الانتقام

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع nona13
  • تاريخ البدء تاريخ البدء

nona13

New member
إنضم
2008/09/22
المشاركات
59
الفصل الاول


أخترق المركب الجميل النهر بهدوء وانسيابية رائعة , جاذبا إليه مجموعة من الأطفال على الضفة , الذين قامو بملاحقته على الشاطئ ليتوقفوا بعد قليل ملاحظين إبتعاده. ليعودوا بعد ذلك بأقدامهم الحافية وملابسهم الممزقة إلى جانب أمهاتهم, اللواتي جلسن على ضفاف النهر يغسلن ملابسهن. وكانت البيوت الفقيرة المتداعية خلفية ملائمة لمنظر الفقر والبؤس البادي عليهم, في عالم توسعت فيه الهوة بين الفقراء والأغنياء, حيث زاد الفقراء فقرآ, والأغنياء ثراءً. وبينما يقضي الفقير حياته في محاولة سداد ديونه التي تزداد يوما بعد يوم ولا تنقص, صار الأغنياء يتنافسون في زيادة أرباحهم ورفع أسعارهم, غير مبالين بأنهم يقومون بذبح الفقراء والقضاء عليهم, وكأن الحرب والإستعمار لم تفعل ما يلزم .
وعلى مقدمة المركب وقف الشاب الوسيم إبن السابعة والعشرين يراقب منظر الأفق الجميل, حيث ظهرت الجبال الشاهقة بلون رمادي, لتتصل بالتلال الخضراء الجميلة, التي يخترقها النهر بلونه الأزرق الرائع راسماً لوحة في منتهى الجمال. وعلى مسافة من النهر فوق أحد التلال القريبة كان القصر الشاهق بشرفاته الواسعة وحدائقه الجميلة, مكملاً الجمال الساحر ولم يكن يفسد ذلك الإبداع الرائع غير تلك البيوت الحقيرة المصنوعة من أغصان الأشجار المدعومة ببعض الحجارة والقش بسكانها البؤساء.
استدار عائدا لمقطورته وهو يشعر بإحتقار واشمئزاز, فهو لايشعر أنهم بشر مثله . فقد تعلم منذ طفولته أن هؤلاء الرعاع حوله خلقو من اجله, واجل راحته .ولم يكن يستطيع أن يتصور أن لهم مشاعر وأحاسيس مثله ,فهم مجرد شيء لا أكثر في حياته بعضهم وجد للتنظيف, والأخر للزراعة, والبعض للتعليم, وهناك من وجد فقط لتعكير صفو الجمال المحيط به .
كان يتمني لو أنه يستطيع إقتلاع هذه الأكواخ الحقيرة حول النهر, وأن ينهي منظر الأطفال القذرة من الوجود, ولكن للأسف الشديد هؤلاء الرعاع هم ما يسميهم والده الحبيب بالشعب.
شخر سيف حين وصل بتفكيره لهذا الحد : أي شعب ؟؟
للأسف تفكيره المتعالي هذا كان يبعده عن والده بينما يقرب شقيقه نورالدين من أبيه.
نور الدين !! فكر سيف بذلك الشاب الطويل السريع الحركة المبتسم الثغر, ورغم أنهما متشابهان شكليا وجسديا إلا أنهما مختلفان تماماً في طباعهما مثل الليل والنهار فقد كان شقيقه يهتم كثيراً بالناس و يقوم بتعليم أطفال البلدة القراءة والكتابة وبعض سور القرآن الكريم وكذلك يقوم بمعالجة الناس على حسابه الخاص كيف بإمكان أمير أن يدرس الطب إن الطب فقط للجزارين حتى يرتدوا عباءة محترمة وتكون لهم سمعة طيبة بين الناس لكنهم في النهاية ليسو أكثر من جزارين قرويين حمقى .كيف قبل نور أن يكون واحد منهم وليس هذا فقط بل أن يفتح عيادة مجانية للأطفال.
فكر سيف ساخراً أن شقيقه يحب الأطفال كثيراً لابد أنه سيكون أبا رائعاً. وهنا ظهرت تكشيره على وجهه فقد تذكر والده الذي سيصبح في أي لحظة أب للمرة الثالثة.
فقد تزوج بعد سنوات من الحزن على زوجته المرحومة. واحضر شابة جميلة من أحد القرى في الجنوب الغربي من البلاد وأعلنها زوجة له من غير تمهيد وهاهي هذه الشابة تحمل له طفلاً ربما يكون صبياً ينافسه على مكانته عند والده كلا لن ينافسه فهو لم يكن يوما محبوب والده بل سينافس نور الإبن الغالي لوالده.
ولكن لم يشعر هو بهذه الغيرة القاتلة ولكن له عذره فكونه الإبن الأصغر فقد تعلق كثيراً بأبيه بعد وفاة والدته, ودلـله أباه كثيراً ليعوضه عن حنان الأم وعاطفتها وهاهو الأن يشتكي منه ويتذمر بأنه أفسده.
حتى نور رغم أنه يحاول إصلاحه إلا أنه يشعر في بعض الأحيان بنفاذ صبره .حاول سيف طرد هذه الأفكار من رأسه قائلاً:
- يالهما من معقدين لقد حرما الكثير بسبب القيم والمبادئ.
أم هو فقد أستمتع بأوقات رائعة في حياته وخاصة خلال الأيام الماضية. تذكر عندها تلك الفتاة الرائعة الجمال التي قضى معها وقتاً رائعاً ما أسمها, وظهرت تقطيبه على وجه فهو لا يتذكر أسمها هل هو حقا مبالغ في تصرفاته ؟؟
ولكن عاد فشخر ساخراً وأقترب من النافذة وراح يراقب المنظر الرائع للجبال البعيدة المكسوة بالخضرة بتدرجاتها الرائعة والقصر الذهبي الذي يقف شامخاً على تله غير بعيدة تحيط به الحدائق.
كم كان سعيداً هناك حين كان يركض بين الخمائل ووالدته تلعب معه, ورغم ما يشعر به من حزن لذكرياته, كان يشعر بالراحة عند عودته للقصر, بيته, هذا ما يشعر به هنا رغم صراخ والده ومواعظ شقيقه.
فجأة قطع حبل أفكاره طرق على الباب.
ودخل الخادم بعد الإستئذان وقال:
- مولاي الأمير سيف الدين, جاءت رسالة من القصر.
كان يبدو على الخادم الخوف مما جعل سيف يرتاب من الأخبار التي تنتظره ليته لم يعد.
- ما الأمر تكلم
تكلم سيف بهدوء يثير الرعب أكثر من الصراخ . عندها ركع الخادم على ركبتيه من الخوف وقال بصوت مرتجف:
- الأميرة جوهرة أنجبت صبياً.
وكان هذا كافياً ليسوٍد وجه سيف وصرخ هذه المرة بغضب:
- دعهم يرسون على المرفأ.

***************************

كانت الأميرة جوهرة تهدهد المهد وتنظر بعينيها العسليتين الناعستين إلى طفلها الصغير الذي كان يقاوم النوم وتغني له بحنان لعله يقبل وينام . كم هو حبيب هذا المخلوق الصغير حتى بكاءه كان في منتهي الروعة.
- من الأفضل أن تحكي له قصة.
تفاجاءت الأميرة بهذا الصوت وخاصة بالشخص صاحب الصوت كانت تعتقد أنه سيعود الأسبوع القادم فمالذي أعاده الأن . إنها لا تشعر بالراحة بوجوده فدائماً تشعر بعينيه الساخرتين تنظران إليها بسخرية وإحتقار لطالما شعرت أنه يتهمها بأنها تزوجت والده عن طمع.
إنه لا يفهم. لا يمكنها أن تدعي أنها تزوجت الحاكم بسبب الحب, لكن في مجتمع قروي في منطقة نائية بعيدة , تتوقع الفتاة الأسوء. فالزواج الذي يبدو كحلم للفتيات يصبح في هذه القرى كالكابوس. فعلى الأمهات أن يجهزن بناتهن منذ الصغر لدخول غابة الزواج, عليهن أن يعلموهن أن يأكلن قبل أن يؤكلن. فهناك والدة وأقارب الزوج الذين لا محال يبحثون عن أي نقطة ضدها ليخضعوها. فالسيدة المحسودة هي من تستطيع إخضاع كناتها وجعلهن خادمات لها ولبناتها . وبالنسبة للأزواج فهم أولا يخضعون لسيطرة أمهاتهم , وثانية لقوانين المجتمع الذي يسخر ممن يعامل زوجته بالطيبة , فيدعون أنه ليس رجلاً , فحسب إعتقادهم الرجل هو من يضرب زوجته ويهينها ويخضعها . وفوق هذا كله كثيراً ما شاهدت في غياب القانون قتل هؤلاء الفتيات على يد أزواجهن ,أو على يد أهل الزوج , وذلك أمام مرئ من أهل الفتاة العاجزين عن أي أمر .
وربما لذلك السبب سن القدماء قانون البدل لحماية هؤلاء الفتيات. فعلى الرجل الذي يريد الزواج أن يعطي فتاة مقابل المرأة التي يريد الزواج بها, وهذه الفتاة يمكن أن تكون أخته أو إبنته أو إبنة أخيه أو إبنة أخته. في هذه الحالة يخاف الزوج وأهله من إيذاء الزوجة مخافة من أن تتعرض إبنتهم بالمقابل للإيذاء على يد أهل الزوجة.
وحتى في هذه العادة التي كان القصد منها حماية الفتيات, ظُلمت الفتيات. فكثيراً ما تعذبت فتاة بغير سبب لأن شقيقها قام بتعذيب زوجته التي هي شقيقة زوجها . لهذا في مجتمع لا عزاء فيه للمرأة. تكون المرأة التي يتقدم للزواج منها رجل متعلم وثري محظوظة جدا, حتى ولو كان هذا الرجل بعمر جدها, فما أجمل أن تسمع المرأة كلمة جميلة من زوجها, ونظرة حانية, ومعاملة عادلة. هل بالإمكان بعد ذلك أن لا تغرم وبجنون من منقذها؟! و تحمد ربها كل ليلة على هذا الزوج الرائع .
ولكن أين لهذا الإبن المتغطرس أن يفهم هذا. فهو رجل, وأيضا عاش في مجتمع متحضر نسبيا أمام مجتمعها, غير حياة القصر الراقية التي تربى فيها. كم تتمنى أن يكون إبنها راقياً مثله, كلا ليس مثله بل مثل نور هذا الشاب الرائع المختلف عن سيف . والذي فتح ذراعيه لها وعاملها كأخت له, إنها تحبه وتقدره كثيراً على عكس شقيقه الذي تخافه وتكرهه.
عادت إلى الواقع على صوت سيف .
- في الغناء لن يتعرف على صوتك جيداً, مثلما يمكنه التعرف عليه في قراءة القصة.
ردت عليه بابتسامة محاولة التعامل معه بهدوء:
- ولكنه لن يفهم القصة.
فقال بسخرية:
- ولن يفهم الأغنية.
ثم تراجع حين أحس بارتباكها وحرجها.
- ما يهمه هو أن يسمع صوتك لكي يعرف أنك موجودة بقربه ومن أجله. وحين يكبر قليلاً سيفهم القصص أسرع ويستوعبها أكثر.
فضحكت بإرتباك حين لمست منه قليلاً من عطف لم تكن تعرف أنه يمتلكه.
- وأي قصة تنصحني بقراءتها له.
فقال ساخراً:
- إختاري أنت القصة وسيختار هو الشخصية.
وحين لاحظ الإرتباك وعدم الفهم على وجهها أجاب:
- بإمكانك إختيار أي قصة علاء الدين والمصباح السحري مثلاً أو علي بابا والأربعين حرامي أو سندباد البحري بإمكانك إختيار أي قصة فالقصص تربي , أنشانا والدنا على القصص , تعلمنا من صغرنا الخير والشر, والصح والخطأ, وكذلك المبادئ السامية من القصص .
ثم أكمل بسخرية مرة:
- وحين يكبر سيختار هو أي شخصية منها يختار, أيختار دور البطل أم
الشرير ؟؟
- وهل هناك من يختار شخصية الشرير؟!
وكانت هذه المقاطعة من والده الذي دخل الغرفة وسمع حوارهم الأخير وكان نور كالعادة يتبعه.
فتقدم سيف وقبل والده على يده فسحبه الأب إلى حضنه وضمه وقال له:
- لقد اشتقت إليك كثيراً بني . يجب أن تقلل من رحلاتك. أعتقد أن علينا أن نبحث لك عن عروس لتستقر.
رد سيف :
- لم اُخلق للإستقرار يا أبي.
هنا تدخل نور حين راء أن الأجواء قد تتصاعد بين والده وشقيقه:
- ألن تصافحني أخي.
حينها تقدم سيف من أخيه معانقاً بينما ذهب الوالد بقرب زوجته وابنه المولود وحمل صغيره وراح ينظراليه بحنان وحين أستدار سيف وراء ذلك المنظر شعر بخنجر يطعن قلبه لقد سلب الصغير قلب أبيه.
نظر الوالد إلى إبنه سيف متذكراً.
- كنت تقول إن هناك من سيختار دور الشرير ؟؟
فأجاب سيف بجدية مصطنعة:
- طبعا أبي فالشرير شخصية محبوبة.
نظر الوالد إليه بإستغراب يصل لدرجة الصدمة:
- محبوب؟؟
قال سيف ساخراً:
- الشرير يصنع القصة بينما كل ما يفعله البطل هو إنهاء القصة, وقتل الشرير المسكين.
ضحك نور:
- لم أكن أعرف أن الشرير مسكين.
رد سيف بسخرية:
- حسناً الم يكن ريئس العصابة في على بابا مسكيناً, لقد جمع ثروة طائلة عبر سنين ليأتي صبي تافه ويأخذها منه . ألم يكن يحق له إسترجاع ماله ؟.
فقال الأب بإعتراض:
- ولكنه كسبها عن طريق السرقة ونهب الناس.
فرفع سيف حاجبه وقال باستغراب:
- وبأي طريقة كسبها على بابا ؟
قال الأب بإعتراض:
- لا يمكن أن تكون مقتنعاً بذلك.
قال سيف بتمرد:
- أبي الحبيب الحياة ليست جانباً واحداً والبشر ليسو ملائكة أو شياطين.لكن المجتمع والقصص علمتنا أن نأخذ جانبا واحداً, وأن نشجع البطل مهما فعل , ندين غيره إذا ما أجرم ,ونبرر تصرف البطل , لا يمكن أن تكون شخصيتنا محكومة من جانب الأبطال فقط .
فقال الأب وقد هدأ قليلاً:
- وأي شخصية تختار أنت.
فأنحنى سيف محيياً أبيه بسخرية:
- طبعا الشرير.
- ماذا.
كان الأستغراب من الجميع.
فقال هو بإستغراب:
- لقد تركت شخصية البطل لشقيقي نور الدين.
ورحل تاركاً الغرفة في جو من الأستغراب والحزن والكره ..
 
ايوا هي من تاليفي
وهي اول قصة اكتبها واريد ان اعرف راي القراءه فيها
 
أنا سألت لان فيه رواية نفس الأسم لكن محتوي الرواية غير
عموماً متابعينك بشوق
 
شعر سيف بالضيق وهو يقف على شرفة القصر الرئيسية يراقب غرو ب الشمس لم يكن يجب عليه العودة للبلاد.
لقد بحث عن والده في القصر, ولم لم يجده ذهب لغرفة الطفل لرؤيته ورأى هناك زوجة والده, وحصل ما حصل. كل رغبة منه في التقرب إلى والده يفسدها فوراً بتصرفاته. ورغم ندمه لاحقاً وتصميمه على تحسين تصرفه إلا أنه يعود فيكرر تصرفاته التي تغضب والده. وفجأة سمع حركة خلفه.
وعرف من غير أن يستدير أنه شقيقه نور. لا بد أنه قادم لإلقاء موعظة أخرى من مواعظه التي لا تنتهي.
توقف نور بجوار شقيقه وقال:
- ما أجمله من منظر.. توقعت أن أجدك هنا.
لم يجبه سيف فتنهد وأكمل:
- كم هي جميلة تلك الأيام الماضية حين كنا نركض هناك في الحدائق مع أمنا وبعد أن نتعب من اللعب نصعد على الشرفة لنستلقي على الأرائك ونشرب مشروب بارد وفي نفس الوقت تبدأ والدتنا برواية قصة لنا. أعتقد إننا تربينا على تلك القصص وتعلمنا منها أكثر مما تعلمنا من المعلمين الذين أحضروهم لنا.
فقال سيف بحزن ومرارة:
- وهنا على هذه الشرفة وقفت أياما وأسابيع أنتظر حتى غروب الشمس ربما تظهر أمي بسحر ما من بين الخمائل وتصعد وتقول لي لقد عدت أو حتى أن تقول لي تعالى معي.
قال نور مواسياً:
- كنت صغيراً.
فقال سيف بغضب:
- ولكنه كان جرحا كبيراً ولقد كبرت وكان ينبغي أن يصغر ولكنه كبر معي.
قال نور:
- ربما لأنك أخترت أن تكون وحيداً وأن تبتعد عن كل من تحبهم. الألم يصغر بوجود الأحبة حولك.
فقال سيف بهدوء:
- من الأفضل أن لا تحب أحد حتى لا تتألم.
وضع نور يده على ذراع شقيقه وقال:
- أنا شقيقك سيف الدين ولست عدوك.
فقال سيف:
- لست عدوي ولكنك خصمي . منذ صغرنا وضعنا والدنا في كفتين إذا أرتفع أحدنا هبط الأخر لا يمكن أن ترجح الكفتين معا أبدا فلسنا مثل بعض.
فقال نور مفكرا :
- ربما كان هذا التصرف خاطئاً من والدي ربما توقع منك أن تكون مثلي.
فقال سيف بغضب:
- ولكني لست مثلك.
قال نور بهدوء:
- أعرف . لديك مميزات رائعة وشخصية قوية أحسدك عليها.
رد سيف بمرارة:
- وكل ذلك يبهت ويختفي في حضورك الملائكي ولهذا اخترت أن أكون شيطان.
رد نور بعصبية:
- كلا لست شيطان لقد قلت بنفسك نحن بشر ولسنا شياطين أو ملائكة.
رد سيف بهدوء هذه المرة:
- هذا ما نعرفه أنا وأنت , أم الناس فهم لا يؤمنون باللون الرمادي , أم ابيض أو أسود .ولأني مختلفاً عنك فقد جعلوا مني شيطان. لا بد أن والدي كل ليلة يدعو الله أن يصلحني.
قال نور:
- كل الأباء يدعون بذلك لأولادهم.
رد سيف ساخراً:
- ولكنه يحمد الله لأنه رزق بك .
ترك الشرفة ودخل غاضباً . بينما وقف نور حائراً مالذي يصنعه ليعيد تلك المحبة بينه وبين أخيه.

***************************

دخل سيف غرفته فأحس بوجود شخص ما. تقدم تجاه سريره وخلع الأجرك ( رداء كالشال يرتديه مثل رداء الإحرام ) ورماه على السرير وقال دون أن ينظر خلفه:
- هل كنت بانتظاري.
خرج من الظل رجل نحيل جداً على رأسه عمة كبيرة بينما تصل لحيته الرمادية إلى تحت صدره ورغم طوله فقد كان محنياً ظهره وتحرك بهدوء تجاه سيف وكأنه يسحب في الأرض وقال بصوت عميق:
- مولاي.
أستدار سيف ورفع يديه في إبتسامة صادقة فتقدم الرجل منه وتعانقا في محبة صادقة وقال سيف:
- أنت الوحيد الذي أشعر بالفرحة للقائه هنا.
أبتسم الرجل بحنان وقال:
- إنه شعور متبادل بني.وكم هو خالي القصر من دونك.
أبتعدا عن بعض ولكنهما ظلا قريبين وقال سيف:
- قلت لك كثيراً أن تأتي معي.
أنحنى الرجل ليلتقط الأجرك الذي سقط على الأرض وقال:
- بني أنت تعلم أنى لا أستطيع البقاء في المركب حتى لفترة قصيرة.
فقال سيف وهو ينزع الصدير القصير المطرز بخيوط الذهب الخالص , الذي يرتديه على ملابسه:
- أجل . للأسف. وإلا لما تركتك مطلقا.
ضحك الرجل ونظر سيف إليه بحنان لقد كان العزاء الوحيد له بعد وفاة والدته. وتذكر يوم هرب من منزله بعد شهر من وفاة والدته وبعد يومين من الجوع وجده مهتاب في الغابة يبكي من الجوع والخوف فأخذه إلى منزله وأطعمه وبقي معه يواسيه ويقنعه بالعودة للقصر وقام سيف الطفل بإخراج ما في صدره من ألم ومعاناة لمعلم التاريخ الذي أستمع إليه بصبر وبعد كثير من محاولات الإقناع وافق سيف على العودة بشرط أن يبقى مهتاب في القصر معه وهكذا أنتقل مهتاب للقصر وعاش مخلصاً للأمير سيف الدين , ولم يتزوج أبدا . وقد علمه الكثير حتى أصبح سيف لا يستطيع الإبتعاد عنه وربما كان مهتاب هو السبب الوحيد الذي يشجع سيف للعودة إلى القصر.
قال الرجل باستحياء:
- هل أحضرت ما طلبته منك مولاي.
فقال سيف متذكراً:
- آه .أجل.. ولكن الحقيقة كلف ذلك الشيء الكثير.
وحين رأى الإحراج على وجه مهتاب أجاب بحنان:
- ولكنك تستحق كل غالي.
وتقدم سيف إلى حقيبة صغيرة كان قد وضعها سابقا على مقعد حين قدم وأخرج منها صندوق صغير من الرصاص المنحوت وأعطاه لمهتاب فشكره الرجل كثيراً وعندما فتحه . برقت عيناه من الفرحة, التي كانت كافيه لسيف ليشعر هو الأخر بالفرح لأنه أسعد معلمه المخلص.

****************************

جلس سيف في الشرفة الواسعة يتناول إفطاره على زقزقة العصافير حين قدم نور إليه وجلس على الأريكة ولم تمضي لحظات حتى قدم الوالد بلحيته البيضاء وعمامته التي تتوسطها جوهرة كبيرة.
وكان السرور يطل من عينيه وبدأ يشرح لهما خططه في إقامة حفل كبير يستمر أربعون يوما وليلة بمناسبة ولادة إبنه ودعوة أمراء الدول المجاورة وكبار شخصيات البلاد بالإضافة لبعض جنرالات الإنجليز مما سبب إنزعاج لإبنه نور المعترض على التودد للإنجليز وللهنود الغير مسلمين.
وأستمر النقاش الدائم بينهما نور ووالده يتناقشان وسيف يشعل فتيل النقاش فقط للتسلية.
- إنهم حلفاء وأصدقاء وقد أظهرو لنا ذلك في مناسبات كثيرة.
كان هذا رأي والدهما.
قال نور بسخرية مريرة:
- أرجوك أبي منذ إحتلالهم البلد , كان هدفهم الأساسي هو الإستيلاء على خيرات البلد .لا تنسى سفنهم التي غادرت مؤاني البنغال, محملة بأطنان الذهب , مما جعل المنطقة من أفقر المناطق في البلاد بعد أن كانت من أغناها . ولن يختلف الأمر معنا.
- كلا إن الوضع الآن مختلف. لقد أصبحنا في حالة سلم.
- لسنا أبداً في حالة سلم مع الإحتلال أبي.
- بني إنهم أصدقاء أعزاء.
قال نور بيأس:
- صدقني لن تكون أعز عليهم من بشاودر شاه حين قاموا بنفيه بعد إعدام أولاده الستة عشر.
رد الوالد بتأفف:
- أرجوك إنك تدور حول نفس النقطة مالذي تريده بالضبط.
- الجهاد طبعا. أبي لدينا جيش كامل ومعدات فلما لا نجاهد.
هنا تدخل سيف بجدية:
- أخي الغالي الجيش فقط لتسليتنا بالإستعراضات العسكرية وليرفعو رأسنا أمام الضيوف إن ما يعرفه عمال المناجم عن الديناميت أكثر مما يعرفه الجنود.
رد نور بألم ومرارة:
- وهذه الحقيقة المرة أخي.
قال الأب:
- لا تكن دراميا.
- ليست دراما. ياللهي , سجل لنا التاريخ هذا العار , كل الدول تُحتل بواسطة الدول بينما نحن تم إحتلالنا من قبل شركة مجرد تجار مرتزقة إنه العار بعينه.
صفق الأب بيديه:
- دعونا ننهي هذه المناقشة إن هذه الأيام هي أيام فرح بقدوم سلار.
قال سيف بتمهل:
- سلار.
- إنه إسم شقيقك الصغير على إسم مؤسس عائلتنا.
نظر سيف نظرة ذات معنى لأخوه نور ساخراً ثم أبتسم لوالده قائلاً:
- إسم جميل أبي.
*********************

قفز سيف من الفحل العربي الأسود الذي كان يركبه وتقدم تجاه القصر حين أسرع إليه معلمه مهتاب محيياً ومشيا معا يتحدثان و تقدما من الشرفة حيث كان نور يقف مراقباً, فأنسحب المعلم بهدوء.
فقال نور ساخراً:
- يبدو إنه لا يحبني.
فأجاب سيف بسخرية مماثلة:
- المشاعر متبادلة .
- تعرف أني لا أرتاح لوجوده هنا.
فقال سيف بملل:
- أنت لا تحب وجود غير المسلمين حتى لو كانوا أطفالاً.
قال نور مدافعاً:
- تعلم إنك مخطئ إني أمل في الكثير من غير المسلمين, أن يدخلوا في الدين الإسلامي. لكن هناك أشخاص أحس إنهم يبيتون للمسلمين نية سيئة وهم من لا أحبهم.
- إذاً يجب أن تحبه فهو مخلص ويحبني ويحب والدي.
فقال نور بارتياب:
- أشك في ذلك.
قال سيف بضجر:
- كفى نور الدين . سيبقى مهتاب في هذا القصر ما كتبت له الحياة إنه الشخص الذي أثق فيه.
- ربما يجب ألا تفعل.
- إنك تغار منه.
فقال نور بحزن:
- ربما لأنك تفضله علي.
- ربما لأني أعرف أنه الشخص الوحيد الذي يحبني حقاً.
ظهرت الصدمة والألم على وجه نور الجميل.
- أتعتقد أنه يحبك أكثر مني.
وحين رآى ملامح شقيقه أمسكه بعنف من ذراعيه.
- يجب أن تفهم يا سيف الدين أني أحبك كما لم أحب أحد حتى والدينا وصدقني أنا مستعد للتضحية بحياتي من أجلك.
ظهر الألم في عيني سيف , وقال بمرارة:
- لا أحتاج حبك.
وترك شقيقه ومضى.
فصرخ نور:
- سيف.
توقف سيف بجانب باب الشرفة وقال بهدوء:
- إني راحل بلغ تحياتي لأبي.
- إلى أين ؟
- سأرحل فأنا لا أستطيع المشاركة في الإحتفالات.
فقال نور بيأس:
- ولكن أبي يحتاجك أن تكون معه.
- لكنك معه وهذا يكفي.
ورحل سيف وفي نيته هذه المرة أن لا يعود أبداً
 
الفصل الثاني

بعد ثلاثة أشهر رسا المركب من جديد على المرسى الخاص بالقصر لقد عاد سيف الدين. ولكنه لم يعد من أجل والده. فيبدو أن والده غاضب منه ,لأنه لم يشارك في الإحتفالات .ولا من أجل شقيقه الذي أرسل إليه بعدد لا يحصى من الرسائل, التي لم يقرأ شيء منها. لقد ضاق ذرعاً بكل شيء وأكثر شيء بنفسه متى يمكنه أن يعيش بسلام مع نفسه .
لقد عاد الأن من أجل معلمه الذي ما أنقطع عن التوسل إليه من أجل عودته . حتى مرض العجوز من شدة الشوق لإبنه الروحي .
تقدم سيف من السرير الواسع الذي يرقد فيه معلمه العجوز ونظر بألم لمنظر الضعف البادي عليه, قبل جبين العجوز الدافئ.
ففتح العجوز عينيه التي تلألأت فرحاً:
- بني لقد عدت.
فقال سيف بيأس:
- أجل لقد عدت . ولكني لن أبقى كثيراً, وهذه المرة سأصطحبك معي.
قال المعلم والدموع تسقط من عينيه من شدة المرض:
- كلا لم يعد هناك وقت.
ركع سيف على قدميه بجوار السرير وأمسك يد معلمه بقسوة وصاح قائلاً:
- لا تقل ذلك .. لا تتركني أنت أيضا . لا أستطيع الحياة من دونك.
- لا تقل ذلك بني, لا بد للحياة أن تستمر.
صاح سيف بألم:
- كلا لن أسامحك لو رحلت.
أخذ المعلم يربت على رأس سيف ويقول بهدوء:
- إهدأ بني إهدأ .. الموت والحياة ليست بإرادة أحد غير الله.
- لكني أستطيع مساعدتك لو علمتني كيف أفعل...
قاطعه معلمه:
- لا أحد يستطيع بني لا أحد تعلم ذلك.
فأحنى سيف رأسه بقرب معلمه الذي أخذ يحدثه بهدوء كعادته ليجعله يتقبل رحيل الشخص الوحيد في حياته الذي وجد لديه الملجأ من ألمه.

******************************

تقدم سيف بهدوء في الممر في طريق الخروج حين سمع صوتاً من خلفه..
- سيف الدين.
أستدار سيف لينظر إلى والده ودهش لمدى الألم الذي رآه في عينيه لقد نحل والده كثيراً خلال الشهور الثلاثة الماضية يبدو أن الطفل لم يجلب السعادة إلى قلبه كما يجب.
قال الوالد بألم:
- ألن تسلم علي بني.
- مرحبا أبي.
تقدم من والده محاولا تقبيل يده ولكن الوالد سحب يده فأحنى سيف رأسه قائلاً:
- أعتقد أنه لم يعد هناك فائدة من الكلام.
قال الأب بهدوء:
- لا اعلم مالذي أخطأت فيه بشأنك بني.
قال سيف بهدوء:
- أنت لم تخطئ أبي .. ولكني لا أستحق أبً مثلك.
فقال الأب بغضب:
- أجل أنت لا تستحق ما أعطاه الله لك من نعم.
صرخ سيف :
- لقد فقدتُ أمي.
صرخ الأب أيضاً:
- ولكن لديك أب وأخ . لديك حياة يحلم ويتمناها الكثيرون, لكنك أبداً لا تفكر إلا في الشيء الذي فقدته.
أسرع نور بسبب صراخهم وحاول تهدئتهما لكنهما ظلا يتبادلان الاتهامات...
وفي النهاية قال الوالد:
- أخرج من بيتي ولا تعد أبدأ وسأخرجك من حياتي وقلبي للأبد.
فقال سيف بألم:
- إني راحل .. ولكنني سابقي في مركبي إلى أن أجد مكان أنقل إليه مهتاب وعندها لن أعود لهذا المكان أبدا.
خرج سيف وهو يقسم أنه لن يعود أبدأ حتى من أجل مهتاب.
 
أستيقظ سيف فجأة . ونظر حوله كان الوقت ما زال في منتصف الليل , ولا يدري مالذي أيقظه ولكن هناك شيء ما . . إحساسه جعله يشعر أن هناك خطأ ما . كانت الرطوبة مرتفعة جداً وكان الهواء متوقفاً , ولهذا كان قد ترك جميع النوافذ مفتوحة لكن جعل عليها الشبك الذي يمنع دخول الحشرات .وفجأة عرف مالأمر الذي أيقظه فقد كان أحد الشبك مفتوحاً . وقفز من سريره بسرعة قبل أن يهوي وميض لامع على سريره, مطيراً الريش الناعم من الوسائد. أنقض سيف على صاحب السيف القريب من سريره, حين هجم عليه شخص أخر من الجهة الأخرى للغرفة .
ولاحظ سيف وهو يصارع الشخصين بيديه العاريتين ,وبما تعلمه من فنون القتال التي لم يهتم بها كثيراً ,أن هناك عدة أشخاص مسلحين في الغرفة . أستطاع سيف أن يصرع أحد الرجلين , وأن يأخذ سيفه بسرعة قبل إنقضاء بقية الرجال عليه ,وكان مجموعهم فيما قدره خمس أو ست رجال ملثمين ومسلحين بالسيوف فقط .
كان سيف ماهراً في إستخدام السيف, ودار قتال غير متكافئ الأطراف بينه وبين الملثمين, شعر فيه سيف بعد إصابة ذراعه أنه بدأ يخسر, فتراجع نحو النافذة, وفي لحظة قفز من النافذة إلى النهر الجاري الذي سحب جسده المتعب المجروح.
ظل سيف يقاوم بما بقي له من قوة, تيار الماء القوي, إلى أن وصل إلى ضفة النهر القريبة من القرية. سحب جسده المهلك على الشاطئ , ليستلقي على مسافة قريبة من الماء . ولكنه لم يرتح إذ تعالى صراخ عالي من البيوت القريبة. حاول سيف أن يقف, فوجد أن ساقه مجروحة أيضاً, ولكنه أسرع رغم ذلك تجاه صوت الصراخ المرعب. تناقضت قوته فسقط فوق العشب قريباً من أحد الأكواخ. كانت ظلال الأشجار القريبة منه تغطيه. ورأى من مكانه والفزع يملأ قلبه لأول مرة في حياته, امرأة تقف عارية الرأس ,وبين يديها طفلاً صغيراً في الثالثة من عمره وتتمسك بها فتاة صغيرة في الخامسة . وتتعالى صراخ الفزع من الصغيرين.
بينما يحيط بهم جنود من القصر ,وأيضاً جنود من الإنجليز وخرجت مجموعة أخرى من الجنود من الكوخ يسحبون رجلاً رث الثياب وثلاثة صبيا بين الثانية عشر والسابعة وقاموا بإيقاف الأب والأبناء بحيث طولهم وسحبوا الطفل الصغير من بين يدي والدته التي حاولت مقاومة أخذ صغيرها منها .
نظرة الفزع والبكاء في عيني الطفل, الذي كان يقاوم إنتزاعه من أمه وإيقافه في الصف , أنتقلت إلى سيف الغير ظاهر بسبب الظلام المحيط به , وفجأة بدأ إعدام الأب بقطع رقبته, بينما الأبناء يصرخون ويحاولون الفرار من بين أيدي الجنود الممسكة بهم , والأم و الابنة ضامتين بعضهما , وتصرخان متوسلتين الرحمة ,ولكن دون جدوى. و بدأو بقتل الصبية واحداً تلو الأخر ,وتصاعد صوت الرعب والبكاء بينهم . أستطاعت الأم التحرر من يد الجندي الذي يمسكها, وأسرعت عند قدم الجندي الذي فيما يبدو أنه قائدهم . تتوسل إليه وترجوه أن يترك أطفالها. ولكنه رد عليها بإمساكها من شعرها, ورفع وجهها لترى إعدام أبناءها. وكل ذلك وسيف في مكانه , مذهولاً من أثر الصدمة . إنه في كابوس وهو متأكد من ذلك وعليه أن يستيقظ, لقد تجاوز الأمر وسيستيقظ في أي لحظة, لكن محال.
ووصل الدور للإبن الصغير الصارخ , والذي أمتلأ وجه الصغير بالدموع, والرعب , وفجأة نظر الصبي تجاه سيف وكأنه يراه , وأنسل السيف ليدخل من رقبة الصبي ويسقط الرأس الصغير متدحرج. ومع الصرخة الحادة التي صدرت من الإبنة, وقف سيف على قدميه المترنحتين, وأخذ بالركض تجاه القصر, دون أن يراه أحد وهو ينادي والده في سره.
وكان يتعثر في ركضه ,ويسقط ليقوم ويستمر في الركض,غير مبالي بحالته وألمه. ومن بعيد ظهرت أعمدة النيران من جهة القصر. وما أن ظهر القصر من بعد حتى رأى أمامه النيران تشتعل داخل القصر. صرخ بصوت عالي:
- أبي.
وأسرع ليتسلق الأسوار التي تحيط بالقصر, بدل التوجه إلى الباب الرئيسي للحدائق. وفجأة سحبه أحدهما من ساقه فوقع في الأرض, وقبل أن ينتبه وضع الشخص المجهول يده بقوة على فم سيف فتح عينيه برعب ولكن جاءه صوت شقيقه المرعوب:
- إهدأ إهدأ هذا أنا.
نظر سيف إلى شقيقه وعرفه في الضوء الباهت للقمر ونظر خلف شقيقه باحثاً عن والده فلم يجد له أثر, ووجد زوجة والده تحتضن طفلها ومعهم أثنين من جنود القصر.
صرخ سيف:
- أبي ؟؟
قال نور بصوت مرتجف:
- لقد قرر البقاء في القصر.
قفز سيف واقفاً وترنح قليلاً حين لامست قدمه المصابة الأرض, ومع ذلك شد قامته وتقدم خطوة تجاه السور.
- سأبقى معه.
أمسكه نور من يده:
- كلا لقد طلب أبي منا الرحيل وإنقاذ جوهرة وسلار
صرخ سيف وهو ينزع يد أخوه من ذراعه:
- لا يهمني سلار أو أمه ..
- ولكن أبي صمم على أن ترحل معنا أنت أيضاً.
تقدم سيف تجاه السور صارخاً:
- ومتى كنت إبناً مطيعا .. إرحل أنت و..
لم يكمل سيف كلامه, وسقط مغشياً عليه, بعد أن ضربه شقيقه نور بيد البندقية التي معه...
قال نور وهو يعطي إشارة إلى الجنديين بحمل أخيه:
- لم تترك لي خيار شقيقي.
وركض الجميع تجاه القارب الذي ينتظرهم عند طرف النهر بعيداً عن المرفأ الذي يرسي عنده يخت سيف. وكان القارب مخبأ بجذوع الشجر. ظهر شخصاً أخر من خلال الأشجار, وركض تجاه القارب يرفع عنه الأغصان, ويدفعه في النهر. أسرع الجميع بركوب القارب الضيق الذي بالكاد يسعهم. وعلى بعد سمعوا صوت الجنود الراكضة. ركب الجميع وقام نور وأحد الجنود بدفع القارب بقوة في النهر وقدميهم في الماء , عندما بدأت طلقات الرصاص تنهال عليهم من بعيد , أسرع نور بتخطي الرصاص بإلقاء نفسه في القارب , بينما لم يحالف الحظ الجندي , فقد أصيب بكتفه . وبدأ القارب بالإبتعاد, مد نور يده ليمسك الجندي الذي وقف مكانه قائلاً:
- أرحل مولاي سأعيقهم.
- كلا رشيد أركب.
- لابد لأحدهم من تأخيرهم أسرع فقط مولاي.
والتقط البندقية التي في يده وركض تجاه الجنود دون أن يسمع الرد.أسرع نور يلتقط المجداف, واخذ هو والجندي الأخر والبحار بالتجديف, لعل الحظ يحالفهم ويتخطوا الأمر. سمعوا طلقات تبادل النار, ولم تمضي لحظات حتى بدأ الرصاص يطاردهم, ويكاد يصيب القارب.ولكن الحظ حالفهم فلم يصبهم شيء, و بدأو بالإبتعاد وكلهم أمل ورجاء أن لا يلحق بهم الجنود بالقوارب.
أبتعدوا عن المدينة . وأنحرفوا عند طرف النهر تجاه الجنوب الغربي, وكلهم أمل أن يسلك الجنود الطرف الأخر.
بدأ نور الفجر يبزغ حين بدأ سيف يستعيد وعيه. نظر في البداية دون أن يفهم شيء , ثم تذكر كل شيء . قام من مكانه يريد القفز من القارب, ولكنه توقف حين لاحظ المكان حوله, تراجع تجاه شقيقه..
- عد بنا إلى القصر.
- لقد نجونا بأعجوبة ولن أخاطر بالعودة.
صرخ سيف:
- لا يهمني . عد.
قال نور بتصميم دون أن ينظر إلى شقيقه:
- علينا أولاً أن نوصل جوهرة وسلار لمكان أمن ثم نعود.
قال سيف بصوت مهتز:
- سيقتلونه.
أرخى نور نظراته وقال بألم:
- ربما.. لكن لن نستفيد شيء بعودتنا الأن.
جلس سيف في أرض القارب ضاماً ركبتيه وأخفى وجه فيهما وقاوم الدموع الحارة التي هددت بالإنهمار..
- مالذي حصل.
- لا أعلم , فقد استيقظنا من النوم على الجلبة , وعرفنا أن الجنود الإنجليز مع بعض الهندوس, يحيطون بالقصر. قاومنا, ولكن كان هناك جنود من الداخل قاموا بالخيانة, وهكذا خسرنا. طلب عندها أبي أن أخذ جوهرة وسلار وأرحل وأن أصطحبك معي حتى ولو بالقوة .
ضحك سيف بألم:
- لقد كان يعلم أني لن أُطيعه.
قال نور بعنف:
- كان يعلم أنك لن تتركه بإرادتك.
هنا بدأ سيف بالبكاء وتركه نور ليهدأ . وبعد قليل سأل سيف وقد تذكر متأخراً:
- ومهتاب ؟؟
قال نور بهدوء:
- لم أجده في سريره .. ربما حاول الفرار بطريقته.
قال سيف بعتاب:
- ولكن ألم تحاول البحث عنه.
رد نور بتوسل:
- لم يكن هناك وقت.
وضع سيف رأسه بين ذراعيه. ياللهي يجب أن أستيقظ من هذا الكابوس . وظل يرددها داخل نفسه لكن دون جدوى. يالهذه الحياة في كل مرة يشعر المرء أنها أخذت منه ما يكفي, يتفاجأ بأنه مخطئ . يجب أن يقوموا بإيصال جوهرة وأبنها بأسرع ما يمكن, لكي يعود لوالده فربما أمسكوه أسيراً.
 
الاحداث يغلب عليها الحزن
لكن البارت رائع ورهيييييييييب
عندي سؤال :
احداث القصة هل تجري في الهند؟
الى الامام وبالتوفيق
 
شكرا اختى على المتابعة
واجل القصة تدور في الهند ابان احتلال الانكليز للهند
ووضعت فيها بعض المعلومات عن بلاد الهند منها عادة البدل التى ذكرتها والتى للاسف الشديد ما زالت مستمرة حتى الآن
واتمني ان تعجبك الاحداثت القادمة ايضا
 
وصل القارب إلى منطقة نائية, فيها قرية صغيرة. وكانت السماء والأرض والبيوت وحتى النهر بلون التراب. بينما كانت درجة الحرارة مرتفعة وحتى الأراضي المحروثة من بعيد لم تكن مخضرة كما يجب. نزل الجميع وأتجهوا نحو المبنى الكبير في القرية . وكان سيف قد ارتدى ثوباً من ثياب الصياد حيث أنه كان عاري الصدر حين قفز إلى النهر من مركبه , وارتدى أيضاً عمامة بيضاء قذرة لم يكن ليلمسها في وقت سابق فما بال وضعها على رأسه والتلثم بطرفها من أجل منع إستنشاق الغبار. وأحاط بهم مجموعة من القرويين المستغربين من وجودهم ,وتقدمهم رجل عجوز يرتدي عمامة بيضاء ويضع أجرك ملون على كتفه ,وعرفهم بنفسه إنه زعيم القرية, فقام نور بتعريفه بأنهم مجموعة من قرية قريبة من الجبال, قد أحتلها الهندوس , مما أضطرهم كمسلمين للهرب من عنف الهندوس ومجازرهم .فرحب بهم الزعيم في منزله, وطلب منهم أن يخبروا جوهرة أن تذهب إلى جناح النساء ليرحبوا بها هناك.
بينما يقوم هو بالترحيب بهم.وقدم لهم الطعام والمسكن .وطلب الطبيب من أجل جروح سيف .وبقي الجميع طيلة اليوم في ترقب للأخبار, بعد أن أخبرهم الزعيم أن له رجال منتشرين في البلاد ,ليحضرو له أخبار ما يجري, ليكون في حالة ترقب , فهو غير مطمئن للإنجليز ,ويخاف من غدر بعض من الجنود الإنجليز الهاربين, الذين كونو عصابات لنهب القرى النائية . وهكذا قرروا البقاء يوماً أخر فربما سمعوا بعض الأخبار قبل رحيلهم تجاه الجنوب

*******************************

كان سيف يركض في أرض موحشة ,تحيط بها أشجار شائكة تجرح قدميه وذراعيه وفجأة وقف أمام القصر المشتعل , ورأى الجنود يسحبون والده من القصر, وهو يحاول مقاومتهم ,وألقوا به في الأرض قرب مهتاب المريض الراكع على ركبتيه . بينما من بعيد رأى جوهرة تقف محتضنة طفلها, عارية الرأس, يتطاير شعرها الداكن في الهواء. وتنعكس ألهبة النار على شعرها و وجهها ووجه الطفل الصغير. ثم سمع صوت نور, نظر تجاه الصوت فرأهم يُخرجون نور من القصر. حاول سيف التحرك تجاه شقيقه ,ولكن شعر بقدميه عاجزتين عن الحركة. ثم رأى الجنود يأخذون شقيقه الصغير من حضن أمه.وبدئوا بقطع رقاب الجميع أراد سيف أن يصرخ متوسلاً, ولكن صوته لم يخرج من حلقه بينما أصبح جسمه كتلة من حجر لا يستطيع الحركة. وقاموا بقتلهم واحداً بعد الأخر أمام عينيه المرعوبتين. ليصلوا إلى الطفل الصغير عندما رأى الطفل عرف أنه الطفل الذي رآه في القرية. ورفع الجندي السيف ليقطع رقبة الصبي صرخ سيف برعب ليستيقظ من النوم.
هرع إليه شقيقه..
- إهدأ سيف لقد كان كابوسا.
- الطفل الطفل.
قال نور لتهدئته:
- سلار بخير مع والدته.
نظر سيف برعب إلى شقيقه:
- لقد قُتل أمام عيني ولم أفعل شيء.. كنت عاجزاً عن الحركة عن فعل شيء .. عن التفكير في التصرف.
- إهدأ أخي لقد كان كابوساً.
وضع سيف يديه على رأسه الذي يكاد يتفجر من الألم وقال بصوت متعب:
- ياليته كان كابوساً.
- حاول أن تنام, غداً ورائنا يومً حافل.
بعد قليل تمدد سيف على فراشه يراقب شقيقه يصلي قيام الليل.كان يشعر بألم رهيب ألم نفسي أكثر منه جسدي بل إنه لا يشعر بجسده أبداً.
نادى في الظلام بصوت خافت:
- أبي.
لقد تشاجرا أخر مرة تقابلا فيها. ليت الزمن يعود فقط قبل تلك المشاداة لقبل رأس والده وطلب منه الغفران..
- آآآآه .
صدرت آهة من صميم قلبه المعذب ,وشعر بشيء يبلل وسادته, لقد كانت دموعه التي فقدت عزتها, فصارت تنهمر بسرعة , فمسحها بكف يده بغضب ,كلا لن يبكي كالنساء, إنه رجل ,إنه الأمير سيف الدين. وسيعود لوالده ويحرره من أسره. وسيقاتل الإنجليز ويقتل الجنود الخونة في القصر . لطالما لم يرتح لقائد الحرس الخاص بالقصر. لقد كان يشعر أنه رجلاً يخفي شيئاً ما, لا بد أنه هو من قام بالخيانة. سيدق عنقه بيده العارية.
شعر نور بتوتر شقيقه فرفع صوته في قراءة القرآن , وبدأ سيف يركز في التلاوة , وشعر بقليلاً من الراحة , لقد حفظ القرآن كاملاً منذ طفولته , وهو يصلي جميع فروضه .ولكنه يشعر بالبعد عن الله, لطالما شعر أنه إنسان سيء . وشعر بالسكينة تنسل إلى قلبه ,مع كلمات سورة يوسف عليه السلام وبهدوء أستسلم للنوم.

********************

أستيقظ بعد شروق الشمس وكان يشعر بصداع قاتل سمع خطوات تقترب منه وضع يده على السيف بقربه ولكنه كان أحد القرويين وقد أحضر له صحن من القش المجدول, فيه بعض الأطباق وكأس حليب.
تناول سيف الحليب وأكل طبق العدس كاملاً ثم خرج من كوخه يبحث عن شقيقه ووجده عند سقيفة بالقرب من النهر يتجمع فيها رجال القرية كنادي لهم وجلس معهم بصمت يستمع لحديثهم والقلق في نفسه يكاد ينطق.
عند غروب الشمس وصل الرسول محملاً بالأخبار. لقد قام الإنجليز ببعض الهجمات على القرى في الشمال وأيضاً وهو الخبر الأهم قاموا بإحتلال إمارة سلارستان فقد تم القضاء على العائلة الحاكمة بالكامل حيث تم قتل الحاكم وهو يقاوم مع بعض الجنود وقتل أحد أبناء الحاكم في مركبه وهروب زوجة الحاكم وإبنه الرضيع تجاه البلدة ولكن ربما قد قتلا لأنه قد تم قتل كثيراً من النساء الشابات مع مواليدهم في البلدة أم ولي العهد فهو مفقود وربما قُتل مع حريق القصر وأيضاً تم قتل كثيراً من سكان المدينة بينما حاول بعض النبلاء الفرار عن طريق النهر وقد قتل كثيراً منهم لكن أستطاع البعض من الفرار ووضع عملاء موالين للإنجليز من الهنود على الإمارة.
تحرك سيف نحو كوخه ولحق به نور وحين رآه يستعد للرحيل أمسكه قائلاً:
- يجب أن نرحل تجاه قرية جوهرة.
صرخ سيف:
- كلا أذهب أنت أم أنا فسأعود للقصر.
- لكن لا جدوى لقد سمعت الخبر لقد قُتل أبي.
بعنف لا حدود له أمسك سيف برقبة شقيقه ودفعه تجاه الجدار صارخاً:
- أبي لم يقتل هل تفهم.
وحين لاحظ أن شقيقه بدأ يختنق أطلق سراحه و أستدار يجمع حاجياته القليلة قائلاً.
- لقد أعلنوا أن العائلة الحاكمة ماتت كلها وأنت تعلم أن هذا غير صحيح.
- لكن وفاة الحاكم مؤكدة.
- وقد قالوا أني قتلت في مركبي.
- ربما ظنوا أنهم قد تمكنو من النيل منك.
- سأذهب.
توسل نور:
- من فضلك سيف دعنا نوصل جوهرة وخلال أسبوع واحد سنعود معا أرجوك أسمع الكلام لمرة واحده في حياتك.
سكت سيف محنياً كتفيه ثم بعد وهلة أستدار وقال لشقيقه:
- أجعلهم يستعدون سنرحل الأن.
ورغم كل محاولات الزعيم أن يطيلوا البقاء عنده أستسلم في النهاية وأعد لهم بعض الحمير لنقلهم عن طريق البر تجاه الغرب.
وبعد وداع أهل القرية انطلق الجميع جوهرة وطفلها و نور و سيف بينما رحل الصياد بقاربه تجاه الجنوب وبقي الجندي في القرية لكي يحاول التمويه لو حاول أحدهم اللحاق بهم وأيضاً ليسمع الجديد من الأخبار.
ومضى الجميع مع دليل من القرية وخادمان أصر الحاكم على ذهابهما معهم وفي الطريق كان سيف ينظر حوله غير مصدق أن هذه البلاد الجافة الصحراوية هي نفسها البلد الذي عُرف بأنه صاحب أول حضارة في الزراعة شتان ما بين الشمال الشرقي بأنهاره وروافده الكثيرة وأرضه الخضراء الخصبة وبين الجنوب الغربي وأرضه الجافة وصحراؤه حتى ليتوحد لون كل شيء حولهم من أرض وسماء وبشر.
وأيضاً الأمر الذي لا يصدق أنه الأمير سيف الذي كان لا يقبل غير بالأفضل يرتدي ثياباً باليه قذرة رغم غسلها الكثير أم يديه فقد باتت خشنة من إمساكه بالحبل حول الحمار أم الأسوء فهو ركوبه على الحمار ياللسخرية أميراً على حمار من حسن حظ أحفاده أنهم لن يأتوا لهذه الدنيا وإلا كان سيلاحقهم العار طيلة حياتهم .
وأستمروا في السير يومين كاملين لا يرتاحون فيه إلا قليلاً لتناول الطعام وإراحة مواشيهم. وبعد يومين لاحت في الأفق القرية المنشودة تكاد لا تفرق بينها وبين تلال الرمال قال نور بفرح وهو يستدير نحو شقيقه:
- لقد وصلنا.
قال سيف بسخرية:
- أحقاً.
ضحك نور وأستدار ناحية القرية شاعراً بالفرحة بعد أن رأى أن روح السخرية عادت لشقيقه فهو يفضله ساخراً على الحالة التي كان فيها تذكر منظر شقيقه على القارب حين جلس على أرضية القارب ضاماً ساقيه يخفي وجه بين ذراعيه التي وضعهما على ركبتيه سيف المتعالي بتلك الصورة الشبيه بطفل متألم مزق قلب نور.
أقترب بعض الناس حين لاحظوا الغرباء وخرجت امرأة من دارها تحمل في يدها جرة كبيرة ونظرت إليهم باستغراب ثم دققت النظر في جوهرة يبدو إنها تعرفت عليها وصرخت بصوت عالي تستدعي من حولها وفجأة خرج الناس من كل مكان وأسرعوا إليهم وتقدم الجميع ما عدا حمار سيف فقد قرر في تلك اللحظة أنه أكتفى من السير , وعبثاً حاول سيف أن يجعله يتقدم . وبينما كان سيف في معاناته وحربه مع الحمار أقترب الباقين من الأهالي ونزلت جوهرة مع طفلها وأحاطت بها النسوة بينما تقدم الرجال من نور مرحبين به.
وبقي سيف بعيداً فقرر الترجل من الحمار قبل أن يلاحظه أحد ولكن رجله حُشرت في السرج الموضوع على الحمار بينما مال جسده نحو الأرض فحاول أن يمسك الأرض بيده وحينها سقط جسده فوق ذراعه بينما بقيت قدميه متعلقتين على ظهر الحمار وسمع صوت عظام ذراعه يبدو أنها كُسرت ولكنه لم يهتم وهو يشعر بالإحراج الشديد وفكر ليس هناك شيء أسوء من ركوب الحمار إلا النزول منه .
ومن سوء حظه أن الناس إلتفتوا إليه في تلك اللحظة وتوقف الجميع حتى الأطفال لحظة دهشة من المنظر , ثم أسرعوا إليه لمساعدته وإحلال قدمه وحاولوا حمله حين تأوه من يده ولكنه رفض وأمرهم أن يدعوه يسير فهو قادر على ذلك ودخلوا دار شقيق جوهرة الكبير.
وكان المنزل عبارة عن أرض كبيرة مسورة تقع فيها الغرف بشكل عشوائي كل غرفة بمفردها وفي جانب منها وضع فرن الطبخ والقدور وعلى الجانب البعيد من الأرض تقع زريبة الحيوانات التي كان البعض منهما يمشي في وسط السكان بحرية وأًدخل سيف إحدى الحجرات القريبة مما قد يسميه المطبخ وبعيداً قليلاً عن بقية الغرف وأمر بإحضار الطبيب بينما وقف بعض الصبية أمام الباب ينظرون إليه.
قال سيف لنور الذي كان يحاول وضع وسادة خلف ظهره:
- دع هؤلاء الأوغاد الصغار ينصرفوا لست فيلا في حديقة حيوانات.
نظر نور نحو الصبية:
- إنه أمر عادي فهو الفضول تجاه الغرباء.
ثم وقف يتأمل شقيقه وقال بإستغراب:
- مالذي كنت تفعله.
قال سيف بإنزعاج:
- كنت أنزل أليس هذا واضحاً.
نظر نور إلى شقيقه قليلاً ثم أنفجر ضاحكاً. فقال سيف بانزعاج:
- سعيد جداً أني أصبحت مادة مضحكة لك.
قاطعهما دخول الطبيب الذي كان أشبه بحلاق لا أكثر وقام بالكشف على ذراع سيف وطلب منهم إحضار مواد التجبير وبعد قرابة الساعة وسيف صابر على الألم قام بإنهاء عمل الجبيرة لذراع سيف وأعطاه بعض الأعشاب المهدئة للألم ورحل بينما بدأ النعاس يتغلب على سيف بعد مشقة الرحلة وشدة الألم .
خرج الجميع وبقي نور معه فقال سيف بتعب:
- لم لم تقم أنت بعلاجي أنت طبيب.
قال نور بهدوء:
- أنا طبيب أطفال, وهذا الرجل هو مجبّر أبً عن جد إنه أفضل من أي طبيب رايته.
قال سيف:
- سأكون سعيداً جداً بالرحيل عن هؤلاء الرعاع القذرون.
- أعتقد أنه عليك تأجيل رحيلك حتى تتعافى يدك.
قال سيف بعناد:
- كلا سأرحل غداً.
رد نور:
- بماذا .كتفك اليسار مصاب والأن ذراعك اليمين مكسور..
قال سيف:
- لا يهمني.
وتكلم نور بحزم وكأنه يخاطب طفلاً عنيداً:
- رحيلك بهذه الحالة يعد انتحاراً.. سنبقى هنا حتى تتعافى تماماً حينها سنرحل . لن تفيد أبي بهذه الحالة التي أنت فيها سوا كان أبي حياً أم لا.
صمت سيف بإستسلام وبهدوء بدأ الدواء يتغلب عليه وبدأ برؤية وجه والده الحبيب و تدريجياً غرق سيف بنوم عميق.
 
الفصل الثالث

أستيقظ سيف من نومه فوجد أن نور الفجر بدأ يتسلل إليه من الباب المفتوح وعند طرف الباب وجد صبياً جالساً على الأرض مديراً ظهره أستغرب سيف من وجوده فأنزل قدميه على الأرض حينها أستدار الولد .أصاب سيف الرعب فقد كان الصبي الصغير نفسه والدموع تغسل وجهه وتصل لرقبته فتختلط بالدماء التي تخرج منها وقال الصبي:
- أريد أمي أعد إلي أمي
حينها أستيقظ سيف فزعا فأحس بذراعه المجّبرة تؤلمه وكان جبينه مبللً بالعرق وحرارته مرتفعة ولكنه هذه المرة كان وحيداً في الغرفة وكان نور الصباح قد أنتشر في الغرفة.
حاول الوقوف ولكنه ترنح وعاد للجلوس على السرير ويبدو أن حركته لفتت إنتباه شخص ما بالخارج فسمع وقع خطوات ودخلت جوهرة الغرفة وقالت:
- لقد أستيقظت.
قال ساخرا:ً
- هذا ما يبدو.
ظهرت نظرة إستياء على وجهها ولكنها تماسكت وقالت له:
- سأحضر لك الطعام.
ولكنه أستوقفها قائلاً:
- أين نورالدين
- لقد خرج مع أخي ولكنه سيعود في أي لحظة.
فقال سيف بتذمر:
- يبدو أن حرارتي مرتفعة.
تقدمت جوهرة منه ووضعت يدها الباردة على جبينه فسحب نفسه بعيداً فأبعدت يدها بسرعة وقالت له:
- سأحضر لك الدواء.
وعادت بعد قليل ومعها صفحة الطعام وكأس فيه شراب داكن كريه الرائحة شربه على مضض فوضعت جوهرة صفحة الطعام بجواره وهمت بالخروج فأستوقفها قائلاً:
- شكراً لك.
نظرت إليه بإستغراب ولكنها ردت قبل أن تخرج:
- العفو.
وبعد قليل حضر نور وكان وجهه يعكس الألم ولكنه لم ينطق بكلمة رغم محاولات سيف وهكذا أمضى سيف يومه ما بين النوم والتمدد على السرير. وفي اليوم التالي تحسن وضعه قليلاً حينها جلس نور بجواره.
فقال سيف:
- ألن تخبرني مالأمر؟
أحنى نور رأسه وقال بألم:
- لقد تأكد الخبر.
 
نونا
ابداعك ابهرني وشدني لمعرفة القادم من الاحداث
تعجبني روعة كتابتك واطالتك للاجزاء
سلمت لنا يمينك وقلمك يانونا
 
شكرا لك اخت أسيرة الذكريات على التشجيع
وعلى كلماتك الرقيقة
واتمني ان تعجبك الأحداث القادمة حيث ان الأجزاء الثلاثة الأولي باردة قليلا ولكني سعيدة انها اعجبتك
 
قال سيف بصوت يعكس الرعب وكأنه يتوقع ما يسمعه:
- ما هو ؟؟
- لقد قُتل أبي.
صرخ سيف بعنف:
- كلا .. كذب.
وحاول الوقوف لكنه ما أن تقدم خطوتين تجاه الباب حتى ترنح وكاد يسقط لولا أن أمسك به شقيقه فدفعه سيف بعنف وتقدم بأتجاه الباب.
وعند الباب كاد يصطدم بفتاة أسرعت تجاه الغرفة حين سماعها الصراخ وتوقفا الأثنين ينظران إلى بعض وشعر سيف بالذهول والضياع.
تقدم نور منه ووضع يده على ذراعه..
- سيف الدين
أستدار سيف تجاه شقيقه بإستغراب يبدو أن الدواء يؤثر على إدراكه نظر إلى شقيقه ثم أستدار تجاه الفتاة ولكنها كانت قد أختفت فأستدار مجدد لشقيقه مترنحا . فأمسكه نور من ذراعه وقاده إلى السرير وهنا دخل شقيق جوهرة الغرفة مسرعاً يستفسر عم يجري فقال نور:
- يبدو أن جرعة الدواء كانت قوية عليه.
رد إسماعيل شقيق جوهرة:
- سأحضر الطبيب.
حضر الطبيب وكشف عليه وقال إنه سيخفف جرعة الدواء وفعلاً كان ذلك. وبعد يومين بدأ سيف يستوعب ما حوله تماماً وطلب من شقيقه أن يخرجه من الدار وفعلاً خرج الأثنين إلى باحة المنزل حيث رحب بهم إسماعيل وطلب لهم الشاي فجلسوا يتناولونه بينما قام إسماعيل بتعزية سيف على مصابهم والأخير صامت.
كان الغضب داخله يمنعه من الكلام سيعود ما أن يتعافى تماماً وسينتقم ممن قتل والده وممن تسبب في تلك المجزرة وخاصة من الخائن الذي أدخل الجنود وتأمر عليهم.
في تلك الأثناء خرجت فتاة من أحد الغرف ومشت تجاه الباب الخارجي, تمسك بيد صبي صغير. ونظرت الفتاة إليه لقد كانت نفس الفتاة. إذاً لم يكن يحلم وتقابلت عيناه مع عيني الفتاة فغطت الفتاة نصف وجهها بغطائها الذي تضعه على رأسها وخرجت من الدار.
ويبدو أن إسماعيل لاحظ نظرات سيف فقال:
- إنها ابنتي مريم.
نظر إليه سيف بدهشة, جمال الفتاة يجعله يشعر أنها لا تنتمي لعالم الواقع, وخاصة لأشخاص بسطاء مثلهم ولكنه لم يعلق.
في اليوم التالي قدم الجندي جاويد من القرية الأخرى وكان حزيناً وأكد خبر مقتل الحاكم أكتأب سيف وحبس نفسه طوال اليوم في غرفته.
خرج سيف من غرفته في اليوم التالي فرأى شقيقه نور يحمل شقيقهما سلار الصغير شعر سيف بغضب عارم, لا يعرف هل هو من أجل هذا الصغير الذي حُرم من أبيه قبل أن يتعرف عليه, أم من هذا الصبي الذي كان مجيئه فألاً سيئاً على أبيه. فأنطلق خارجاً من الدار إلى السقيفة القريبة من مجمع الماء الذي يروون به الحقول, وتعتبر تلك السقيفة كنادي أو مقهى للرجال. حيث يجتمع الرجال هناك من الصباح حتى الظهيرة, وبعد العصر حتى المساء.
وبينما هو يمشي رأى مجموعة من الفتيات قادمات من مجمع الماء, يحملن على أكتافهن جرار الماء. وكانت بينهم مريم التي كانت تبدو كالقمر بين النجوم, ملامح وجهها الناعمة الجميلة, وبشرتها البيضاء التي تشبه بشرة أهل الشمال, عكس الفتيات الباقيات اللواتي كانت بشراتهن داكنة كأغلبية سكان أهل الجنوب, وبينما يتميز لون شعر أهل الجنوب بلون أشبه بلون التراب وكذلك أعينهم , كانت مريم بيضاء البشرة بشعر وعينين حالكي السواد برموشها الكثيفة الطويلة وحواجبها المرسومة. نظرت الفتيات إليه وأخذن يهمسن ويضحكن, ورغم ضيقه من أسلوب القرويين هذا إلا أنه وجد متعة فائقة في مراقبة ضحكة مريم ونظراتها إليه. فسار بسعادة تجاههم وبينما هو يتخطاهم تجاه مجمع الماء ألتفت تجاه مريم التي ألتفتت إليه وشعر بألم في معدته بينما صمتت هي وتابع كل منهما طريقه.
أستغرب من شعوره, كيف يشعر بسرور بينما والده قد غُدر به؟! إنه أمر غريب أن يختفي كل شيء في تلك اللحظات التي يري فيها مريم.
أنضم للرجال وجلس بينهم وهم يناقشون أمور القرية والتحدث عن هذا وذاك وتذكر كثير من حكايات الأجداد التي يلاحظ المرء المبالغة الخيالية فيها وأنضم نور إليه وعند الظهيرة قرر العودة فقد شعر بتوعك بسيط. قال له نور:
- هل أذهب معك.
فقال سيف بتذمر:
- لستُ طفلاً يحتاج للرعاية.
عاد وذكريات الماضي والحقد داخله يكبر ويكبر وحين وصل للمنزل . تضايق لأنه لم يكن هناك في المنزل غير الأطفال فأراد دخول غرفته حين جاءه مجموعة الأطفال وطلبوا منه أن يقص عليهم قصة وكاد أن يرفض بعنف لولا أنه لاحظ في تلك اللحظة خروج مريم من أحد الغرف وذهابها إلى والدتها التي تقف بقرب قدر كبير أسود على حجارة سوداء وأخذت مكانها عند القدر لتذهب الأم وتصنع الخبز شعر سيف بيد تسحب يده فالتفت فرأى وجه الطفل الصغير وأنفه السائل قال الطفل:
- قصة.
رد سيف مبتسماً:
- حسناً.
وجلس على الأرض يروي قصة علي بابا والأربعين حرامي بينما وقفت مريم تراقبه خفية (لقد سمعت عنه من رسائل عمتها جوهرة ولكنها شعرت بأن عمتها لا ترتاح له ورغم أن عمتها لم تكف عن مديح نور إلا أنها لم تكن تتحدث عن سيف الا نادرا وبطريق جعلت مريم تشعر أنها لا تميل إليه) وبعد لقاء مريم بالشقيقين لاحظت مقدار طيبة نور وشخصيته الرائعة فقد تعلق به جميع من في القرية أم سيف. ونظرت إليه كم هو وسيم ببشرته البيضاء التي لم تستطيع الشمس تسميرها, وعيناه العسليتان الرائعتي الجمال, وجسده الرياضي الطويل, وطريقة وقفته وسيره الأرستقراطي الذي يميزه رغم اللباس البسيط الذي أستعاره من والدها, وكان يبدو كالعملاق الضخم مع الأطفال المحيطين به. لا بد أنه سيكون أباً رائعاً وعند هذا التفكير أحمرت وجنتيها خجلاً وأختار سيف تلك اللحظة أن ينظر إليها وتقابلت عيناهما وأتسعت إبتسامة سيف أمام خجل مريم.
فكر سيف كم هي جميلة إنها مثلما تقول الأساطير أخذت من القمر إستدارته, ومن النجوم لمعانها,
ومن الأغصان رقتها, ومن الأوراق خفتها, ومن الشمس إشراقها, ومن العصافير زقزقتها, ومن المها عينيها.
شد الطفل ذراعه قائلاً:
- أكمل القصة عمي.
أبتسم سيف بحنان قائلاً:
- حسناً.
وأخذ يكمل القصة ولكن قاطعه أحد الأطفال صائحاً وهو يقف محتجاً.
- ولكنها سفاحة.
أستغرب سيف, يبدو أن شيء ما قد فاته. وسأل:
- من ؟؟
- ياسمين.. لقد قتلت العصابة المسكينة.
رد سيف بتفهم وهو يضحك بحرج:
- ولكنهم لصوص.
رد الطفل بعناد:
- وعلى بابا أيضاً.
عندها قام سيف بدفع الصبي بعيداً عنه من دون أن تلاحظ مريم..
- ارحل .. هيا.
أخرج الطفل لسانه وهرب.
أغتاظ سيف قائلاً:
- طفلاً غبي..
ثم أستدار ينظر إلى مريم التي ضحكت وغطت طرف وجهها فكر سيف وهو ينظر إليها ما أجمل أن تخالف المرأة مبادئها وفطرتها الرقيقة وتقوم بقتل مجموعة رجال بغلي أدمغتهم بالزيت الحار من أجل الرجل الذي تحب. كم هو محظوظ على بابا.
وجلس سيف يكمل القصة لبقية الأطفال وحضر نور من الحقول في ذالك الوقت .فوقف فاتحاً فمه من غرابة المنظر. أمامه سيف المتعالي جالساً على الأرض في وسط مجموعة من الأطفال وأي أطفال صغار حافين الأقدام , ملابسهم قذرة بعض الشيء , ووجوههم مغبرة , وبعضهم بأنوف سائلة . وهو يلاطف الجميع, ويحكي لهم قصة. بل حصل ما هو أغرب قامت طفلة بالوقوف بجواره ورآها نور وهي تقوم بوضع يدها القذرة فوق كتف سيف أغمض نور عينيه متوقعاً ردة فعل سيف ولم لم يحصل شيء فتح عينيه بل فوجئ بسيف وقد وضع الطفلة في حجره وتابع القصة نظر نور بذهول تجاه الجندي جاويد الذي حضر معه ليراه فاتحاً فمه من شدة الذهول.
أقترب نور من سيف وأنتبه له الأخير فأبعد الأطفال بحرج ووقف محتجاً..
- من الأفضل أن أذهب معك إلى الحقول بدلاً أن أصاب بالجنون في المنزل. أعتقد أني بدأت بالتحول لربة منزل لطيفة.
ضحك نور قائلاً:
- من اللطيف رؤية ذلك.
أغتاظ سيف وترك شقيقه وأتجه نحو غرفتهما وفي الطريق ألقى نظرة إلى مريم التي إبتسمت على إستحياء فشعر بقلبه يذوب في مكانه ولكنه تماسك ودخل غرفته.
ومنذ ذلك اليوم وحفاظاً على قواه العقلية تنازل الأمير سيف الدين عن تعاليه وصار يذهب مع شقيقه للعمل في الحقول. وكم كان منظره ملفتا للإنتباه فقد ظهر واضحاً للعيان أنه ليس في مكانه, الصحيح وأن المكان الطبيعي له هو القصر عوضاً عن وقوفه في وسط الحقول. وأنحناءه نصف إنحناء تجاه الأرض وهو يقوم بحراثتها
ولكنه تأقلم مع العمل الشاق سريعاً وساعده بذلك طبيعة جسده القوية والرياضية وكذلك تعاليه الذي يأبى إلا أن يكون الأفضل وأستعادت ذراعه قوتها بعد فتح الجبيرة بينما كان العمل الشاق في الحقول يقوي عضلات جسده بالكامل.
 
يبدو ان الحب بدأ يتسلل الى قلب سيف
شكرا على البارت الرائع وعلى تعبك وجهدك في كتابة الرواية
لاتقلقي يا نونا فانا معك وساقف بجانبك وبالتأكيد ساتابع روايتك المذهلة
 
شكرا حبيبتي اسيرة الذكريات على تشجيعك ودعمك
وكلماتك اسعدتني كثيرا
تسلمي
 
بينما مع الأيام زاد تعلقه بمريم ورغم عدم محادثته لها, إلا أنهما كان يتبادلان النظرات المختلسة لبعضهما.
وذات يوم خرج سيف لإحضار الحطب من أجل التدفئة للمساء الذي يصبح بارداً جداً في هذه الأماكن النائية بينما تشتد الحرارة في النهار.
وكانت القرية تقع على أرض مرتفعة تنخفض تجاه الجنوب الغربي, بينما تنتهي عند الشمال بهاوية بسيطة. وتقع البيوت في أرض متوسطة بين الغابة الجافة التي تقع في أعلى منطقة, وبين الحقول التي تنخفض حتى تصل لأرض مستوية في الجنوب والغرب من القرية, وبجوار الغابة يمر الطريق الذاهب إلى الحقول ومجمع الماء. وبينما سيف في تلك الغابة على أطراف الطريق يقطع الأغصان الجافة ويجمعها, رأى مريم تمر على الطريق مع شقيقها الصغير ذاهبة إلى مجمع الماء حيث يصدر من هناك ضحكات الفتيات.
وقف سيف يراقبها, وسارت هي بهدوء دون أن تلتفت إليه ولكنه شعر أنها رأته وأنها تعرف أنه يراقبها, ولكنها تقدمت دون أن تلتفت إليه وترك هو ما في يده وبدأ بالسير محاذاة لها على الطريق المرتفع, شاهد الإبتسامة تتوسع على شفتيها فبدأ قلبه يرقص في مكانه, أفلت شقيق مريم يده من يد شقيقته وركض ضاحكاً تجاه أصوات الفتيات, ضحكت مريم وركضت هي أيضاً تجاه شقيقها وركض هو ملاحقاً لخطواتها وقفزت الدنيا فرحاً وسروراً في قلبه وهو يركض ضاحكاً, وفجأة ظهرت إحدى الأشجار في وجهه دون أن يتمكن من تجاوزها, فصدم برأسه في الشجرة وسقط على ظهره.
نظر إلى السماء وتساءل لم لا تنشق الأرض حين يرجى منها ذلك, وسمع خطوات مريم المهرولة توقفت عند رأسه ونظرت إليه برعب, ولكنها حين لاحظت أنه بخير ضحكت وهربت.
كم أصبح أحمقاً عليه أن يتوقف عن هذه الحماقات, ولكن من يستطيع التحكم في قلبه وخاصة عندما يكون غارقاً في الحب.
توقف مذهولاً . حب, كلا إنه لا يحب أحداً وخاصة فتاة قروية, حين يتزوج سيتزوج من أميرة. ورغم أن مريم من عائلة نبيلة وكانت عائلتها من العائلات التي قاتلت الإنجليز ولم تعاهدهم وأستطاعت الإحتفاظ بهذه القرية, رغم أنهم دفعوا في سبيل ذلك الكثير من رجالهم, بل أن عائلة مريم تعتبر شبه منقرضة ولا يتعدى عدد الرجال البالغين فيها العشرين رجلاً.
فكر إنهم بعكس عائلته التي عاهدت الإنجليز ولم يتبقى منهم غيره وشقيقيه. أحس بالألم يعتصر قلبه وأحس بالعار, لقد كان مع التعاهد ولكنه أمام هؤلاء البسطاء وأمام فجيعته عرف بأنهم لم يكونوا على حق, لقد كان نور دائما محقاً برأيه تجاه هؤلاء الأجانب. ولكنه كان مخطئاً تجاه مهتاب, وشعر بالحنين تجاه مهتاب لقد نسي أمره في تفكيره بأبيه. رغم أنه شعر وهو في القصر أنه يحبه أكثر من والده, وتمنى أن يكون مهتاب قد نجا ووجد طريقة للفرار والنجاة.
بعد يومين بينما كان يشرب الماء من الزير الذي في المنزل, مرت مريم بجانبه وقالت دون أن ينتبه لها أحد:
- قابلني في الغابة.
قفز قلبه فرحاً وذهب للحقول مع شقيقه وأنتظر قليلاً ثم أستأذن من شقيقه وأدّعى التوعك والرغبة في الرحيل. سأله نور بقلق:
- هل تشعر بألم في ذراعك.
- أطمئن ذراعي شفيت تقريباً ولكني سأرتاح قليلاً وأعود.
- إذا شعرت أنك على غير ما يرام أرسل لي أحد الصبية وسأعود فوراً.
قال سيف بحرج:
- كلا لا داعي. ربما سأرتاح في السقيفة.
- حسناً, ولكني ما زلت على رأيّ إذا شعرت بأي ألم أرسل لي أحدهم.
قال سيف بسرعة:
- حسناً حسناً.
وأسرع تجاه الغابة وبعد أن بحث قليلاً وجد مريم خلف أحد الأشجار الضخمة الجافة, أقترب منها وشعر بحمرة الخجل تورد وجهها نفخ صدره وتقدم منها..
- مرحباً.
ردت بخجل:
- مرحباً.
قال سيف:
- كيف حالك.
- بخير وأنت.
قال بإبتسامة:
- أنا بخير.
نظرت إليه ثم أرخت رأسها..
- كيف حال رأسك اليوم.
ضحك وقال:
- لا تذكريني لقد شعرت بالعار.
ضحكت هي أيضاً:
- لا داعي لذلك لم أخبر أحد.
قال بهدوء وهو ينظر إليها:
- لا يهمني أحد سواك.
نظرت إليه بعينيها الواسعتين وشعر بها تتعمق داخله, وقفا هكذا فترة قبل أن تقول:
- يجب أن أرحل. والدتي تنتظر الماء.
شعر كأن روحه ستغادره فقال:
- ألا تستطيعين البقاء قليلاً.
- كلا أمي سترسل بعد قليل أحد إخوتي للبحث عني.
فقال برجاء:
- هل نلتقي غداً.
نظرت إليه بتردد مالذي تفعله هنا, إذا ما أكتشف أحد ما تفعله سيحكم على عائلتها بالعار, وهذا ظلم في حق العائلة التي ناضلت سنوات طويلة من أجل كرامتها وشرفها, ودفعت في سبيل ذلك الكثير من دمها. لقد كانت حماقة كبيرة منها التواعد معه اليوم.
- لا أستطيع .
شعر سيف بألم في قلبه وكأنه مسجون حُكم عليه بالإعدام, وتوسل من أجل الرحمة:
- أرجوكي.
تركته دون أن ترد وبعد عدة خطوات كانت بمثابة سيوف تمزق قلبيهما, توقفت وأستدارت تنظر إليه, قد تكون مجنونة وقد تكون مجرمة في حق عائلتها لكنها لا تستطيع أن تقاوم ما يدفعها بجنون إليه منذ تلك اللحظة التي رأته فوق الحمار..
- غداً في نفس هذا الوقت.
ورحلت مسرعة وهو يشعر كأنما روحه رُدت إليه, ما أن أبتعدت حتى قفز فرحاً وأنطلق بسعادة تجاه شقيقه, الذي باتت محاولاته لكي يعرف مالأمر الذي يجعل عيني شقيقه تبرقان فرحاً بالفشل. وهكذا أستمرا باللقاء يومياً وأزداد قربهما من بعض.
 
عودة
أعلى أسفل