"ما عدتش حاسس بأي حاجة في الدنيا... كل حاجة بقت شبه بعض... ما عدش في حاجة بتفرحني و لا بتزعلني... أيامي كلها حاجة واحدة.... حتى و أنا باحكليك مش عارف دي حاجة مزعلاني و لا مفرحاني... معدتش حاسس بحاجة و لا عارف حاجة!!!"
يا عزيزي ما أنت فيه متوقع جداً لمن هو في مثل مرحلتك... ومثل ظروفك...
أنت الآن في مرحلة: الإنسان المستنزف.
تلك المرحلة التي يتحول المرء فيها من المُعتمِد على غيره إلى المُعتَمَد عليه من كل من حوله.
فجأة يستشعر الإنسان أنه كان يسحب من رصيد عمره في السابق على سبيل الدين... وحان وقت السداد!!
فجأة يتحول هو إلى السند الذي يستند عليه كل من حوله... الكل يتوكأ عليه ... الكل يلقي إليه بأحماله...
كل يوم يزداد الحمل على كاهله وطأة... فلا هو يحتمل كل هذا العبء... ولا هو قادر على إلقاء العبء...
هناك وظائف في الحياة غير قابلة للاستقالة!!
فكيف تتصرف النفس مع تلك الحالة ؟
كيف تتعامل مع ظروف الضغط الذي لا يهدأ للحظة، و السحق المتواصل للروح؟
إنها ببساطة تلجأ لتكتكيك: الفريزر النفسي.
فتقوم النفس بعملية تجميد روحية... و تدخل في حالة من السبات الداخلي...
تقوم النفس بتغليف نفسها بطبقة عازلة من الجليد الصلب، وذلك للوقاية من الآلام المتواصلة... هي مرحلة التجمد الذي تختاره النفس كبديل عن الانهيار...
وتكون النتيجة هو ما تراه: ما عادت النفس تتفاعل مع أي شيء و لا تحس بأي شيء !!
يفقد المرء القدرة على الانفعال مطلقاً، حتى مع ما يبعث على البهجة و السرور.... ويتحول المرء إلى كائن "روبوتي" جاف المشاعر منزوع الأحاسيس.
"طب و أيه العمل؟ أخرج ازاي من الحالة دي؟ أنا حاسس إن أنا مجرد جثة!!"
الحل يا عزيزي ببساطة هو استعادة رصيدك الروحي ... كل امرئٍ منا له طاقة ومخزون نفسي يسحب منه لمواجهة لأواء الحياة و مرارها...
وأنت يا صديقي منذ سنين و أنت "تسحب على المكشوف" !!
رصيدك الروحي تبدد منذ زمن و ما عاد لديك ما تسحب منه... روحك ببساطة هي أرض قاحلة لا تنبت إلا الحنظل، وأنت كل يوم تُجرِّفها أكثر.
ألا تبصر بعينك تلك الشقوق الجافة في حنايا قلبك؟
أخبرني متى كانت آخر دمعة سكبتها في محرابك؟ متى كانت آخر ارتجافة على شفتيك و أنت تدعو ربك؟
قل متى كانت آخر مرة سمعت القرآن بقلبك؟
أنت في حاجة عاجلة إلى غمر ربوع قلبك بمياه الوحي... اطرق باب القرآن بلا كلل... اغمس قلبك غمساً كل يوم في معين الوحي و لا تمل...
ثم عليك ألا تجعل أيامك تمر كما هي بلا اختلاف... هذا الروتين اليومي الخانق يقتلك ببطء، فجدد نشاطك الإيماني كل يوم... افعل كل يوم خيراً جديداً مختلفاً...
وابحث عن المفتاح!!!
لكل قلب منا مفتاحه الذي يفتح أغلاله... فهناك من يكون مفتاحه في ركعات في جوف الليل... وهناك من يكون مفتاحه في السعي في حاجة المحتاج....
كل هذا يا عزيزي وأنت واقف على باب ربك فزعاً متذلالاً... تناجيه و أنت على يقين من قربه و أنه لن يخذلك... تدعوه و أنت على يقين أنه ليس لك إلا هو...
عندها يا عزيزي سيستوي عندك رفع البلاء و بقاء البلاء....
فأنت على خير في كل حال...
يكفيك أنك كسبت حياتك في محرابك...
وجددت عهدك مع ربك...
يا عزيزي...
إن المبتلى حقاً هو من زاغ بصره عن محرابه...
وأغلق دون معين الوحي بابه...
والمخذول هو من سار في لهيب الحياة يقتله الظمأ...

والماء يحمله على أقتابه!!


د.محمد فرحات