أمسك عادل بقلمه وجلس إلى مكتبه يخط رسالة .. لقد عزم على هذا الأمر .. هو الحل الوحيد أمامه .. سيكتب رسالة لأبيه يشكو إليه .. يحكى له .. يكتب ما لا يستطيع قوله .. هذه أفضل فكرة .. بدأ عادل يكتب رسالته ..
أبى الحبيب ...
هذه أول رسالة أكتبها إليك .. أرجو ألا تغضب منى .. لقد تمنيت أن أقول لك كل ما فى نفسى صراحة .. ولكن شجاعتى كانت تخذلنى كل مرة .. تعرف يا أبى أننى أحبك كثيرا .. وأحترمك كثيرا .. وأعلم أنك دائما مشغول بعملك ربما لا تجد لى وقتا كافيا .. ولكنى لى عليك حق يا أبى .. أسمعك كثيرا تقول لأمى أنك تعمل بكد من أجلنا .. ألم تشعر أننا نحتاج إليك أكثر مما نحتاج للمال؟ .. إن وجودك معنا يا أبى يشعرنى بالدفء والأمان .. أريد أن أكون كأى طفل آخر ينعم بين والديه .. يضحك معهما .. يخرج للنزهه معهما .. أتذكر يا أبى متى كانت آخر مرة خرجنا فيها معا؟؟.. أنا لا أذكر .. ربما كان ذلك منذ سنوات .. إن أمى تحاول أن تملأ فراغ حياتى .. تجلس معى.. تتحدث إلىّ .. ولكنى كنت ألاحظ أنها أيضا وحيدة مثلى.. فأين حقها وحقى عليك يا أبى .. أتذكر يوم نجحت فى اختبارات نهاية العام يا أبى؟ .. لقد تمنيت أن تأتى وتقبلنى وتضمنى لصدرك .. صدقنى يا أبى إن قبلتك أغلى عندى من هديتك التى أرسلتها لى .. بالطبع يا أبى إنك توفر لنا كل ما قد يتمناه الإنسان لحياة مرفهة .. ولكن يا أبى هذا لا يساوى شيئا بدونك .. أتعلم يا أبى أننى أشعر بأننى فقير للغاية .. لقد زرت يوما صديقى إسماعيل فى بيته .. لقد كان بيتا بسيطا للغاية .. ولكنه يمتلىء دفئا وحبا .. وتعلو فيه الضحكات وتغمره السعادة .. رأيت إسماعيل ينعم بين والديه .. لقد شعرت بالغيرة .. وكرهت منزلنا الكبير .. تمنيت أن أكون مثله .. أن أعيش فى بيت بسيط يملؤه الحب .. أن أراك كل يوم يا أبى .. تذاكر معى دروسى .. نتناول الطعام معا .. نلهو سويا .. نخرج معا أيام الأجازات ......... ياااه يا أبى .. كم افتقدك كم أشتاق إليك .. أرجوك يا أبى لا تحرمنى منك ولا تبخل على بحنانك ولا تشعرنى باليتم وأنت فى هذه الحياة .....
أنهى عادل خطابه.. وضعه فى مظروف وأغلقه .. ثم ذهب ليضعه .. لا ليس فى صندوق البريد .. بل على مكتب أبيه .. فهو يدخل حجرة مكتبه ليلا عندما يعود متأخرا من عمله إلى البيت ...
ظل عادل مستيقظا فى فراشه .. يفكر فى رد فعل والده .. هل سيغضب منه؟.... هل سيشعر بتقصيره معه؟....هل؟؟ حتى غلبه النوم........... فى الصباح أيقظت عادل قبلة حانية على جبينه .. فتح عادل عينيه .. وجه والده يبتسم له ... لم يصدق عادل عينيه ... سأله عادل .. "أبى ألم تذهب للعمل اليوم؟؟" .. أجابه والده .. "اليوم أجازة .. سنذهب للنزهة معا"...هتف عادل بلهفة .. "حقا .. حقا يا أبى" .. أجابه والده مبتسما... "نعم يا بنى.. هيا اذهب لتغيير ملابسك .. وأخبر أوالدتك لتستعد.. هيا".. تهلل وجه عادل وهو يهتف .. "شكرا يا أبى .. شكرا كثيرا".. عانق عادل والده .. وجرى وهو لا يصدق نفسه ... والسعادة تغمر كيانه الصغير........
تابعه والده بعينيه... وفكر فى نفسه .. ألهذه الدرجة كنت مقصرا فى حقه؟.. كيف لم أشعر بذلك؟.. كيف أخذننى العمل من عائلتى إلى هذه الدرجة .. كيف؟؟
عاد عادل لوالده مسرعا وهو يكمل ارتداء ملابسة بسرعة وقال .." هيا يا أبى.. لقد ارتديت ملابسى ".. سأله والده .."ولكن .. أين والدتك؟" أجابه عادل .. "ستأتى يا أبى .. ولكنها"..... "لكنها ماذا؟" سأله الأب .... خفض عادل نظره فى خجل قائلا .. "إنها تكتب رسالة إليك "..... ثم نظر لوالده وانفجرا سويا فى الضحك ...
التعديل الأخير بواسطة المشرف: