عزيزتي غالِب الأزواج يَصِلُون لمرحلة المَلَل الزوجي، بعدَ فترة مِن الروتين في حياتهم الزوجيَّة، وفي هذه المرحلة تُبالِغ النساءُ بالعناية بالأزواج دون أن يُبدينَ تذمُّرَهنَّ بشكل صريح، ويَزداد الرجل انسحابًا دون أن يُطالِب زوجتَه بما يفتقده بوضوحٍ أيضًا، بل ربَّما دُون أن يُدرِكَ حتى ما الذي يَدْفعُه لذلك الانسحاب سِوى أنَّه لم يجدْ ما يجذبه للبيتِ، وعاد للحنين لحياتِه الماضيَّة! وفي هذه الحالة بعضُ التَّغيير، والحوارُ المثمِر، كفيلان بإنعاشِ الحياة الزوجيَّة ولإعادة الرُّوح إليها.
أهمُّ ما يجب أن تَنتبهي له هو اختيارُ الأسلوب المناسِب بعيدًا عن اللَّوْم والغضَب، فربَّما زوجكِ لا يَشعُر بالمشكلة، ولا ينظر لها كما تنظرين لها أنتِ، تحتاجين أنْ تَجعلِيه يراها بالمنظار الذي ترينها به؛ لتساعديه على تخطّيها معًا.
ما أَجِده أكبرَ مثال على اختلاف الرؤية بين الزَّوْجين هو تلك الصُّور التي تحتمل أكثرَ مِن رؤية واحدة، فترين بها صورةَ عجوز ولو قَلَبْتِها تجدين امرأةً شابة مثلاً، حينما تعرضين صورة كهذه على الناس ستُراقِبين اختلافَ نظرتهم وما يَرَوْنه داخلَ الصورة نفسها، لكنَّهم لا يتوتَّرون من ذلك، بل يتساعَدون ليَرَوْا كلَّ الجوانب الخفية بالصورة، أيضًا كنَّا نتعرض لذلك حينما كنَّا صِغارًا مع مجلَّة ماجد والبحْث عن فُضولي، هل قرأتِها وبحثتِ عنه بطفولتكِ؟ تذكَّري ذلك وتحدَّثي مع زوجك بنفسِ ذاك الحماس، الذي يجعلك تساعدينه ليرَى ما ترين، دون أن يجعلَه يَنفِرُ ويزداد بُعدًا!
تَحتاجين أيضًا أن تَعرفي مفاتيحَ زوجكِ، وما يُناسب طبيعتَه، فلا يوجد هناك أسلوبٌ واحد يُجدِي مع كلِّ الرِّجال، بل لكلِّ رجلٍ أسلوبُه الخاص به، فبعضهم تؤثِّر فيه المشاعر والعاطفة فتجذبينه بها، وبعضُهم يَكْرَه المواجهةَ ويُجدي معه التلميحُ دون التصريح، وتؤثِّر فيه الكلمات المكتوبة أكثرَ مِن المقروءة، وتَعابِيرُ الوجه والقلب أكثرَ مِن تَعابير اللِّسان، بينما البعضُ الآخَر لا يَفهم سوى بالتصريح، ويُحبُّ الوضوح، ويُجدي معه الحوار والمنطِق والتخطيط لحياةٍ أفضل.
وقدْ تَجِدين شيئًا مختلفًا بزوجكِ عن كلِّ ذلك، لكنَّ المهمَّ أن تَفْهَمي طريقتَه، وأن تتصرَّفي معه بحِكمة دون أن تُحبِطيه أو تُتعبي نفسَكِ.
أحيانًا يكون شُعورك بالمشكلة أكبرَ مِن حجمها الحقيقي، فالفراغ وعدم وجود ما يشغل الزوجةَ سوى زَوْجها يَزيد مِن تركيزها عليه، وبالتالي مِن انسحابه، تحتاجين أن تَجدي مِن الهوايات ما يملأ عليكِ وقتَكِ ويَزيدك ثقةً أيضًا.
لا تَضغطي على نفسِكِ حينما تشعرين بالغَضَب مِن زوجكِ ومِن بُعْده، صحيح أنَّك لا يجب أن تَغضبي، لكن لا تُبالغي في الرِّعاية حتى تصلي لمرحلة تشعرين بها أنَّك الخادِمة! بل دَلِّلي نفسكِ وأشعريه أنَّكِ تستحقين منه الدلالَ أيضًا، فعكس ما تعتقد معظمُ السيِّدات: الرجل يحبُّ المرأة التي تحبُّ نفْسَها، وتَعْتني بها أكثرَ مِن تقديره للمرأة التي تقوم بدَوْرِ الخِدمة وتشعر بعدمِ الثِّقَة.
انظري إلى نفسِك جيدًا، وفَكِّري بمنطق الزَّوْجة العاقِلة التي تسْعَى للحصول على السعادة الزوجيَّة، وإقامة بيْت تُرفْرِف فوقَ جنباته المودَّة والرَّحْمة، وتُغرِّد فوقَ أغْصانه عصافيرُ السلام، فكم من بيْت صغير قدْ ساعَد ضيقُ حجْمه على التقارُب بيْن أفراده، وحصول الألْفة النفسيَّة، والراحة الحقيقيَّة.
هذه أسئلة موجَّهة إليك، ولستُ بحاجة لإرْسال الجواب، بل سأكتفي بأن تُجيبي عنها لنفسِك بوضوح وجديَّة:
1- هل تُعدِّين المنزلَ لاستقبال زوْجك كما تُعدِّينه لاستقبال أيِّ ضيف؟
2- هل تتجمَّلين لزوجكِ وتُحْسنين التبعُّلَ له؟
3- هل تحاولين الترويحَ عنه، ولو ببعض الأحاديث المزاحية الطريفة؟
4- هل تُرْجئين الحديثَ حولَ مشكلات البيت والأطفال حتى يهدأَ، وتتخيَّرين الأسلوبَ الأمْثل لمناقشتها؟
5- هل تُشاركينه أيًّا مِن اهتماماته أو هواياته؟
6- هل فكَّرتِ يومًا في تجهيز وجْبة عشاء لذيذة تحتوي على ما يحبُّ مِن أصناف، وأضفتِ لها بعضَ التجديدات كإضاءة الشُّموع (كثير منها رخيص)، أو بعض الزِّينة في مكان العَشاء؟
لعلكِ تتذمَّرين وتقولين الآن: وهو ماذا يَفْعَل مقابلَ هذا كله؟!
وأُكرِّر لكِ: أنا لا أحادثُ الزوج الآن، وعلى كلِّ زوْجة أن تفكِّر فيما يُمكنها أن تُقدِّمه، وليس فيما يُمكِنها أن تحصلَ عليه مقابلَ إرْضاء زوجها؛ فما ستحصُل عليه من سعادة وراحة لا يُساويه شيءٌ آخَر.
يتهرَّب زوجكِ من البيت، أو يُراسل الفتيات، وربما يكون مدمن نت ساعيًا وراءَ السعادة الوهمية، فلِمَ لا تجذبينه أنتِ إلى السعادة الحقيقيَّة؟!
قد يبدو لكِ الأمرُ صعبًا في البداية، لكنِّي أقترح عليكِ أن تُحاولي تطبيقَ هذا اليوم، أو قدر كبير منه، فهل تُجرِّبين؟
أولاً: فورَ استيقاظك صباحًا أعدِّي له بعضَ (السندوتشات)، أو الشطائر، أو ما يُفضِّل من إفطار خفيف، وودِّعيه بابتسامة، أو ملاطفة يبقَى عبيرُها معه حتى يعود.
ثانيًا: ساعِدي الأطفالَ اذا كان عندك على الاستيقاظ مبكِّرًا؛ حتى يسهلَ عليهم النوم مبكرًا، وعدم إزْعاجه عندَ عودته.
ثالثًا: بعدَ انصرافه وانصراف الأطفال إلى مدارسِهم ساعدي بقيةَ الأطفال على الجلوس في مكانٍ واحد، حتى تقومي بتنظيف البيت، وإحداث بعضِ التغييرات اليسيرة فيه، كنقل قِطعة من الأثاث إلى مكانٍ آخَر، ونظِّفي كلَّ جزء في البيت.
رابعًا: قومي بالاتِّصال به في عمله، واسأليه باهتمامٍ عن عمله وصحَّته وحاله، وبُثِّيه شوقكِ وشوقَ البيت إليه.
خامسًا: أعدِّي طعامَ الغداء، أو العَشاء، على حسب موعِد قُدومه، وأبقي على الجزء النهائي من إعداد الطعام إلى حين قُبَيل عودته.
سادسًا: أرْسلي إليه رسالةَ محبَّة، واكتبي فيها كلماتٍ صادقةً ورقيقة.
سابعًا: تأكَّدي أنَّ كل مكان في البيت مرتَّبٌ وكأنَّ ضيفًا مهمًّا سيحلُّ عليكم بعدَ قليل، ثم أغْلقي مكان أو غرفة نومه، ولا يدخلها أحدٌ من الأطفال.
ثامنًا: قُبَيل مجيئه تَجمَّلي بكلِّ ما عندك، وغيِّري ملابسَ العَمل، وتعطَّري، واستعدِّي لاستقبال ضيْفك.
تاسعًا: أحْسِني استقبالَه عند عودته - كما أحسنتِ توديعَه في الصباح - ولا تَنْسي الابتسامةَ الساحِرة.
عاشرًا: حاولي بعدَ العَشاء أن تكون لكما جلسة يوميَّة تتمازحون فيها، أو تُشاركينه بعضَ ما يحب، أو تُحدِّثينه حولَ خبر طريف، بإمكانكِ أخْذ الأفكار من (الإنترنت).
هذا بخصوص يوم مثالي، أرجو ألاَّ يكون تطبيقُه صعبًا.
زوْجُك - ربما يكون - كتوم وخجول، ومثل هذه الشخصيات من السَّهْل وقوعُها في المحرَّمات، متى ما ضعُفتِ الصلة بالله، فلِمَ لا تعملين على تقريبه إلى الله، وبثِّ رُوح التوكل والإيمان في نفسه؟
ولذلك طرق عديدة لا أظنُّها تخفَى عليكِ.
الرَّجل الخجول مشكلتُه أنه لا يُفْصِح لزوجه عمَّا يجول بخاطره، قد يُعاني بعضَ المشكلات، ولا يستطيع أن يحادثَك عنها، فعليك أن تكوني لمَّاحةً في احتواء مشكلاته، وإحاطته بالرِّعاية، صدِّقيني، الرجلُ مخلوق عادي، وبسيط جدًّا، وليس كما تتهِمه الكثيرُ من النساء من أنَّه متكبِّر، ولا يُعجبه شيء، أو يُحبُّ دائمًا التطلُّع إلى ما حرَّم الله... إلى غيرها من التُّهم التي ما أتَتْ إلا لسوء فَهْم نفسية الزوج، والبُعْد النفسي بيْن الزوجين.
أعيدي حساباتِك ورتِّبي أفكاركِ، ولا تَهْدمي عُشَّك الصغير بيديكِ، فسيأتي عليك يومٌ تشتاقين فيه لتلك الحياة المستقلَّة، التي ينعم فيها أبناؤك بالحياة مع أبٍ وأمّ، وتذكَّري أنَّ هذا حقُّهم الشرعي، ليس لنا أن نحرمَهم لأجْل عدم تحمُّلنا وقلَّة صبْرنا، أو حتى لأنَّنا لا نرْضَى عن أفعال شريك حياتنا.
أذكركِ أخيرًا, أنَّ زَوْجكِ بحاجةٍ إلى المساعدة العاجِلة، ومَدِّ يَدِ العوْن بدلاً مِن ترْكه يَغْرق في بحْر المعاصي، ويتيه في دهاليز فِتَن الحياة والضياع بيْن طُرُقها المتشعِّبة، ولن يجد خيرًا من زوْجة عاقِلة محبَّة، ولتجعلي مِنْ هذه المشكلة وسيلةً لبذْل أقْصى ما عندك من جهْد، وإثبات القُدْرة على احتوائها، وحلِّها والتغلُّب عليها.
ولا تنسي الدُّعاءَ له بالهِداية والإلْحاح على الله في الدُّعاء، فمَن يُكْثر قرْعَ الباب، يُوشِك أن يُفتَح له، وإيَّاك واستعجالَ الإجابة، أو الدعاء بقلَّةِ يقين ونفادِ صبر.