما رجل مموه مراء يقول ما يعتقد خلافه قال تعالىوَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ) وقال: (كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ). هـ - ولا يكفي الظن الحسن والتصريح بنفي وإنكار مقالة السوء، بل على الداعي أن لا يسمح بتسرب شيء إلى نفسه مما يخالف الظن الحسن، وإذا حصل شيء من ذلك في نفسه فلا يجوز أن يتكلم بهذا، بل يردد بلسانه حتى يسمع نفسه وغيره قوله تعالىوَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) [النور:16] و- أن يبعد الداعي عن نفسه أي ميل أو محبة أو رغبة في إشاعة الفاحشة، ونهش الأعراض، واتهام الغافلين المؤمنين، ويعرف من نفسه حصول شيء مما ذكرنا فيها، إذا شعر بلذة في سماع أقوال السوء، أو رغبة في ترديدها، أو في قوله سمعت كذا وكذا من مقالة السوء وليتذكر قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [النور:19]
فالمنافقون لا يريدون للمجتمع المسلم هدوء أو سكينة، ولا يحملون له خيراً، وينتهزون كل فرصة للإيقاع بين المسلمين، وبث روح الخلاف والشك بينهم، وإثارة العداوة والبغضاء، وتوجيه الاتهامات ولو تحت عنوان الدفاع عن الإسلام والمسلمين، والحديث عنهم مثبوت في أوائل سورة البقرة، وفي سورة التوبة وفي سورة المنافقون، وغيرها من الآيات.
المؤمن قد يقع في الخطيئة
فهاجم بعض الأصحاب انساقوا وراء إشاعات المنافقين فوقعوا في خطيئة نقل الكلام، دون إدراك أو تأكد، ولذلك فالمؤمن لا بد وأن يكون على حذر دائم وليعلم أن شدة الثقة بالنفس تؤدي إلى الوقوع في الخطأ دون قصد، وهذا يلتزم من المؤمن دوام مراجعته، والتزويد من الصلة بالله، فهذا الطريق علاج القلب والنفوس.
قد يوجه للدعاة اتهامات ملفقة:
فإن الأعداء يسعون كل يوم إلى تشويه صورة الدعاة، فيلفقون لهم التهم، ويزينون هذه الاتهامات بغلاف من معسول الكلام، فهم لا يقولون هؤلاء قوم يدعون إلى الله ونحن نخالفهم أو نحاربهم أو نؤذيهم، لأنهم يدعون إلى الله ويطالبوننا بتطبيق الشريعة الإسلامية، بل يوجهون تهم معسولة القول، مثل أنهم يهددون السلم الاجتماعي، أو أنهم يطلبون الحكم لأنفسهم، أو أن هناك انشقاقات في صفوفهم، أو يسمعون كلمة من داعية في خطبة أو فتوى فيخرجوها من سياقها، ويعلقون عليها، أو أن هؤلاء الدعاة يقفون أمام الإبداع، ويحاربون الفن، ويقيدون حرية الصحافة... الخ. وعلى رجال الصحافة أن يكونوا في يقظة من مثل ذلك ولا ينساقون وراء هذه الاتهامات الباطلة.
إشاعة خلق العفو والصفح في المجتمع المسلم:
وهذا الخلق الرفيع دعت إليه الآيات القرآنية بعد الانتهاء من إبراء حديث الإفك، حيث كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ينفق على مسطح بن أثاثة، فهو ابن خالة الصديق، وكان من فقراء المهاجرين، وكان من الخائضين في حديث الإفك، فأقسم الصديق أن لا ينفق عليه، وتاب مسطح ولكن الصديق بقي في نفسه شيء، فأنزل الله تعالى قوله: (وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ) [النور:22] فلما تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أَلاَ تُحِبـُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [النور:22]، قال الصديق:بلى أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى الإنفاق على مسطح، هذا سرعان ما يتطهر القلب المؤمن حتى ممن خاض في أخص خصوصيات الإنسان، وآذاه في أعز ما عنده، والعفو خلق رفيع يجب العمل على إشاعته في المجتمع المسلم، فيؤدي إلى سلامة الصدر.
على المؤمنين أخذ الحذر لأنفسهم دون وسوسة:
فلا يضع المسلم نفسه أو المسلمة كذلك لا تضع نفسها موضع ريبة من خلوة محرمة، أو حديث مبتذل، أو ضحكة فيها ضلال، بل على الجميع الالتزام بشرع الله وبدين الله، ولكن لا بد أن يتم ذلك دون وسوسة تقوم على الشك في الغير، أو تتهم النوايا مما يجعل الحياة عسرة.
نظرة الإسلام إلى حماية الأعراض:
إن الإسلام يهتم جداً بأمر الأعراض، وجعل من الضرورات حفظ النسل، وهذا من المقاصد الخمس ومنهم من زاد سادس، وهو حفظ العرض، أما الأخرون فقد اعتبروا حفظ العرض داخل حفظ النسل، وجعل الإسلام عقوبتين من الحدود لحماية الأعراض، حد الزنا الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن، وكذلك حد القذف، المبين فيما سبق، كما أن هناك تشريعات كثيرة لحماية الأعراض، عرضنا سريعا لبعضها عند الحديث عن قصة لوط عليه السلام.
أهمية محاربة الفاحشة:
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [النور:19] لما حذر الله المؤمنين من العود إلى مثل ما خاضوا به من الإفك على جميع أزمنة المستقبل، أعقب تحذيرهم بالوعيد على ما عسى أن يصدر منهم في المستقبل بالوعيد على محبة شيوع الفاحشة من المؤمنين؛ فالجملة استئناف ابتدائي، واسم الموصول، يعم كل من يتصف بمضمون الصلة فيعم المؤمنين والمنافقين والمشركين، فهو تحذير للمؤمنين وإخبار عن المنافقين والمشركين. وجعل الوعيد على المحبة لشيوع الفاحشة في المؤمنين تنبيها على أن محبة ذلك تستحق العقوبة لأن محبة ذلك دلالة على خبث النية، نحو المؤمنين ومن شأن تلك الطريقة لا يلبث صاحبها إلا يسيراً حتى يصدر عنه ما هو محب له أو يسر بصدور ذلك من غيره، فالمحبة هنا كناية عن التهيؤ لإبراز ما يجب وقوعه، وجيء بصيغة الفعل المضارع للدلالة على الاستمرار. وأصل الكناية أن نجمع بين المعنى الصريح ولازمه فلا جرم أن ينشا من تلك المحبة عذاب الدنيا وهو حد القذف، وعذاب الآخرة وهو أظهر لأنه مما تستحقه النوايا الخبيثة، وتلك المحبة شيء غير الهم بالسيئة وغير حديث النفس لأنهما خاطران يمكن أن ينكف عنهما صاحبهما، وأما المحبة المستمرة، فهي رغبة في حصول المحبوب. ومعنى أن تشيع الفاحشة أن يشيع خبرها، «ومن أدب هذه الآية أن المؤمن أن لا يحب لإخوانه إلا ما يحب لنفسه، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خبر سوء كذلك يجب أن لا يحب إشاعة السوء على إخوانه المؤمنين، ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق والكذب مفسدة أخلاقية؛ فإن مما يزع الناس عن المفاسد تهيبهم وقوعها، وتجهمهم وكراهتهم سوء سمعتها، وذلك مما يصرف تفكيرهم عن تذكرها بل الإقدام عليها رويداً رويداً، حتى تنسى وتنمحي صورها في النفوس. فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر ووقع حذرها على الأسماع فدب ذلك إلى النفوس على اختراقها وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها تصير متداولة، وهذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من إلحاق الأذى والضر بالناس، ولهذا نجد التعقيب القرآني على ذلك (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [النور: 19]».