:tears:أمام المقبرة .:tears:
حدثت لي هذه الحادثة في بداية مجيئي لهذا البلد ،، كنت حديثة العهد وامتلك خلفية جيدة عن الانجليزي ، إلا أنني لم أمارسها لذا كنت أتعثر في الحديث ، وأتردد كثيراً بكسر حاجز اللغة ، واستمع أكثر مما أتكلم ، كنت في بداية أشهري الأولى في البلد ، قد تحمست للتسجيل بما يسمى ( the neighborhood) لدمج حديثي القدوم في المجتمع عن طريق تعليمهم الانجليزية ، كانت محاولة مني للتأقلم أكثر منها للتعلم ،، وفي الطريق إلى ذلك المعهد كنت غالبا أمر بمقبرة يتوقف عندها القطار لدقائق في محطة قبل أن يواصل سيره لبقية المحطات .
كنت غالبا ما ألاحظ امرأة ترتدي معطفا كشميريا أحمر نبيذي ، تقف عند أحد القبور لتضع باقة ورد ، وتتأمل ، وتجلس عند القبر .
لفتت نظري تلك المرأة ( المسنة ) كثيراً لأن معطفها أعجبني أولا ، ثانيا لأني كثيرا ما أشاهدها في رحلتي شبه اليومية .
لفت نظري بجانب المقبرة محل مرسوم عليه سيدة ترتدي قبعة بيضاء أنيقة ، ومكتوب بجانبها على اللوحة ( نحن نفهم احتياجات السيدة ) . أعجبتني فخامة ذلك المحل كثيراً ، و أوحت لي اللوحة أنه محل تجميل خاص بالسيدات ، وتشجعت يوماً بعد يوم على الذهاب إليه لرؤية الخدمات التي يقدمها .
وذات يوم كنت بين إحجام و إقدام للقفز من القطار والذهاب إليه ، وترددت كثيراً لأني تقريبا لا أعرف طريق العودة ، وأثناء التردد أصدر القطار صوتاً يدل على قرب إغلاق الأبواب ، فما كان مني إلا أن تهورت ، ووضعت طرف يدي بالباب الذي يغلق أوتوماتكيا ، ليفتح ، فانطلقت أجراس إنذار لأن ذلك ممنوع ولم أبالي بالأصوات التي تردد من خلفي ( امرأة مجنونة ) ، وقفزت من القطار في لحظات قبل تحركه ، ومشيت بطريقي ونظرات الاستغراب تلاحقني من الركاب .
ذهبت للمحل المذكور ، ودخلت أبحث عن الاستقبال للسؤال ، أول ما لاحظت على المحل أنه بعيد عن أجواء ال ( spa ) ومحلات التجميل المعتادة، وله طابع أقرب إلى المستشفى النفسي بألوانه الهادئة ، وجوه النظيف المعقم .
قابلت إحدى المسؤلات التي كانت تنظر لي باستغراب شديد ودهشة ، وسألتني بلطف عن الخدمة التي تستطيع تقديها لي ، فأجبتها ، أني أريد أن أعرف عن الخدمات التي يقدمونها ، فاتضح لي أنه دار خاص بالسيدات المسنات اللاتي يرغبن بالأنيس ، والرعاية الصحية والنفسية التي يقدمها هذا الدار
بإدارة طاقم مؤهل ومختص في معرفة شؤون السيدات المسنات ، وأن خدماتهم شاملة لجميع ما تحتاجه ( العجوز ) .
ندمت على تهوري ولكن بررت لنفسي بأن اللوحة التي وضعوها مبهمة لا تدل على حقيقة ذلك الدار .
شكرتها ، وذهبت أجر أذيال الخيبة ، وحين رأيت جدول القطار القادم تبين لي أن 40 دقيقة تفصلني عنه ، لابد من أن انتظرها في المحطة ، جلست بركن منزوي انتظر القطار ، وكان المكان خانقاً ، لمحت من بعيد المرأة ذات المعطف الأحمر تجلس في منطقة مفتوحة ، فقررت أن اذهب لهناك بعيداً عن رائحة القهوة والمقالي التي كانت تنبعث من محل مأكولات في المحطة .
حين خرجت للمكان الضيق المفتوح ، حيتني المرأة بابتسامة ، فأجبتها بتحية من يدي وإماءه برأسي ، وجلست .
بدأت بالحديث قائلة : كم بقي على مرور القطار ، لأنني كنت آتيه من مكان اللوحة التي تعرض الوقت ، فقلت لها ، تقريبا نصف ساعة .
قالت : أوه وقت طويل ، أجبتها : نعم ، هل أنت في عجلة من أمرك ؟
ردت : لا ، لقد لمحتك تدخلين محل ( القبعة البيضاء ) للسيدات ، واستغربت ذلك جداً ، أنا من زبائن تلك الدار ،واستغربت دخول (شابه ) مثلك إلى هناك ..؟
شرحت لها اللبس الذي وقعت به ، فأجابتني بضحكة طويلة رنانة منها وكأن ورطتي قد راقت لها ، ثم اعتذرت عن ضحكها ، فأجبتها بابتسامة ، وقلت لها : لا بأس ، لقد ضحكت أنا من نفسي .
استأذنت مني ، وأخرجت علبة عصير من حقيبتها ،، ميزت الرائحة النفاذة بمجرد أن فتحتها ، واكتشفت الحيلة المعتادة ، يضعون المشروبات الكحولية في علب العصير لأنه ممنوع تعاطيها في المواصلات العامة ..
عرفت لماذا تخلت عن وقارها وضحكت تلك الضحكة الرنانة ، فقد تخلت عن الأدب والبرود الإنكليزي المعتاد ، لأنها منتشية ...
وتوقعت أن ينطلق لسانها كعادة من داعب المشروب عقله ، فجأة سألتني : كيف لمن ترتدي ساعة ثمينة كساعتك أن تستخدم مواصلات عامة ؟
قلت بنفسي دليل آخر على النشوة لأنها تعدت حدودهم المعتادة مرة أخرى وسألت سؤالا شخصياً .
لم أحب أن أشرح لها رفض الرجل السعودي لقيادة المرأة ، كما أنني كنت أحب الاستماع كما ذكرت أكثر من الكلام الذي لم أكن أتقنه كالاستماع .
قلت لها : الحياة مليئة بالمتناقضات .. أعجبت بمعطفك هل تقايضيني بهذه الساعة ؟
ردت : أوه لا تكوني سخيفة ساعتك لها خمس أضعاف قيمة هذا المعطف ... ومع ذلك لن أقبل المقايضة ، فهذا المعطف هو الوحيد الذي أشعر فيه بالدفء ، لأنه هدية ثمينة من حبيب ، ذلك الحبيب الذي رحل وتركني بعد أن تعودت على وجوده لخمسة عشر سنة في حياتي .
سألتها : هل هو الذي تزورينه يوميا في المقبرة ..
استغربت وسألت : وكيف عرفت بزيارتي اليومية ؟
قلت : القبر على الشارع المقابل الذي يمر به القطار ويتوقف عند المحطة ، وكثيرا ما لمحتك هناك .. لابد أنك كنت تحبينه كثيراً .
أجابت : نعم ، كنت أعيش معه أسعد لحظات حياتي ، وزاد تعلقي به حينما عرفت أنه مصاب بالسرطان ، وقضينا وقتنا كله نستغل ما تبقى لنا برفقة بعضنا ، رافقته في جلسات العلاج ، نمت معه بنفس سرير المرض أحتضنه و أنا أبكي ، حينما تساقط شعره ، حلقت رأسي بالكامل تعاونا معه وحتى يحس أني أشاركه تطورات مرضه وألمه .. وبالرغم من ذاك كله استيقظت ذات يوم لأجده قد رحل بهدوء ، كما دخل حياتي بهدوء .
قلت لها : آسفة كثيرا على مرورك بتلك المأساة ،، وآسف على رحيل زوجك !!
أذكر أن شعوري كان محايداً ، لا أدري لِم لم أصدق قصتها ؟ ولم أنفعل للمأساة التي كانت تحكيها ؟؟ استغرب شعوري الآن ، لعلني كنت أحسها تهذي بسبب المسكر ، ولم أعط كلامها اهتمام ؟
أجابت : لم يكن زوجي ، ليست كل قصة حب تنتهي بالزواج ، ولم نكن نحتاج مباركة السماء ، لنخلص لبعضنا أكثر من المتزوجين بسبب ورقة - استغفر الله العلي العظيم - .
نظرت إليها ولم أجب بأي كلمة فقد أحسست بالقرف من تلك السكرانة ، وبدأت أنظر حولي ، وكأني استعجل القطار بالقدوم ليريحني من ثرثرتها ، وقلت بنفسي ( وش ورطنا معها ؟ ) .
استرسلت قائلة : هل تعلمين أحيانا أحس أن قصة حبنا وكأنها وليدة خيالي لشدة روعتها .. لقاءنا الأول كان رومانسياً بدا فيه كالمنقذ الذي يهب لحماية فتاة جميلة وإسعافها ،، فقد أنقذني من قارعة الطريق بعد أن تحطمت ساقي بسبب سائق ثمل سارع للفرار ،، وتركني ملقاة ليأتي ( ادوارد ) ويحملني على جناح السرعة إلى سيارته بعد أن تلمس بخبرة الممرض عظامي ولم يجد كسوراً إلا في ساقي ،، ولبثنا هناك لفترة ننتظر قدوم سيارة الإسعاف ، واضطر لخلع معطفه والبقاء بالبرد القارص ليدفئني فيه .
بعدها ارتبطنا ببعض فقد تحول اهتمامه بعد أن كان يزورني بالمستشفى إلى عشق، وأنا كنت قد عشقته منذ اللحظة الأولى ..
سألتها: هل كان موقفه البطولي الشهم دافع لعشقك إياه .
ردت : كان كذلك في أول الأمر ، ولكن سرعان مانمى حبنا ولم نعد قادرين على إخفائه عن أحد ، وتحدينا الظروف وكنا معاً حتى آخر حياته .
قلت لها : لا افهم سبب عزوفكم عن الزواج مادمتم وثقتم ببعضكم لآخر عمره ؟
ردت : كان متزوجاً يا صغيرتي ، والكنيسة الكاثيولكية تحرم الطلاق .
ردها جعلني أشعر بالصدمة ، فنظرت لها ، وسألتها : وهل عشت معه بعد ذلك بلا زواج ؟
قالت : نعم هجر زوجته ، وعشت معه .
سألتها : ألم تشعري بتأنيب الضمير تجاه زوجته ؟
قالت : لا فقد كان زواجهما منتهياً قبل دخولي ، ولست أنا من دمره . وكانت تعيش حياتها محاطة بالمعجبين ، أما هو فبقي وفياً لها من أجل أبنائهم ، وحينما وقع بالحب معي ترك كل شيء ، وصحح وضعه الخاطئ ..
حقيقة لم أستطع تحديد الوضع الخاطئ في حالتها ، فكلاهما ضحية ظروف ، وأحكام كنسية غير منطقية .
هل أطالب الزوج بالوفاء لخائنة ؟
وهل يلام إذا انغمس بالخيانة مع من أحب ؟
ولكن استغربت بشدة من تعلقها بحبيبها ، هي من النساء التي تحيرني في تخليها عن الكثير من أجل الرجل الذي تعشق ، تخيلتها بدون شعر وقت أن كان مريضا ، وتساءلت هل من المعقول أن تكون صادقة ؟
هل تصل درجة الهيام إلى الرغبة في المشاركة حتى في الألم والقبح ؟
هل توصلني رغبتي في إثبات حبي إلى التخلي عن الأخلاق ؟
أم أنها تعاني من شيء أحبت في تعلقها بهذا الرجل وكفاحها من أجله أن تهرب منه ؟؟
تصرفها ليس طبيعياً بمقياسي أبداً ، إذ ليس شرطا أن أشوِّه نفسي أو أهينها، لأدلل على حبي .
قلت لها: وفاءك له رائع، منذ متى وأنت مداومة على زيارة القبر ؟
أجابت: منذ عشر سنوات.. ولا أحس بالراحة إلا عندما أكون معه..
سألتها : ألم تنجبا ؟
ردت : لا كان يرفض الفكرة خوفا من إيذاء أبنائه .
فكرت بنفسي : سبحان الله يظل الرجل أنانيا في حبه حتى الأخير ، أخذت أفكر بتضحياتها لرجل حرمها حتى من حقها الطبيعي أن تكون أماً ، ليس لسبب أخلاقي ، ولكن لسبب أناني ( غضب أبنائه ) .
لماذا تأتي المرأة دائما في المرتبة الثانية بعد رغبات الرجل ؟ غالبا ما أحزن لحال المرأة ضحية عاطفتها ، ولكن بمثل حالتها تردد في ذهني مثل ( يداك أوكتا وفوك نفخ ) .
لعل قناعتها أسعدتها وقت أن كان معها ، ولكن المحصلة النهائية أنه تركها في الأخير لا يصحبها سوى الكأس ، والأخصائيين النفسيين .
:icon26:تحياتي .:icon26: