في ذلك اليوم ... لبست فستاني الأبيض المطرز بالخيوط الذهبية و المتكون من قطعتين ... لم أعلم أنني سأبدو بهذا الجمال ... صرت ألتفت يميناً و يساراً أمام المرآة و الضحكة تملأ فاهي الصغير ... طرقات خفيفة على باب غرفتي قطع علي اندماجي مع الفستان ... انها أمي تريد الاطمئنان علي و مساعدتي في لمساتي الأخيرة ...
كنت أرى الدموع تترقرق في عيني أمي فلم أتمالك دموعي و ألقيت نفسي في حجرها الدافيء لتغمرني بحنانها ... فالتوتر يغلب علي و الخوف يحيط بي ... لم أستطيع أن أتكلم و لم تستطع هي أن تقول شيئا ... فعم الصمت المكان ... و كلتانا نعلم أن حياتي ستتغير و أنني لم أعد طفلتها المدللة ... أعطتني هذه اللحظات مع أمي بعض القوة و الجرأة و دفعتني لأقوم بهذه الخطوة ...
صرحت لأمي برغبتي برؤية أحمد قبل الحفل ... و طلبت منها أن تدخله الى غرفتي لنجلس معاً دقائق قليلة ... كفيلة بتهدئة خفقان قلبي الشديد ... و عندما أطل علي هوى نفسي و أمل المستقبل ... زادت الخفقات و سرت برودة شديدة و سريعة بكل أجزاء جسمي تمركزت بأطرافي ...
رأيته يقترب مني ... مد يده يدعوني للوقوف ... كنت أخشى أنني ان وقفت فلن تحملني قدماي الباردتان كالثلج ... اقترب مني و همس بأذني "أنتِ حقاً جميلة.." ... رسمت ابتسامة صغيرة و رفعت نظري اليه ... ثم تمالكت نفسي ووقفت أخيراً ... كنت أفكر ... "كيف سأمشي معه ؟؟!!" ... مد يده العريضة و أمسك يدي كأنه يريد أن يطمئنني و يبعد عني تفكيري المستمر بالسقوط ...
و هكذا مضى اللقاء الأول ... نظرات و ابتسامات مع أنني تمنيت منه أن يكلمني يسألني عن أحوالي على الأقل ... و لكن لا يهم فالحياة أمامنا طويلة ... بالتأكيد سيزيد الحديث بيننا مع الأيام ... و أظن أنه كان متوتراً و متلعثماً مثلي تماماً ... لذلك فأنا أعذره ...
علمت من ليلتي الأولى مع أحمد أنه لم يكن شاباً عادياً بل كان حنوناً جداً... و عندما لمس خجلي و حيائي لم يحاول معي بالرغم من أنني رغبت أن يحاول و لكنه راعى شعور هذه الصغيرة التي تزوجها ...
و بعد أسبوع من زفافي استطاع أحمد أن يداعب المرأة الناضجة بداخلي و تقرب مني و كانت من أجمل أيام حياتي ...
و في صباح يوم جميل ...
-"أحمد .. لماذا اخترت أن تتزوجني ...؟"
رد ضاحكاً : "لماذا لا أتزوجكِ ؟؟ ما العيب فيكِ؟؟"
ابتسمت له رغم استغرابي من هذا الرد و أكملت :"أقصد لماذا أنا بالذات؟ ... و يوجد فتيات أخريات في العائلة؟"
-"لانك من نصيبي كما أظن .."
-"كنت أعتقد أن من يدرس في الخارج قد يتعلق قلبه بزميلة دراسة و يتزوجها ..."
صمت قليلاً ثم استطرد :"ليست كل النهايات واحدة ... و ليست جميع الأماني قد تتحقق ..."
-"ماذا ؟؟ و هل هناك أمنية لك لم تتحقق ؟؟؟"
ابتسم و أمسك يدي قبلها و قال : "أنا الآن أتمنى أن أنشىء معكِ عائلة صغيرة جميلة ... "
سحبت يدي من بين يديه بحزن لازمني لباقي اليوم ... حتى أتتني فكرة أراحت عقلي ... أنني أنا التي فزت بأحمد و غيري يتمنى ذلك و يالها من نعمة ... حمدت الله و شكرته و أبعدت عني الشك و الظنون ...
لم أر شاباً جذاباً كأحمد ... في عمله صارم و جاد و دقيق ... و بنفس الوقت حنون و طيب و يحب الخير ... في البيت يساعدني و يحمل عني من أعباء المنزل ... يداعبني في الصباح و المساء و يحتضنني بحب ... جعلني أهيم به عشقاً و حباً حتى أصبح هوائي الذي أتنفسه و عيني التي أرى الدنيا بها ... أما مشكلتي الكبيرة معه كانت الصمت و التهرب ... لم يستطع أحمد يوماً أن ينظر مباشرة في عيني و يصارحني بمشاعره نحوي ... كان يهرب من أصغر المواقف و أقلها وقعاً على النفس ... فكم من المرات أهملني و تجنب مناقشاتي حتى في غرفة النوم ... و بالرغم من ألمي من تصرفاته و اهماله ... كنت دائماً أعذره و أسامحه ... فحبي له هو سيد الموقف ... و لا أنكر صفاته الحسنة مقابل صفة سيئة ... هو زوجي و عشيري ... لن ألومه ... فقد يتغير بيوم من الأيام ...
حملت بعد أربعة أشهر ... و في فترة الحمل تمتعت بحنان زوجي حتى الثمالة ... و غرفت من حبه بقدر ما أستطيع أن أغرف ... لم أكن أعلم أن أيامي الجميلة مع أحمد ستصبح ذكريات و سأذرف عليها الدموع في يوم من أيامي المستقبلية... و مع تمام السنة الأولى من زواجي ... أنجبت بنتاً تشبه أباها الذي أصر أن يسميها "دانة" ... لا أدري من أين أتى بهذا الاسم و لكنه بجميع الأحوال أعجبني و أحببته كما أحببت صاحبته الصغيرة ... دانة دودو دندن كما صرت أناديها ... ابنتي الجميلة ... أحمدك ياربي أن أرسلت لي بنتاً أتأمل لها الصلاح ... و أرى فيها أختاً لي رغبت بها طوال سنين حياتي ... صرت أستيقظت في كل صباح أتفقد أطراف و أصابع ابنتي الصغيرة ... خفت عليها من كل شيء حتى من نفسي و من أبيها ... كنت أعد الدقائق لها و هي نائمة ... أنتظرها لتستيقظ و ترسم لي ابتسامتها العذبة ... فأرسل لها قبلة في الهواء لأني أخاف ان قبلت جبينها سأتسبب بأذيتها ... طفلتي الصغيرة ... تكفيني نظرات عيونها البراقة لتبعث بي الأمل و الحياة مع اشراقة شمس الصباح ...
و بعد أن بلغت دانة الأشهر الثلاث رزقني الله بالحمل للمرة الثانية ... لأنني أعرف رغبة أحمد بالولد... كما أنه وحيد أهله و الجميع يتمنى أن يرزقه الله بالذكور ... دعوت الله كثيراً أن يرزقني ذكراً و أن يكون صحيحاً كاملاً معافى ... و استجاب الله دعائي فبعد سبعة أشهر من الحمل و عملية قيصرية ... رزقني ابني "محمد" نسخة أخرى من أبيه ...
فرح أحمد و أهله و أهلي بهذا المولود ... ربما فرحوا أكثر مني أنا أمه ... حمدت الله و شركته و دعوت أن يرزقني بر ابني محمد ... صرت أنظر اليه فأرى نظرة الرجل في عيني هذا الصغير ... فسألت الله أن يجعله من الصالحين ... و أن يحفظه لي و يقر عيني به ... و أن يبلغه مبلغاً حسناً طيباً ... و عاهدت ربي و نفسي أن أبذل كل ما في وسعي لتربية طفلاي ... تربية يرضاها ربي ...
و مع ظروف حملي وولادتي لاحظت أنني لن أستطيع الاستمرار في دراستي في الكلية ... فاعتذرت عن انتسابي و توجهت للاهتمام بأطفالي ... حتى بلغ ابني محمد السنة من عمره ... و بدأ يمشي خطواته الأولى ... فرحت به و أقمت له حفلاً عائلية صغيراً ... كانت مبادرة مني لأثير مشاعر زوجي و أشاركه فرحتنا البريئة ...سعدت و أطفالي بتواجده معنا في هذه الليلة و ظننت أنها كانت رغماً عنه أو حتى يرفع عن نفسه اللوم مني و ربما من نفسه أيضاً ... و لكنه أثبت لي عكس ذلك ... فمع نهاية هذا الليلة الجميلة ... تشاركت مع أحمد لحظات عائلية حميمة عندما أصر على مساعدتي أثناء استحمام الأطفال و تجهيزهم للنوم ... و لن أنسى فرحة دانة عندما احتضنها أبوها لتنام على صدره و بين كتفيه العريضتين ...
قلت له مبتسمة -"لم أكن أعلم أن تملك هذه المشاعر تجاه أطفالك؟"
رد و هو يتفحص الأرقام في جواله -"و لماذا؟"
-"أقصد أنك لم تشاركنا يوماً كهذا من قبل.."
-"ربما لم أجد فرصة .."
نظرت اليه باعجاب و قلت له -"و لكنه كان يوماً جميلاً.."
و كنت أود أن نكمل حديثنا و لكني لاحظت أنه يستعد للنوم ... فاخترت عدم المحاولة ... يكفيني ما كان منه اليوم ...
في تلك الليلة نمنت قريرة العين و في داخلي سعادة لا توصف ... حمدت الله و شكرت فضله أن رزقني هذه الليلة الجميلة مع زوجي الغالي...
أحمد ذلك الشخص العطوف الذي لم يؤذيني بكلمة منذ أن تزوجني ... و لكن صمته القاتل بازدياد ... كلامه نادر و حروفه قليلة ... يحب أن يختلي بنفسه كثيراً في البيت و اذا حادثته أو طلبت منه شيئاً فلا يجيب أو أنه قد يرد ردوداً مختصرة و قصيرة ...
فبالرغم من تعدد صداقاته و حبه للخروج و السهر و أحياناً لشرب غريمتي الشيشية ... و لكنه لا يحادثني كثيراً إلا لو طلب مني فنجان قهوة ... لا أذكر أنه باح لي بموقف حدث له في العمل أو بقصة حدثت معه أثناء غربته ... كلامه قليل و صمته أكثر ... و لكنني أراه يتحدث على الهاتف و يضحك و يكون في قمة سعادته!! ... تعجبت كثيراً!!.. و تأملت أن يكون كذلك معي فأخذت أحاول أن أجذبه لمحادثتي ... فأنا لا أصل بعلمي المتواضع لمستوى ثقافته و علمه ... صرت أفكر أن أتعلم مثله و أشاركه النجاح ... و أعاود انتسابي للكلية ...
و في مساء يوم دافيء ... و بينما أحمد يرتدي ثيابه مستعداً للخروج ... أتيت من خلفه و حاولت أساعده في ترتيب ملابسه ... و ذلك لأبدأ معه حواراً قصيراً ...
-"أنت تعرف أن أتمنى الحصول على شهادة جامعية .. و أنا حقاً راغبة بالالتحقاق ثانية بالكلية .. ما رأيك؟"
-"فكرة جيدة جداً .. "
-"و لكن الأطفال ؟!"
-"لا تقلقي فعندما يحين وقتها سنجد حلاً.."
-"هل ستساعدني في تحقيق هذا الهدف ؟"
-"يمكنك الاعتماد علي .."
-"هل تعدني؟"
-"!!!!" ... لم يجبني و اكتفى بهز رأسه بالايجاب ...
لمعت دموع الفرح في عيناي و سعدت كثيراً بموقفه الذي توقعته منه ... فقد كان يرغب أن أتعلم بقدر ما كنت أرغب ... نظرت اليه نظرة شكر و اعتراف بالجميل ووعد ببذل المستطاع و الجهد الكبير ...
(يتبع)