يقول - صلَّى الله عليه وسلَّم - مُخاطِبًا أبا هريرة -رضي الله عنه -: ((جَفَّ القلَمْ بما أنتَ لاَقٍ))؛ رواه البخاري.
ويقول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ولَنْ تُؤمن بالله حتى تُؤمن بالقَدَر خيرِه وشرِّه، وتَعْلَم أنَّ ما أصَابك لم يَكُن لِيُخْطِئك، وما أخطَأك لم يكنْ ليُصيبَك))؛ "السلسلة الصحيحة".
أذكِّرُكِ بهذه الآيات العظيمة، ولْنَتأمَّلْها معًا:
﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحديد: 22].
﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 11].
﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 154].
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155].
لكنْ مَن الصابرون؟
﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 156].
فما جَزاؤهم؟
﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 157].
وجاء في "صحيح الترغيب والتَّرْهيب" عن ابن عمر -رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((والَّذي نفسي بيده، ما تَوادَّ اثْنان فيُفرَّق بينهما إلا بذَنْب يُحْدثه أحدُهما)).
ورُوي عن أبي موسى - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لا يُصِيب عبدًا نكبةٌ فما فوقها أو دونها إلا بذَنْب، وما يَعفو الله عنه أكثَرُ)) قال: وقرأ: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30].
ورَغْم أنَّ هذه البلايا تَحْدث بما تقترفه أيدينا، إلاَّ أنَّ رَحمةَ اللهِ الواسعَةَ تُحيط بنا، فلا تمُرُّ هذه البلاءات دون أن تُمحِّصنا مِن ذُنوبنا؛ يقول - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((ما يَزال البَلاءُ بالمُؤْمن والمؤْمِنة في نفْسه ووَلَدِه ومالِه حتَّى يَلْقى الله - تعالى - وما عليه خَطِيئة))؛ رواه الترمذي وصحَّحه الألباني.
أوَتظنِّين أنَّ الله جعل لنا هذه الدُّنيا لِنَنْعم فيها ونهْنأَ، ونَذوق مِن ألوان السعادة والسُّرور؟!
لا بدَّ مِن البلاء، ولا بدَّ من التمحيص؛ لِيَظهر الخبيث مِن الطيِّب؛ ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [آل عمران: 179].
ولِيَظْهر المؤمنُ الحقُّ مِن الذي يَعبد الله على حرْف؛ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: 11].
يقول ابنُ الجوزي - رَحِمه الله -: "مَن أراد أن تَدُوم له السعادة والعافية مِن غير بَلاء، فمَا عرَف التَّكليف، ولا أَدْرك التَّسْليم".
فالله - عزَّ وجلَّ - يَبتلي المؤمِنَ؛ ليهذِّبَه لا ليعَذِّبه، وهو الغَنِي - سبحانه - عن عباده.
ما أظنُّكِ الآنَ بحاجةٍ للإجابة عن سُؤالك، ولكنْ يَبقى السؤالُ الأهمُّ: ما الَّذي عليكِ فِعْلُه؟
أوَّلاً: عِيشي حاضِرَك، وأَخْرِجي نفْسَكِ مِن قَوقعة الماضي الكَريهة، وتعلَّمي فنَّ النِّسيان؛ وذلك باسْتِصْغار حَوادثِ الماضي المُؤْلِمة، وتَرْك الأُمور تَجري في أعِنَّتها؛ فأَغْلَب القَلق مَنْبعُه إمَّا مِن الخوف مِن المستقْبَل، أو النَّدم على الماضي، وعَلينا ألاَّ نَنظُر لتجارِبنا السَّابقة إلاَّ مُعْتبرين ومُستفيدين فقط؛ وإلا فأَلقِيها وَراء ظَهْرك، وإنْ عادَتْ فاقْذفِيها في سلَّة المهمَلات.
ثانيًا: اجْعَلي مِن تجرِبتكِ السَّابقة سببًا فعَّالاً للعودة إلى الله، والتقرُّبِ إليه واستشعار رَحمته؛ كيف أنه خلَّصكِ مِن زوج ربما سيئ او وبِه مِن العِلل النَّفْسية والجسَدية ما به، ولو تأمَّلْتِ حياتَك لوَجدْتِ المَزيد مِن النِّعم الخفيَّة؛ ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13].
ثالثًا: قد تأتيكِ بعضُ المَخاوف من الزواج بشكل عام، وقد تُسيطر عليك الوسْوَسة مِن كلام النَّاس، وحديثِهم الذي لا يَنتهي حولَ أسباب الطَّلاق، فلا تُصْغِي إليهم، ووَاجِهيهم بكلِّ شَجاعة وقوَّة، واجْعلي مِن ذلك فُرصةً للحديث حول الإيمان بالقضاءِ والقَدَر وأنَّ الله - تعالى - يَبتلي صَبْرنا ببعض المِحَن.
وإيَّاكِ أن تَقولي: قد كرِهْتُ الزَّواج، أو أخْشَى أنْ أُكرِّر التجربة، ولكن انظُري للمستقبل بِرُوح التَّفاؤل على شرط أن تتحرَّي الدِّين والخُلُق قبْل كلِّ شيء.
رابعًا: عليكِ إيجاد البيئة الإيجابيَّة مِن الأصدقاء المَرِحين والمُتَعاوِنين، شارِكي في بعض النَّشاطات مثلاً، أو الْتحقي بدَوْرات في مَجالٍ تحبِّينه، وأَظْهِري نفْسَك أمامَ المجتمَع برُوح السَّعادة والأمل، وجرِّبي أن تبُثِّي فيمَن حولَك التَّفاؤل والإيجابية، وتُشارِكيهم اهتماماتِهم، وتُناقشيهم فيها؛ فذَلك سيكون خيرَ مُعِين لكِ أنتِ على التمتُّع بِرُوح الإيجابية.
خامسًا: ضَعِي لنَفْسك هدفًا أو أهدافًا محدَّدةً، لا تَتْركي نفْسَك فريسةَ الوَحْدة والفراغ؛ فهما سِلاحان فتَّاكان، أو نِعْمتان عظيمتان، فكِّرِي في أهداف نبيلة، وابدئي بوَضْع الخُطَط لتطْوير نفسك، وشَنِّ حَمْلة تغْيير نحْو الأفْضل، وسَارعي بالتَّنفيذ على الفور.
سادسًا: لا تُقاوِمي دُموعَكِ، ولا تَجْبري نفْسكِ على حَبْسها، فالدُّموع وإن كانت مُؤْلِمةً إلا أنَّها تَغسل ذكرياتِنا الحزينةَ، وتَمحو آثارَ الكدَر، وتخفِّف مِن مُلوحة انْكسار النُّفوس المتوجِّعة.
وكما أثبتَتْ بعضُ التجارِب الحديثة أنَّ الدُّموع وسيلةٌ صحيَّة نافعة لتخليص الإنسان مِن التوتُّر، ومِن ثَم المساعدة على الاسترخاء، فلا مانِعَ مِن ترْكها تجري حينًا وإغفالها حينًا، لكنْ مِن دُون كَبْت للمشاعر.
تقول "هيلين كيلر" - وهي العَمْياء، الصَّماء، البَكماء -: "لا تَحْنِ رأسَك لمشكلاتِك، ولكنْ أَبْقِ رأسَك عاليًا؛ لِتَرى العالَم أمامك مستقيمًا".
فحَرِيٌّ بكلِّ مسْلم ومسلمة أن يكون أكثرَ إيجابيَّةً وأقْوَى إرادةً منها.
وفَّقكِ الله وأخلَفَ عليكِ خيرًا، ورزَقكِ بزوج صالح طيِّب القَلْب، يعوِّضك عمَّا مَضى، وجعَلك مِن سُعَداءِ الدَّارَيْن.