الفصل الرابع عشرو الأخير
انتهت ران من تناول إفطارها بسرعة كبيرة..
كانت تتعجل في شرب كوب الحليب..
و لا تكاد تنتهي من دهن خبزتها بالزبدة حتى تلتهمها في الحال..
كانت متحمسة جداً..للعب مع باربي التي غابت عنها فترة طويلة..
و مشتاقة لتعيد متعتها معها.. و في نفس الوقت..
تتحرق شوقاً..
لآن ترى باربي بفستانها الجديد..
صعدت "ران" السلالم بسرعة..و دخلت غرفتها و أقفلت الباب..
و ما ان جلست على السرير حتى شرعت بخلع ملابس باربي القديمة
عن جسدها..
و ألبستها فستانها الجديد..
كانت ران مبهورة بالفستان الجديد بشدة..
لكنها لم تتخيل انه قد يكون بهذه الروعة على باربي..
زرعت التاج بين خصلات شعرها الذهبي..و طوقت عنقها بعقدها الفضي..
كانت روعة باربي لا تفوقها روعة..كانت كالماس يتباهى ببريقه ل
يخطف الأنفاس..
لذا يمكننا و بكل بساطة ..تفسير شحوب وجه براتز..
التي صُدمت بروعة باربي..
بينما باربي كانت تتسع إبتسامتها شيئاً..فشيئاً..
كانت سعيدة و فخورة بنفسها..فهي من صنعت تلك اللحظة..
هي من رسمت تلك اللوحة المصطبغة بألوان العواطف الدافئة..
و ألوان السعادة المشرقة..
و الجمال الساحر..
و أصبحت باربي سيدة الموقف..لأول مرة في تاريخها!
تعلقت عينا ران بباربي..و طافت أحداقها تتفحص كل شبراً فيها..
أختلطت المشاعر في صدرها الصغير..
و تسارعت عجلة الذاكرة إلى الوراء.. حيث لقائها الأول بباربي..
ضحكت في نشوة .. و ألتفتت لبراتز قائلة:
"أنظري يا براتز إلى باربي..إنها رائعة..أليس كذلك؟"
يا لران البريئة..تعتقد أن الدمى تفرح لفرحها و تحزن لحزنها..
لم تكن تعلم أن للدمى عالم أخر..و فكر مختلف عن فكرها..
إنهن دمى.. وحاجتهن للأطفال كبيرة..
و لكن حاجتهن للشعور بالإستقرار و الأمان ملحة حتى الموت..
براتز..كانت أولاً و اخيراً..دمية..
تسعى لتحقيق ذات الرغبات التي تريدها باربي..
لكن كان عليها أن تشبع تلك الرغبات مع "مي"..لا مع ران..
لو كان المنطق يسمح بأن يجرد تلك اللحظة..من سلطته ..
لصرخت براتز في وجه ران:
"يا لساذجتك يا ران..أتطلبين شهادتي على روعة خصمي!!"
لكن المنطق يجبرها على الصمت..
ضربات قلب براتز مضطربة .. وهي تراقب ران تتأهب للخروج إلى
الحديقة..
تفكر في مصيرها..إلى ماذا سيأول..
هل ستدخلها ران في السلة..أم ستحل محل باربي في الغرفة..
لم تكن تملك أدنى فكرة..
كادت براتز تطير فرحاً من بين يدي ران ..عندما حملتها لتضعها في السلة..
و ما هي إلا لحظات.. كانت هي مدة تمتع براتز بنشوتها داخل السلة ..
حتى اعتمر الضيق صدرها ..
و قد اقبلت باربي تشاركها السلة..
توجهت ران إلى الحديقة الخلفية..و راحت تلعب مع باربي..
تدور بها حول نفسها..
و تضحك بسعادة..بينما راحت باربي تحاكي تمايلات براتز التي حفظتها
منها عن ظهر قلب..
فتزيغ بعيناها تاره..و تأذن للنسمات أن تخطف خصلات
شعرها تارةٌ اخرى..
كل هذا و الإبتسامة الهادئة لا تغيب عن شفتاها الرقيقتان..
جلست ران على العشب الأخضر.. تحدث باربي عن مخططاتها الطفوليه..
"لقد انشغل عني والدي كثيراً هذه المرة..يبدو انه نسي وعوده لي ..
سأطلب منه أن يصحبني إلى المدينة الترفيهية هذا الأسبوع.."
و راحت ران تتابع ثرثرتها على مسامع باربي..
بينما تطل براتز بنظرات متأججة..نحوهما..
أقبلت ران نحو السلة..و أجلست باربي فيها..و ألتقطت براتز..
التي أفرجت عن إبتسامة
خبيثه..و راحت تمني نفسها:
"قد تكون باربي آسرة الأبصار..لكني آسرة القلوب..لا غنى لران عني"
قطع شوط أمانيها صوت ران التي أردفت:
"عزيزتي باربي..لما لا تنتظريني في السلة..
ريثما أنتهي من اللعب بالرمل مع براتز..لا أريد لفستانك الجميل أن يتسخ.."
تراجعت إبتسامة براتز..و غزى قلبها خنجر الكلمات..
و راحت تتأمل ران التي كانت تصنع
حفرة في بقعة الرمل الصفراء..بذهناً شارد..و غصةً متأرجحة في حلقها..
"ماذا؟..أهكذا تريدني ران..! أغوص معها بين أتربة الرمال القذرة..
بينما تحمي باربي من غبارها.."
سهمت براتز في أفكارها..
و غيبت إبتسامتها الواثقة .. أسراب أفكارها المتشائمة..
حدس الدمى قاد باربي لأن تخمن ردات فعل براتز..
بالأخص عندما لمحت ذاك الشرود الذي إعتراها وهي تجلس على
أكوام الرمال ..
ما أن عادت ران إلى غرفتها..حتى وضعت باربي بهدوء على فراشها..
و أصطحبت براتز معها إلى الحمام..
كانت براتز بحاجة لإستحمام طويل لتزيل تلك العوالق التي
لحقت بوجهها وشعرها..
والتي من حسن الحظ نجت منها باربي..
ما أن وصل صوت إغلاق باب الحمام إلى أذن باربي ..
حتى رفعت فستانها عن ساقاها الرشيقان..
و قفزت من فورها عن السرير..
و راحت تعارك ذيل فستانها الذي يعيقها عن تسلق الدولاب..
ووصلت إلى الرف العلوي بشق الأنفس..
سحبت ذات المقص الذي قطعت به أذن أرنوب..وبكرة خيوط حمراء..
و أخفتهم أسفل السرير..
عادت إلى فراش ران بسرعة ..وغرست جسدها على الوسادة..
و أغلقت عيناها بهدوء..
كانت تحاول أن تتنعم بتلك النعومة..و تستشعر الدفء الذي يحمله..
دخلت ران و في يدها براتز إلى الغرفة..أرتدت ران ملابسها على عجل..
وسرحت شعرها..
و ألتقطت باربي..و غادرت الغرفة..مخلفةً خلفها نيرانٌ تستعر في
قلب دمية غيور..
حل المساء الذي كانت تترقبه براتز أخيراً..
تركت ران باربي على السرير قريبةً من براتز..
و دخلت الحمام..
لترتدي ثوب نومها..و تغسل وجهها و أسنانها قبل أن تأوي إلى الفراش..
بقيت باربي و براتز لوحدهما معاً..
ألتفتت براتز بحنق..و بدأت الهجوم..
"أيتها الماكرة المخادعة..أهذا ما كنتي تخططين له إذن!
سرقة ران..."
أجابت باربي بهدوء أوثقته رغبتها في التصدي لبراتز :
" لست أنا السارقة في هذه الغرفة..هناك دمية تستحق هذا اللقب
أكثر مني.."
أجابت براتز في غضب:
"أتجرؤين على نعتي بالسارقة أيتها الماكرة؟"
ردت باربي بتهكم و إبتسامة ساخرة تملىء وجهها:
"أوه..أنا أسفة يا براتز..إن لم يعجبك لقب السارقة..فلدي لقبٌ أفضل..
أمممم ... ما رأيك بدمية القمامة؟"
ثارت الدماء في عروق براتز..و أطبقت على باربي تعاركها..
لكن باربي أستجمعت قواها..
و دفعت براتز عنها بكل قوة..حتى أسقطتها على الفراش..
و نظرت لها بنظرات متوعدة:
"أن أستطعتِ هزيمتي بهجومك الغادر عليّ يوماً..
فلن تقوي على تكرارها مرةً أخرى..
فأنا على أهبة الأستعداد لسحقك دوماً.."
ألتفتت باربي لصوت باب الحمام يُفتح..
فأرتمت على السرير حيث كانت قبلاً..
و عادت براتز إلى مكانها مسرعة.. و كأن شيئاً لم يكن...
مضى يومان هادئان على عودة باربي إلى حياتها السابقة..
و أن كانت تنزعج من نظرات
براتز الحانقة..لكن إهتمام ران ينسيها تلك الشرر المتطايرة من عينيها..
لكن باربي لم تنتهي بعد...
ففي صدرها تضمر النية في التخلص من براتز نهائياً..
"فمن يخرج من القمامة..عليه ان يعود للقمامة حتماً"
اغشى الليل ،سواد الظلمة.. و أستسلمت الجفون لسلطان النوم..
لكن جفنا باربي رفضا الإستسلام له..فساعة الإنتقام قد حانت..
تسللت بهدوء من السرير ..و نزلت إلى مخبأها القديم..
و سحبت مقصها الذهبي بحذر..و تسلقت طرف السرير بجهد بالغ..
و أجتازت السلسلة الجبلية التي خلقتها ران بجسدها الصغير..
ووقفت قبالة براتز..
تذكرت باربي ليلتها البائسة مع أرنوب..لكن هذه الليلة تختلف..
هذه الليلة هي الليلة الموعودة..لعودة الحق لأهله..
مدت باربي يدها..تهز جسد براتز لتوقظها بحذر..
فتحت براتز عيناها بصعوبة.. و حاولت ان تتبين الصور أمامها..
أعانتها إنارة المنزل الخارجية في رؤية شبح باربي..
و حركت شفتاها بتثاقل :
"باربي؟"
أجابت باربي بمكر..
"مساء الخير يا براتز.."
براتز و القلق في محياها..
"ماذا تريدين؟"
باربي بثبات وقوة لا تخفيها الظلام..
"أما تسألتي يوماً عن سر الندبة حول أذن أرنوب؟"
صمتت براتز بخوف و هي تحاول تفسير ما ترمي إليه باربي
التي تقف متكأه على المقص..
قالت باربي بعدما طال صمت براتز..
"لما لا تجيبيني يابراتز..هل أنتي خائفة..أم تعسرت عليكِ الإجابه؟"
تنهدت باربي تنهيدة قصيرة خبيثة..و قالت:
"دعيني أساعدك قليلاً..
في أحد الليالي الماضية وقفت ذات الوقفة..
وبيدي ذات المقص.. في وجه أرنوب اللطيف.. وحدث ما حدث..
صدقيني..لم تكن إلاضغطة واحدة مني للمقص..
و تركت ذكريات مؤلمة في ذاكرة أرنوب"
شعرت براتز بالرجفة تعتري جسدها..
و ما أن نطقت..حتى راحت الحروف تتراقص
على أثرِها..
"إلاما تلمحين يا باربي؟"
و لا زال خبث باربي يرافق قولها:
"تعاونك معي سيحدد ما إذا كان مقصي سيتحرك من جديد أم لا.."
أندفعت براتز تجيب:
"سأتعاون..سأتعاون..فقط..سليني ما شئتي"
قالت باربي و إبتسامة الرضا على شفتيها..
"لا شيء مهم..أريدك أن تغادري الفراش هذه الليلة..
لا تقلقي يا عزيزتي..
ليس بعيداً عن ران..عند الممر الخارجي للغرفة فقط"
وقفت باربي بجانب مقصها..تراقب براتز وهي تلف الخيط حول
ساقيها كما أمرتها..
كان على باربي أن تضمن فشل محاولات براتز في الحراك بعيداً
عن الممر..لذا فضلت أن تقيدها..
ما أن أنتهت براتز.. حتى دفعت باربي بالبكرة الموصوله بالخيوط الملتفة
حول سيقان براتز..
إلى داخل الغرفة..و أحكمت إغلاق الباب خلفها..
و عادت باربي إلى جوار ران..
و أخيراً..نامت باربي وحيدةً مع ران على السرير..
في صباح اليوم التالي..
أستيقظت ران و باربي على صوت باب الغرفة يفتح..
و تطل منه والدة ران وفي يدها براتز ملفوفة بخيوط حمراء..
تلفتت ران بسرعة .. وهي تبحث عن براتز في الفراش..
و تحاول ربط إختفاء براتز
من الفراش.. وبراتز التي ترفعها والدتها في الهواء..
"من أين جاءت هذه الدمية ياران؟"
سألت والدة ران بحزم..
أخذ لسان ران يتلعثم بالكلمات..وبعد محاولات جاهدة للنطق..
صمتت دون أن تنبس ببنة شفة..
بينما راحت والدة ران تعيد السؤال بإصرار..
لم يطل صمود ران.. فما أسرع ما حكت لوالدتها القصة كاملةً..
فغضبت والدة ران منها كثيراً..و فرضت عليها عقوبة تنص على ..
عودة براتز إلى القمامة..و البقاء في المنزل لمدة أسبوعان كاملان..
هذا ما كانت تخطط باربي للوصول إليه..
كان في مقدور باربي أن تطلب من براتز أن تخرج من حياة
ران و المنزل للأبد..
لكنها لم تكن قادرة على ضمان النتائج..
فقد تسلك براتز نهج باربي..و تعود من جديد..
لذا فضلت أن يُكشف أمرها..فتنال ران عاقبة تجرؤها على كسر القوانين..
و عندها ستفكر ألف مرة قبل أن تعيد إرتكاب ذات الخطأ من جديد..
تنفست باربي الصعداء..بعدما نالت براتز ما تستحق..
و الفضل يعود لشجاعتها..وثقتها بنفسها..
و الأهم..لصبرها..
فالورود لا تزهر حتى تنال قسطها من العناية..
و لا يقوى عود الشجر حتى يجتاز عقبات الزمان..
إنه الصبر على الألم..و الصبر على الظلم..و الصبر على عقبات الحياة..
كلها إبتلاءات من رب العزة لعباده..ليختبر أي العباد أصلب
في وجه الرياح العاتيه..
و أي العباد مؤمناً بقضائه..
تلك إختبارات الإله..فهنيئاً لمن نجح فيها..
في احدى الأيام المشمسة..جلست والدة ران تغرس زهور "شقائق النعمان"
المحببة إلى نفسها..
في ارض حديقتها الخلفية..في حين كانت ران مشغولة بملاعبة باربي ..
و بينما كانت الوالدة تستحث جهودها في الحفر و الغرس..
حتى لمحت قدم قطنية..تطل بخجل
من بين سيقان الأشجار..
سحبتها بفضول المستكشف..وقلبته بإستنكار..حتى تفاجأت..
تمتمت والدة ران:"أرنوب!"
و نادت ران من بعيد..
"ران ..أنظري من وجدته يختبأ خلف الأشجار؟"
نظرت ران لما تحمله والدتها.. وقبلها نظرت باربي..
صرخت ران بسعادة:
"أنه أرنوب!."
و أقبلت تعدو نحوه..فأوقفتها والدتها بيد..و أبعدت يدها التي
تحمل أرنوب بعيداً..
و قالت:
"توقفي ياران ..لا تقتربي "
توقفت ران.. وتسألت:
"لماذا يا أمي؟"
أجابت الوالدة..
"أما ترين الأوساخ و البقع التي تغطيه..فكيف تلمسيه؟"
ردت ران بعفوية..
"دعينا نغسله يا أمي.."
تفحصت والدة ران أرنوب ملياً..فرأت تمزقاته المتعددة..
و بقعه المستعصية..
فقالت..
"لا أجدها فكرةً جيدة..لا أظنه يستحق عناء الغسل و الترقيع..أنظري"
قربته والدة ران من إبنتها..
فتأملته ران عن كثب..و شعرت بخيبة أمل لحالته المزريه..و أردفت:
"معك حق"
أنحنت والدة ران تجمع أدواتها الزراعية.. وحملت معها أرنوب..
وهي تقول..
"سأدخل إلى المنزل الآن..و في طريقي سأرمي أرنوب في القمامة.."
و أعقبت..
"لا تتأخري في الدخول للمنزل يا ران.."و أقفلت عائدة..
هذا كان مصير أرنوب اللطيف..الذي فضل البقاء بالقرب من ران..
و إن كان على الأتربة وبين الأشجار..
تأثرت باربي لمصير أرنوب..و ترقرت في عيناها دمعة عطوفه على حال
أرنوب اللطيف ..
الذي لم تشفع له برائته أو لطفه..
هذا جزاء من يلزم السلبية في حياته.. ويقف مكتوف الأيدي أمام العراقيل..
من يستهن بنفسه..و يقبل بأقل القليل..سيقتر عليه من حوله في العطاء..
و سيستهان به..
وأعتلت باربي من جديد عرشها في حياة ران..
وتعلمت باربي درسها جيداً..
وهاهي تناضل للبقاء على عرشها قدر أستطاعتها..
لذا..أعتادت أن تتسلل لحديقة الجار مروان لتتفحص حاويته
المخصصة لتدوير الورق..
و تقتطع من كتالوجات متاجر الألعاب صور تخصها و تخص كمالياتها..
و ترمي بالورقة حيث تلعب ران في الحديقة..فيتعلق قلب ران الصغير
بالصور..
وتسعى لإقتنائه من أجل باربي..
و في أخر ما سعت له باربي هو الحصول على....
زوج يقاسمها حياتها ..
و يشغلها عن ران قليلاً..رأت صورته في إحدى المجلات
برفقة إحدى الباربيات..
و قررت أن تعرض الصورة على ران علها تنجح..
و بعد الجهود المكثفة ..كان لباربي ما أرادت..
حصلت على زوج وسيم ..أحب باربي بجنون..و أحبته باربي بإعتدال..
فحب ران علمها كيف تحب نفسها قبل أياً من كان..
و سعت ران من تلقاء نفسها لأن تأُمن لباربي الأطفال..
حتى تكون لها حياة عائلية سعيدة..
ومضت الأيام و الأيام..
و اعتادت ران على أن تجدد في باربي..
دون ان تلجأ باربي للتسلل للحاوية..
وهكذا..
أصبحت ران مشغولة بباربي وبجديدها الذي لا ينقطع..
النهاية..
ملاحظة:
أتمنى ممن تود نسخ القصة ان تذكر نقلها للقصة من
"مركز مملكة بلقيس"..
أشكركن على حسن التعاون..