اولا
شكر وتقدير و اعتذار على التأخير مقدم لعزيزتي
وريقات خريفية
والله تأخرت لأنني انتظر قدوم والدتي لأخذ منها الصور ..
للأسف لم أجد صورا لتلك الليلة ..لكني وجدت ما يخص تلك السنة..
عفوا لا احلل ابدا نقل الصورالموقعة بأسمي ..او الموضوع,,
وددت لو كل ليالي عمري ليلة ختمه القران سنة 1427
هذه الليلة مميزة وعزيزة على أنفسنا ..
أكساها والدي ووالدتي بطابع خاص.. طابع جعلها تتميز بجانب تميزها الإسلامي ..
تميز اسري .. رائع ..
افتقد اللحظات المبجلة لدي هذه السنة لعدم تواجد بعض إخوتي .. بعضهم متغيب إما لدراسة أو لعمل.. و أنا أيضا أرى نفسي الحاضرة الغائبة..
طقوسنا وعاداتنا في رمضان خفيفة و قريبة لقولبنا
روتين يومي محبب إلينا ..
بعد إفطارنا الأول .. التمر والماء بجانب القهوة و السويق (( الدخن))
يذهب والدي وإخواني إلى المسجد لأداء صلاة المغرب
يقف والدي عند باب المنزل ..و ينادي النداء الأخير_ قبل ذهابه إلى المسجد بسيارته و في بعض الأحيان مشيا على الأقدام ..( المشي بجانب والدي رحلة مليئة بالسعادة و القرب من الله )_
"يا.. ولد أنا ماشي .. وماني منتظر احد .. اقعدوا.. ويااااااويلكم اذا جيت أشوف احدن ما صلى جماعة في المسجد"
عند انتهائه من هذا الخطاب القوي ..
نسمع جميع أنواع الجري والهرولة والسقوط في محاولة اللحاق بوالدي ..
بعد عودتهم يبدأ الفطور الخفيف ..شوربة , شريك المدينة , سمبوسة ... وبعض فنون والدتي أو إبداعاتي المطبخية..
هذه الابداعات التي ينظر إليها والدي بعين واحدة ويقول :
"وشو ذا .. وشو مكوناته .. بنات اليومين ماشاء الله شاطرات باللخابيط سلامة النعمة ..
تعرفين ياوليدي تسوين مطازيز او حنيني او تطبخين ذبيحة ها ......... ..
بس والله زين ممتاز .. جزاك الله خير ..سلمت يدينك"
صلاة العشاء و التراويح .. يصليها والدي وإخواني في المسجد الوحيد القريب من منزلنا العامر..
بعد صلاة العشاء البس عباءتي و أتوجه لنفس المسجد لأداء صلاة التراويح ..بينما والدتي تفضل أن تصليها في المنزل ..
عند انتهاء صلاة التروايح أسرع من الخطى لأسبقهم ..و.. انتظرهم ..
انتظر دخولهم و عبورهم من الباب ..
رجلا تلو الأخر .. ماشاء الله تبارك الله ..
في هذا اعلان لفترة العشاء و الجلسة العائلية .. جلسة مرحة .. مدعمة بقصص وثائقية و نصائح .. يتخللها مزح و تذكر لمواقف كوميديا قديمة..
" تذكر يا فايز يا اخونا الكبيــــــــــــــــر "
عبدالله يتحدث و يوجه عين واحدة اليه ..
" تذكر يوم اننا روحنا يم ديار ..... ها؟؟ تذكر والا ماشاء الله انمسحت .. ها؟"
يرد الفايز بعصبية:
" اش تبي انت .. اش تبي .. اش عندك .. والله ان ما سكت ابسكتك بالقوة ..
حسبي الله علي ابليسك.. يا قو شيطانك .. يا ولد لسانك ماو قف ..
الله اكبر عليك.. يبه يمه سكتوه .. والله مادري شا اسوي فيه..؟؟"
" هذا في سنة من السنين " و تبدأ قصة والدي التي يختمها بنصيحة " انتبه يا وليدي من ........"
تمر الساعات المسائية .. .يتخللها بعض الأعمال التي تخص كل فرد .. ربما ذهب لإتمامها أو اجلها الى عصر اليوم التالي..
نجتمع مرة اخرى على سحورنا البسيط ..على سفرة بلاستيكية بسيطة يتوسطها طبق من الأرز و واللبن ..
العشر الأواخر هذه الأعمال تلغى .. ونجتمع سويا ..مرة أخرى في صلاة التهجد .. وبعدها السحور..
بين هاذين الوقتين وبالتحديد في ليله ختمة القران التي يصمم والدنا على ان نختمها في الحرم النبوي الشريف .. تكمن أجمل ذكرى
سنة 1427 هـ
قبل صلاة العشاء توجهنا للحرم..
بشر وسيارات و بشر في كل مكان .. بداية من طريق السلام الى طريق العنبرية مرورا بطريق الملك عبدالعزيز ..
في كل مكان و كل لفتة ترى جموع المسلمين ..
.. قدومنا قبل صلاة العشاء يعتبر متأخرا .. إذا أردنا دخول المسجد النبوي الشريف يتوجب علينا تناول الإفطار الأول فقط والذهاب بعد صلاة المغرب .. جميعنا نذهب لأداء صلاة الختمه بلا استثناء
تلك السنة.. تغيب والدي لظرف يخص عمي ..
" الله معاكم .. ابروح اشوف عمكم واذا خلصت ابلحقكم .. ادعوا الليلة بالصلاح والفلاح و الرضا .. الله يوفقكم"
قالها والدي وهو على نفس باب النداء الأخير.. هذه المرة سنذهب بدونه .. سنذهب وهو ينظر إلينا .. وعيناه تتحدث
" ليتني معكم"
ذهبنا بسيارة أخي فايز .. وقلبي يعتصر والدي ليس بصحبتنا ..
أوقف أخي السيارة في المواقف الخارجية ..
بدأت صلاة التروايح ..
إخواني ينصرفون بقيادة أخي فايز .. يهرول و يجري للحرم ..يتبعه الباقين ..
انا ووالدتي بسجادتنا نحاول العبور و الدخول للحرم..
فايز يتصل على جوال والدتنا " موعدنا في المكان الفلاني" ..يغلق الخط .. ويجري ..
عينا على أرجل إخواني الصغار التي تلاحقه وتختفي بين جموع الرجال وعين على والدتي حبيبة قلبي ..
من صف إلى صف ..
وبين النساء الفاضلات ..إلى ان نجد لنا موقع صلاة في الساحة الخارجية
الله اكبر
ركعة تليها ركعة ..
بدأ العد التنازلي للسور القران ..
العصر
الهمزة
الفيل
قريش
إلى أن يختم بسورة النــــــــــــاس ويبدأ بعدها الدعاء ..
اللهم إنك قلت وقولك الحق المبين، وأنت أصدق القائلين: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً
سبحان من لا ينغبي التسبيح الا له
.
.
سبحانك ربنا ما احلمك
.
.
سبحانك ماعبدناك حق عبادتك
.
.
للهم لك الحمد كله ..
.
.
اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك،
أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا،
امييييييييين
ونور صدورنا،
اميييييين
وذهاب أحزاننا،
اميييييييييين
وجلاء همومنا وغمومنا،
امييييييين
صدقا ...
لم استطع في مرة حضرت فيها للختمه أن أتمالك دموعي ..لأنها تعني لي نهاية شهر رمضان ..
في تلك السنة كان الجو نوعا ما سيء ..و مزدحم ..
دعا الشيخ الحذيفي ..
اللهم اعتق رقابنا من النـــــــــــار
اللهم حرم بشرتنا على النــــــــــــار
وبكى
وبكينا بعده ..
وصل الينا صوت احد الرجال الذين يقفون خلفه يبكي.. بشده .. زادنا بكاء..
ظل شيخنا يحاول ان يكمل الدعاء لم يستطع ..بكيت بشده ..بكيت كطفلة..
طفلة مكتوم صوتها داخل قلبها الغض ..
دموعها على رموش عيناها تحاول ان تجري على خدها بأمان ..
دون استنكار ممن يراها ..
ودون استكبار من قلبها ..
امتلئت يداي بالدموع..
كنت اشعر بالامان وانا ابكي .. لا يراني سوى ربي ..
لا يراني سوى خالق هذا القلب .. والعالم بأمر هذه الدموع ..
كانت أمامي أم ..حولها أبنائها الأربعة أصغرهم في عربته_ ماشاء الله _ يلعبون بهدوء بجانب والدتهم ..
فجأة توقف لعبهم و أصبحوا ينظرون إلى والدتهم و ينادوا" ماما اش فيه .. ليه تبكي ؟؟"
بكت بقوة.. بكت بصوت عال..
ابنها الكبير عمره ست سنوات تسمر أمامها و أبنائها الصغار يحتضنوها..
بجانبي ..سيدة تركية كبيرة في السن على كرسيها تبكي بألم ..
والدتي غطت وجهها بكفيها اللينة الصغيرة .. لم تكن تبكي.. كانت تشهق من البكاء..
و خلفي لم اسمع سوى امين .. امين تجبرك على البكاء ..
لم نستطع ان نركز من البكاء ..
توقف شيخنا عن الدعاء بسبب بكائه و بكائنا .. كان يحاول ان يكمل الدعاء لم يستطع ..
سبحان الله الكريم الحنان المنان..
لحظتها مر علينا نسيم هواء بارد و لطيف ..
نسيم يُهدأ النفوس و يريحها ..
اشعر اننا بعدها استطعنا ان نتنفس ونرى ما حولنا ..و نركز في كلمات دعائنا ..
لقد أعمانا البكاء ..
أكمل شيخنا دعاؤه ..
وختمنا مصحفنا ..
اللهم تقبل منا ..
اميــــــــــــــــــــــن
ما أجملها من ليله .. لا استطيع أن أصفها .. هل هي روحانية فقط ؟؟ لا أنها أكثر من ذلك ..
اعتبرها ليلة تتلاقى فيها نفوسنا .. ونناجي فيها خالقنا و وحبيبنا ...
ليله أحب ان استشعر فيها نزول الملائكة الكرام الى دنيتنا..
ليلة احاول كل سنة ان أحفظ لحظاتها .. اصورها ... أبروزها ..
أعلقها على جدار ذاكرتي بجانب البراويز السابقة.. لأعود لها كل سنة..
واستمتع بمشاهدة معرض روحاني براويزه فخمة .. جدرانه معتقة بالتقوى ..
و أسقفه موصولة للسماء
خرجنا من المسجد و توجهنا الى المكان المتفق عليه..
فايز يحمل كأسا من الزمزم البارد لوالدتي و في بيده الاخرى كاسا لي..
اللهم حرم يديه الكريمتان عن النار,, امين
تناقصت زحمة الحرم لكن الشوارع مازالت تزحف سيارتها ..
توجهنا لسيارتنا ..
أتعمد دائما ان امشي خلفهم لأرى منظرهم .. والدتي في المنتصف يتوزع حولها رجال هم مصدر فخر لي .. احمد الله واشكر على هذه النعمة..
المفاجـــــــأة
وجدنا سيارة والدي تقف بجانب سيارة أخي..
لم يكن هناك أي موقف لحظة وصولنا..
سبحان الله .. سبحان من قسم لنا و لوالدي ان نحظر هذة الليلة سويا..
اين والدي .. اتصل يا فايز ..واسأل اين والدك؟؟
هذا والدي يسرع في الخطى .. اعتقد انه يريد ان يجمع لحظات السعادة و يقدمها لنا ..
"هيا بسرعة" .. ركبنا سيارة والدي ..
هنا في سيارة والدي يحلو لنا الزحام ..
في الأمام يقود الفايز وبجانبه والدي .. انا ووالدتي ثاني صف .. بجانبنا اثنان .. والباقي في الخلف..
كانني اسمع صوت ضحك إخواني في الخلف ..و تعليقاتهم ..
" انقز الرصيف .. روح مننا .. روح محد وراك " هكذا يوجه والدي فايز
خرجنا من الحرم الساعة 11 توجهنا لمطعم والدي المفضل جميع الموظفين يعرفون والدي و يضيفونا على أكبر طاولة ..
هذا تقليد يتم كل سنة .. جميعنا نجتمع .. بعد صلاة ختمه القران..
اضفنا اليها وجود والدي الذي كان سيتغيب .. و احتفالا بسيطا واحتفاء بعبدالله ..
تلك الليلة .. من التعب .. تمدد عبدالله على الطاولة .. (( عبدالله قدم من سفره منذ يوم واحد فقط))
امسكه فايز
" تعال وينك عني خذ بوكس هذا على الكلام اللي قلته .. وهذا بعد .. ياعيال اللي له حق من المهندس ياخذه الان " .. بالتأكيد تمتعوا بقرص كل جهة في جسده
"ولد " هذه الكلمة من و الدي تكفي لإبعادهم عنه..
حضر الطعام .. وبدأت مواقف الكوميديا بين رجالنا..
" طيب ياللي ياكل بالملعقة .. شف الرجال تأكل بالخمس .. وانتا ياماما اديني ملقعة .. ولد خلك رجال "
لا اذكر سوى ضحكي عليهم .. اسعدهم الله ووفقهم..
ماهي الا دقائق حتى نسمع نداء صلاه التهجد نسارع مرة اخرى للحرم ..
الاحظ دائما ان صلاة التهجد في ليلة ختمة القران تكون دافئة هادئة .. قريبة للقلب..
تنتهي صلاة التهجد .. نعود لمنازلنا .. نجتمع و نتسحر ..و ننتظر صلاة الفجر..
وتبدا الحكايات و النقاشات ..
اه
هل تشعرون بهذه الكلمة من القلب ..
هل تستمعون لقائمة أمنياتي..
أتمنى أن لا تشرق الشمس ويظل العمر كله محصور في هذه الذكرى الحنونة ..
أتمنى أن تعاد على كل لحظة الف مرة والله لن اشعر بالملل ..
أتمنى أن نعاود ذكر كل كلمة قيلت في احاديثنا ..
أتمنى أن تعود الليالي لتجمعنا مرة أخرى وتجمعني بهم ..
أتمنى أن أكون أما تنجح في غرس الدين الصحيح في نفوس أبناءها .. و زوجي يجري بأبنائنا الى الحرم
و أبنائي يستمتعون في ذهابهم و عودتهم للمسجد
أتمنى أن أرى ابنتي تشعر بمثل ما اشعر من سعادة دون ان تختلط سعادتها بأي حزن على فراق هذه الذكرى ..
أتمنى أن أرى أبنائي يتفوقوا و يوظفوا و نحتفل و نبارك لهم بهدوء
أتمنى أن يتقبل خالقنا قيامنا وصيامنا في كل ليلة من ليالي رمضان .. وأإن يعفو عنا و يتجاوز أخطانا ..
أتمنى أن أرى والدي و والدتي و وزوجي وإخواني وأبنائي في الجنة .. نذكر هذه اللحظات السعيدة..
.تتوالي الأمنيات ....
تتوالى اللحظات و تمر سنة بعد سنة ..
اعتبر ليلة 29 من رمضان..
هي ميناء لنا تقف عنده سفن أعمارنا ..
العمر هو سفينتنا..
كل السفن توقفت وعبرت الى ميناء سنه 1428
ثم 1429
وهذه سنة 1430
..سفينتي مازالت تزور ميناء 1427 و تعود إليه من فترة لأخرى..
ميناء ليلة 29 ...سنة 1427...بكل تفاصيله..
تتوقف هذه الفلسفة
تنتهي قائمة الأماني
على نداء صلاه الفجر ..
ونداء والدي الأخير قبل ذهابه للصلاة..
و صوت اقدام اخواني..و محاولتهم للحاق بوالدي..
أعود وابتسم و امسح دمع عيناي ..
و انتظر السنة المقبلة بحول الله لأرسم لوحة أخرى ..
وابني ميناء جديدا ..
و أعيش لحظة أخرى .. جميلة براقة .. مرصعة بسعادة عائلتي ..
و أصوات والدي وجري إخواني خلفه.. و صوت زوجي مع ابنانا..
شكر وتقدير و اعتذار على التأخير مقدم لعزيزتي
وريقات خريفية
والله تأخرت لأنني انتظر قدوم والدتي لأخذ منها الصور ..
للأسف لم أجد صورا لتلك الليلة ..لكني وجدت ما يخص تلك السنة..
عفوا لا احلل ابدا نقل الصورالموقعة بأسمي ..او الموضوع,,
وددت لو كل ليالي عمري ليلة ختمه القران سنة 1427
هذه الليلة مميزة وعزيزة على أنفسنا ..
أكساها والدي ووالدتي بطابع خاص.. طابع جعلها تتميز بجانب تميزها الإسلامي ..
تميز اسري .. رائع ..
افتقد اللحظات المبجلة لدي هذه السنة لعدم تواجد بعض إخوتي .. بعضهم متغيب إما لدراسة أو لعمل.. و أنا أيضا أرى نفسي الحاضرة الغائبة..
طقوسنا وعاداتنا في رمضان خفيفة و قريبة لقولبنا
روتين يومي محبب إلينا ..
بعد إفطارنا الأول .. التمر والماء بجانب القهوة و السويق (( الدخن))
يذهب والدي وإخواني إلى المسجد لأداء صلاة المغرب
يقف والدي عند باب المنزل ..و ينادي النداء الأخير_ قبل ذهابه إلى المسجد بسيارته و في بعض الأحيان مشيا على الأقدام ..( المشي بجانب والدي رحلة مليئة بالسعادة و القرب من الله )_
"يا.. ولد أنا ماشي .. وماني منتظر احد .. اقعدوا.. ويااااااويلكم اذا جيت أشوف احدن ما صلى جماعة في المسجد"
عند انتهائه من هذا الخطاب القوي ..
نسمع جميع أنواع الجري والهرولة والسقوط في محاولة اللحاق بوالدي ..
بعد عودتهم يبدأ الفطور الخفيف ..شوربة , شريك المدينة , سمبوسة ... وبعض فنون والدتي أو إبداعاتي المطبخية..
هذه الابداعات التي ينظر إليها والدي بعين واحدة ويقول :
"وشو ذا .. وشو مكوناته .. بنات اليومين ماشاء الله شاطرات باللخابيط سلامة النعمة ..
تعرفين ياوليدي تسوين مطازيز او حنيني او تطبخين ذبيحة ها ......... ..
بس والله زين ممتاز .. جزاك الله خير ..سلمت يدينك"
صلاة العشاء و التراويح .. يصليها والدي وإخواني في المسجد الوحيد القريب من منزلنا العامر..
بعد صلاة العشاء البس عباءتي و أتوجه لنفس المسجد لأداء صلاة التراويح ..بينما والدتي تفضل أن تصليها في المنزل ..
عند انتهاء صلاة التروايح أسرع من الخطى لأسبقهم ..و.. انتظرهم ..
انتظر دخولهم و عبورهم من الباب ..
رجلا تلو الأخر .. ماشاء الله تبارك الله ..
في هذا اعلان لفترة العشاء و الجلسة العائلية .. جلسة مرحة .. مدعمة بقصص وثائقية و نصائح .. يتخللها مزح و تذكر لمواقف كوميديا قديمة..
" تذكر يا فايز يا اخونا الكبيــــــــــــــــر "
عبدالله يتحدث و يوجه عين واحدة اليه ..
" تذكر يوم اننا روحنا يم ديار ..... ها؟؟ تذكر والا ماشاء الله انمسحت .. ها؟"
يرد الفايز بعصبية:
" اش تبي انت .. اش تبي .. اش عندك .. والله ان ما سكت ابسكتك بالقوة ..
حسبي الله علي ابليسك.. يا قو شيطانك .. يا ولد لسانك ماو قف ..
الله اكبر عليك.. يبه يمه سكتوه .. والله مادري شا اسوي فيه..؟؟"
" هذا في سنة من السنين " و تبدأ قصة والدي التي يختمها بنصيحة " انتبه يا وليدي من ........"
تمر الساعات المسائية .. .يتخللها بعض الأعمال التي تخص كل فرد .. ربما ذهب لإتمامها أو اجلها الى عصر اليوم التالي..
نجتمع مرة اخرى على سحورنا البسيط ..على سفرة بلاستيكية بسيطة يتوسطها طبق من الأرز و واللبن ..
العشر الأواخر هذه الأعمال تلغى .. ونجتمع سويا ..مرة أخرى في صلاة التهجد .. وبعدها السحور..
بين هاذين الوقتين وبالتحديد في ليله ختمة القران التي يصمم والدنا على ان نختمها في الحرم النبوي الشريف .. تكمن أجمل ذكرى
سنة 1427 هـ
قبل صلاة العشاء توجهنا للحرم..
بشر وسيارات و بشر في كل مكان .. بداية من طريق السلام الى طريق العنبرية مرورا بطريق الملك عبدالعزيز ..
في كل مكان و كل لفتة ترى جموع المسلمين ..
.. قدومنا قبل صلاة العشاء يعتبر متأخرا .. إذا أردنا دخول المسجد النبوي الشريف يتوجب علينا تناول الإفطار الأول فقط والذهاب بعد صلاة المغرب .. جميعنا نذهب لأداء صلاة الختمه بلا استثناء
تلك السنة.. تغيب والدي لظرف يخص عمي ..
" الله معاكم .. ابروح اشوف عمكم واذا خلصت ابلحقكم .. ادعوا الليلة بالصلاح والفلاح و الرضا .. الله يوفقكم"
قالها والدي وهو على نفس باب النداء الأخير.. هذه المرة سنذهب بدونه .. سنذهب وهو ينظر إلينا .. وعيناه تتحدث
" ليتني معكم"
ذهبنا بسيارة أخي فايز .. وقلبي يعتصر والدي ليس بصحبتنا ..
أوقف أخي السيارة في المواقف الخارجية ..
بدأت صلاة التروايح ..
إخواني ينصرفون بقيادة أخي فايز .. يهرول و يجري للحرم ..يتبعه الباقين ..
انا ووالدتي بسجادتنا نحاول العبور و الدخول للحرم..
فايز يتصل على جوال والدتنا " موعدنا في المكان الفلاني" ..يغلق الخط .. ويجري ..
عينا على أرجل إخواني الصغار التي تلاحقه وتختفي بين جموع الرجال وعين على والدتي حبيبة قلبي ..
من صف إلى صف ..
وبين النساء الفاضلات ..إلى ان نجد لنا موقع صلاة في الساحة الخارجية
الله اكبر
ركعة تليها ركعة ..
بدأ العد التنازلي للسور القران ..
العصر
الهمزة
الفيل
قريش
إلى أن يختم بسورة النــــــــــــاس ويبدأ بعدها الدعاء ..
اللهم إنك قلت وقولك الحق المبين، وأنت أصدق القائلين: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً
سبحان من لا ينغبي التسبيح الا له
.
.
سبحانك ربنا ما احلمك
.
.
سبحانك ماعبدناك حق عبادتك
.
.
للهم لك الحمد كله ..
.
.
اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك،
أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا،
امييييييييين
ونور صدورنا،
اميييييين
وذهاب أحزاننا،
اميييييييييين
وجلاء همومنا وغمومنا،
امييييييين
صدقا ...
لم استطع في مرة حضرت فيها للختمه أن أتمالك دموعي ..لأنها تعني لي نهاية شهر رمضان ..
في تلك السنة كان الجو نوعا ما سيء ..و مزدحم ..
دعا الشيخ الحذيفي ..
اللهم اعتق رقابنا من النـــــــــــار
اللهم حرم بشرتنا على النــــــــــــار
وبكى
وبكينا بعده ..
وصل الينا صوت احد الرجال الذين يقفون خلفه يبكي.. بشده .. زادنا بكاء..
ظل شيخنا يحاول ان يكمل الدعاء لم يستطع ..بكيت بشده ..بكيت كطفلة..
طفلة مكتوم صوتها داخل قلبها الغض ..
دموعها على رموش عيناها تحاول ان تجري على خدها بأمان ..
دون استنكار ممن يراها ..
ودون استكبار من قلبها ..
امتلئت يداي بالدموع..
كنت اشعر بالامان وانا ابكي .. لا يراني سوى ربي ..
لا يراني سوى خالق هذا القلب .. والعالم بأمر هذه الدموع ..
كانت أمامي أم ..حولها أبنائها الأربعة أصغرهم في عربته_ ماشاء الله _ يلعبون بهدوء بجانب والدتهم ..
فجأة توقف لعبهم و أصبحوا ينظرون إلى والدتهم و ينادوا" ماما اش فيه .. ليه تبكي ؟؟"
بكت بقوة.. بكت بصوت عال..
ابنها الكبير عمره ست سنوات تسمر أمامها و أبنائها الصغار يحتضنوها..
بجانبي ..سيدة تركية كبيرة في السن على كرسيها تبكي بألم ..
والدتي غطت وجهها بكفيها اللينة الصغيرة .. لم تكن تبكي.. كانت تشهق من البكاء..
و خلفي لم اسمع سوى امين .. امين تجبرك على البكاء ..
لم نستطع ان نركز من البكاء ..
توقف شيخنا عن الدعاء بسبب بكائه و بكائنا .. كان يحاول ان يكمل الدعاء لم يستطع ..
سبحان الله الكريم الحنان المنان..
لحظتها مر علينا نسيم هواء بارد و لطيف ..
نسيم يُهدأ النفوس و يريحها ..
اشعر اننا بعدها استطعنا ان نتنفس ونرى ما حولنا ..و نركز في كلمات دعائنا ..
لقد أعمانا البكاء ..
أكمل شيخنا دعاؤه ..
وختمنا مصحفنا ..
اللهم تقبل منا ..
اميــــــــــــــــــــــن
ما أجملها من ليله .. لا استطيع أن أصفها .. هل هي روحانية فقط ؟؟ لا أنها أكثر من ذلك ..
اعتبرها ليلة تتلاقى فيها نفوسنا .. ونناجي فيها خالقنا و وحبيبنا ...
ليله أحب ان استشعر فيها نزول الملائكة الكرام الى دنيتنا..
ليلة احاول كل سنة ان أحفظ لحظاتها .. اصورها ... أبروزها ..
أعلقها على جدار ذاكرتي بجانب البراويز السابقة.. لأعود لها كل سنة..
واستمتع بمشاهدة معرض روحاني براويزه فخمة .. جدرانه معتقة بالتقوى ..
و أسقفه موصولة للسماء
خرجنا من المسجد و توجهنا الى المكان المتفق عليه..
فايز يحمل كأسا من الزمزم البارد لوالدتي و في بيده الاخرى كاسا لي..
اللهم حرم يديه الكريمتان عن النار,, امين
تناقصت زحمة الحرم لكن الشوارع مازالت تزحف سيارتها ..
توجهنا لسيارتنا ..
أتعمد دائما ان امشي خلفهم لأرى منظرهم .. والدتي في المنتصف يتوزع حولها رجال هم مصدر فخر لي .. احمد الله واشكر على هذه النعمة..
المفاجـــــــأة
وجدنا سيارة والدي تقف بجانب سيارة أخي..
لم يكن هناك أي موقف لحظة وصولنا..
سبحان الله .. سبحان من قسم لنا و لوالدي ان نحظر هذة الليلة سويا..
اين والدي .. اتصل يا فايز ..واسأل اين والدك؟؟
هذا والدي يسرع في الخطى .. اعتقد انه يريد ان يجمع لحظات السعادة و يقدمها لنا ..
"هيا بسرعة" .. ركبنا سيارة والدي ..
هنا في سيارة والدي يحلو لنا الزحام ..
في الأمام يقود الفايز وبجانبه والدي .. انا ووالدتي ثاني صف .. بجانبنا اثنان .. والباقي في الخلف..
كانني اسمع صوت ضحك إخواني في الخلف ..و تعليقاتهم ..
" انقز الرصيف .. روح مننا .. روح محد وراك " هكذا يوجه والدي فايز
خرجنا من الحرم الساعة 11 توجهنا لمطعم والدي المفضل جميع الموظفين يعرفون والدي و يضيفونا على أكبر طاولة ..
هذا تقليد يتم كل سنة .. جميعنا نجتمع .. بعد صلاة ختمه القران..
اضفنا اليها وجود والدي الذي كان سيتغيب .. و احتفالا بسيطا واحتفاء بعبدالله ..
تلك الليلة .. من التعب .. تمدد عبدالله على الطاولة .. (( عبدالله قدم من سفره منذ يوم واحد فقط))
امسكه فايز
" تعال وينك عني خذ بوكس هذا على الكلام اللي قلته .. وهذا بعد .. ياعيال اللي له حق من المهندس ياخذه الان " .. بالتأكيد تمتعوا بقرص كل جهة في جسده
"ولد " هذه الكلمة من و الدي تكفي لإبعادهم عنه..
حضر الطعام .. وبدأت مواقف الكوميديا بين رجالنا..
" طيب ياللي ياكل بالملعقة .. شف الرجال تأكل بالخمس .. وانتا ياماما اديني ملقعة .. ولد خلك رجال "
لا اذكر سوى ضحكي عليهم .. اسعدهم الله ووفقهم..
ماهي الا دقائق حتى نسمع نداء صلاه التهجد نسارع مرة اخرى للحرم ..
الاحظ دائما ان صلاة التهجد في ليلة ختمة القران تكون دافئة هادئة .. قريبة للقلب..
تنتهي صلاة التهجد .. نعود لمنازلنا .. نجتمع و نتسحر ..و ننتظر صلاة الفجر..
وتبدا الحكايات و النقاشات ..
اه
هل تشعرون بهذه الكلمة من القلب ..
هل تستمعون لقائمة أمنياتي..
أتمنى أن لا تشرق الشمس ويظل العمر كله محصور في هذه الذكرى الحنونة ..
أتمنى أن تعاد على كل لحظة الف مرة والله لن اشعر بالملل ..
أتمنى أن نعاود ذكر كل كلمة قيلت في احاديثنا ..
أتمنى أن تعود الليالي لتجمعنا مرة أخرى وتجمعني بهم ..
أتمنى أن أكون أما تنجح في غرس الدين الصحيح في نفوس أبناءها .. و زوجي يجري بأبنائنا الى الحرم
و أبنائي يستمتعون في ذهابهم و عودتهم للمسجد
أتمنى أن أرى ابنتي تشعر بمثل ما اشعر من سعادة دون ان تختلط سعادتها بأي حزن على فراق هذه الذكرى ..
أتمنى أن أرى أبنائي يتفوقوا و يوظفوا و نحتفل و نبارك لهم بهدوء
أتمنى أن يتقبل خالقنا قيامنا وصيامنا في كل ليلة من ليالي رمضان .. وأإن يعفو عنا و يتجاوز أخطانا ..
أتمنى أن أرى والدي و والدتي و وزوجي وإخواني وأبنائي في الجنة .. نذكر هذه اللحظات السعيدة..
.تتوالي الأمنيات ....
تتوالى اللحظات و تمر سنة بعد سنة ..
اعتبر ليلة 29 من رمضان..
هي ميناء لنا تقف عنده سفن أعمارنا ..
العمر هو سفينتنا..
كل السفن توقفت وعبرت الى ميناء سنه 1428
ثم 1429
وهذه سنة 1430
..سفينتي مازالت تزور ميناء 1427 و تعود إليه من فترة لأخرى..
ميناء ليلة 29 ...سنة 1427...بكل تفاصيله..
تتوقف هذه الفلسفة
تنتهي قائمة الأماني
على نداء صلاه الفجر ..
ونداء والدي الأخير قبل ذهابه للصلاة..
و صوت اقدام اخواني..و محاولتهم للحاق بوالدي..
أعود وابتسم و امسح دمع عيناي ..
و انتظر السنة المقبلة بحول الله لأرسم لوحة أخرى ..
وابني ميناء جديدا ..
و أعيش لحظة أخرى .. جميلة براقة .. مرصعة بسعادة عائلتي ..
و أصوات والدي وجري إخواني خلفه.. و صوت زوجي مع ابنانا..
