هل وجه المرأة ليس بعورة هو قول الجمهور ؟الدكتور / وليد بن عثمان الرشودي (*)

الحمد لله والصلاة والسلامعلى رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه وبعد: لا يخفى على كل مسلم -درسشيئا من الكتاب والسنة- ما يطرأ على هذه الأمة زمن الفتن، ومن ذلك الخوض في المسائلالشرعية بلا حجة علمية ولا أمانة دينية، مصداقاً للحديث الذي أخرجه البخاري فيصحيحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكنيقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوافأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. وإنه في زماننا تعدى الأمر ذلك، فأصبح العلم -أعنيالشرعي- كلأً مباحاً لكل مدعٍ للكتابة، محسن لصف العبارة، غير مبال بالمراقبةالإلهية، ولا النصرة للسنة النبوية، من كتبة زادهم التصفح والنقل المبتور والادعاءالمثبور، روَّجت لكتاباتهم صحافة الباطل التي تنصر المنكر وتخذل المعروف، فاللهطليبهم وهو حسيبهم، ولن نحزن؛ فالله يقول: ( بلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَىالْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) أما ما يتعلَّق بعنواني، وهو: هل وجه المرأة ليس بعورة هو قول الجمهور ؟ فالذيدعاني أليه هو ما كثر اللغط حوله في تلك الصحافة السيارة، والمنتديات العامة،والقنوات الفضائية من أناس تصدَّروا فيها، فأعلنوا عقيرتهم ورددوا أن وجه المرأةليس بعورة هو قول الجمهور، فأثَّر ذلك في نفسي، ودعاني للبحث المتجرد والبعيد عنالتعصب لأي من الفريقين، لا سيما من يعرفني يعرف قدر العلم الشامخ والإمام الفذمحمد ناصر الدين الألباني في قلبي، ومكانته العلمية والعملية والدعوية عندي -رحمهالله رحمة واسعة- وهو الذي استفدنا منه أن الحق أحب ألينا من الرجال، وذكره هنا لأنكل من خاض في هذه المسألة تعلَّق بكلام الشيخ -رحمه الله- ثم بعد ذلك يزيد من عندهما شاء أن يزيد وهنا أذكر أن جمعي يدور حول قول الجمهور في المسألة ،وأي النسبتينأولى أن تنسب له، فلك -أيها القارئ- الاطلاع الآن على أقوال أهل العلم، لتحكم بعدذلك أيه قول الجمهور:
أولاً: قول أئمتنا من الأحناف رحمهم الله تعالى:
يرىفقهاء الحنفية –رحمهم الله- أنَّ المرأة لا يجوز لها كشف وجهها أمام الرجالالأجانب، لا لكونه عورة، بل لأنَّ الكشف مظنة الفتنة، وبعضهم يراه عورة مطلقاً،لذلك ذكروا أنَّ المسلمين متفقون على منع النِّساء من الخروج سافرات عن وجوههنَّ،وفيما يلي بعض نصوصهم في ذلك: قال أبو بكر الجصاص، رحمه الله: المرأة الشابَّةمأمورة بستر وجهها من الأجنبي، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهلالرِّيب فيها (أحكام القرآن 3/458 )، وقال شمس الأئمة السرخسي، رحمه الله: حرمةالنَّظر لخوف الفتنة، وخوف الفتنة في النَّظر إلى وجهها، وعامة محاسنها في وجههاأكثر منه إلى سائر الأعضاء (المبسوط 10/152)، وقال علاء الدين الحنفيُّ، رحمه الله: وتُمنع المرأة الشابَّة من كشف الوجه بين الرجال. قال ابن عابدين، رحمه الله: المعنى: تُمنع من الكشف لخوف أن يرى الرجال وجهها فتقع الفتنة، لأنَّه مع الكشف قديقع النَّظر إليها بشهوة. وفسَّر الشهوة بقوله: أن يتحرك قلب الإنسان، ويميل بطبعهإلى اللَّذة. ونصَّ على أنَّ الزوج يعزر زوجته على كشف وجهها لغير محرم (حاشية ابنعابدين 3/261) وقال في كتاب الحجّ: وتستر وجهها عن الأجانب بإسدال شيءٍ متجافٍ لايمسُّ الوجه، وحكى الإجماع عليه. (حاشية ابن عابدين 2/488). ونقل عن علماء الحنفيّةوجوب ستر المرأة وجهها، وهي محرمة، إذا كانت بحضرة رجـال أجانب (حاشية ابن عابدين 2/528)، وقال الطحطاويُّ، رحمه الله: تمنع المرأة الشابَّة من كشف الوجه بين رجال. (رد المحتار 1/272)، ونصَّ الإسبيجانيُّ والمرغينانيُّ والموصليُّ على أنَّ وجهالمرأة داخل الصلاة ليس بعورة، وأنَّه عورة خارجها، ورجَّح في (شرح المنية ) أنَّالوجه عورة مطلقاً. وقال: أمَّا عند وجود الأجانب فالإرخاء واجب على المحرمة عندالإمكان (حاشية إعلاء السنن للتهانوي 2/141). ولمطالعة مزيد من أقول الفقهاءالحنفية يُنظر حاشية ابن عابدين (1/406-408)، والبحر الرائق لابن نجيم (1/284و2/381)، وفيض الباري للكشميري (4/24و308). وقال سماحة مفتي باكستان الشيخ محمَّدشفيع الحنفيُّ: وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء، وجمهور الأمَّة على أنَّه لايجوز للنِّساء الشوابّ كشف الوجوه والأكفّ بين الأجانب، ويُستثنى منه العجائز؛لقوله تعالى :[وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ ] (المرأة المسلمة ص 202). وقالالسهارنفوريُّ الحنفيُّ، رحمه الله: ويدلُّ على تقييد كشف الوجه بالحاجة: اتفاقالمسلمين على منع النِّساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لاسيما عند كثرة الفساد وظهوره (بذل المجهود شرح سنن أبي داود 16/431).
ثانيا: أقوال أئمتنا من المالكيّة:
يرى فقهاء المالكيّة أنَّ المرأة لا يجوز لها كشف وجهها أمام الرِّجال الأجانب،لا لكونه عورة، بل لأنَّ الكشف مظنَّة الفتنة، وبعضهم يراه عورة مطلقاً، لذلك فإنَّالنِّساء -في مذهبهم- ممنوعات من الخروج سافرات عن وجوههنَّ أمام الرجال الأجانب. وفيما يلي بعض نصوصهم في ذلك: قال القاضي أبو بكر بن العربيِّ، والقرطبيُّ رحمهماالله: المرأة كلُّها عورة، بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة،كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عمَّا يعنّ ويعرض عندها. ( أحكامالقرآن 3/1578)، والجامع لأحكام القرآن (14/277). وقال الشيخ أبو عليٍّ المشداليُّ،رحمه الله: إنَّ من كانت له زوجة تخرج وتتصرف في حوائجها بادية الوجه والأطراف -كماجرت بذلك عادة البوادي- لا تجوز إمامته، ولا تقبل شـهادته. وسئل أحمد بن يحيىالونشريسيُّ -رحمه الله- عمن له زوجة تخرج بادية الوجـه، وترعى، وتحضـر الأعراسوالولائم مع الرِّجال، والنِّسـاء يرقصن والرِّجال يكفون، هل يجرح من له زوجة تفعلهذا الفعل ؟ فأورد الفتوى السابقة، ثم قال: وقال أبو عبد الله الزواوي: إن كانقادراً على منعها ولم يفعل فما ذكر أبو عليٍّ ( المشداليّ ) صحيح. وقال سيدي عبدالله بن محمد بن مرزوق: إن قدر على حجبها ممن يرى منها ما لا يحلّ ولم يفعل فهيجرحة في حقه، وإن لم يقدر على ذلك بوجه فلا. ومسألة هؤلاء القوم أخفض رتبة مماسألتم عنه، فإنَّه ليس فيها أزيد من خروجها وتصرفها بادية الوجه والأطراف، فإذاأفتوا فيها بجرحة الزوج، فجرحته في هذه المسؤول عنها أولى وأحرى، لضميمة ما ذُكر فيالسؤال من الشطح والرقص بين يدي الرجال الأجانب، ولا يخفى ما يُنْتِجُ الاختلاط فيهذه المواطن الرذلة من المفاسد (المعيار المعرب للونشريسي 11/193). وذكر الآبِّيُّ: أنَّ ابن مرزوق نصَّ على: أنَّ مشهور المذهب وجوب سـتر الوجـه والكفين إن خشـيتفتنة من نظر أجنبي إليها (جواهر الإكليل 1/41). ولمطالعة مزيد من أقول الفقهاءالمالكية في وجوب تغطية المرأة وجهها، يُنظر: المعيار المعرب للونشريسي (10/165و11/226 و229)، ومواهب الجليل للحطّاب (3/141)، والذّخيرة للقرافي (3/307)،والتسهيل لمبارك (3/932)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (2/55)، وكلام محمدالكافي التونسي كما في الصارم المشهور (ص 103)، وجواهر الإكليل للآبي (1/186).
ثالثًا: أقوال أئمتنا من الشافعيَّة:
يرى فقهاء الشافعية أنَّ المرأة لايجوز لها كشف وجهها أمام الرِّجال الأجانب، سواء خُشيت الفتنة أم لا؛ لأنَّ الكشفمظنَّة الفتنة، وبعضهم يرى أنَّ الوجه عورة مطلقاً. وفيما يلي بعض نصوصهم في ذلك: قال إمام الحرمين الجوينيُّ، رحمه الله: اتفق المسلمون على منع النِّساء من الخروجسافرات الوجوه؛ لأنَّ النَّظر مظنَّة الفتنة، وهو محرك للشهوة، فاللائق بمحاسنالشرع سدُّ الباب فيه، والإعراض عن تفاصيل الأحوال، كالخلوة بالأجنبية. (روضةالطالبين 7/24)، و بجيرمي على الخطيب (3/315). ونقل ابن حجر -رحمه الله- عنالزياديّ، وأقرَّه عليه: أنَّ عورة المرأة أمام الأجنبي جميع بدنها، حتى الوجهوالكفين على المعتمد. وقال: قال صاحب النِّهاية: تَعَيَّنَ سترُ المرأة وجهها، وهيمُحْرِمَة، حيث كان طريقاً لدفع نظرٍ مُحَرَّم (تحفة المحتاج 2/112و4/165). وقالابن رسلان، رحمه الله: اتفق المسلمون على منع النِّساء أن يخرجن سافرات عن الوجوه،لاسيما عند كثرة الفسَّاق (عون المعبود 11/162). وقال الشرقاويُّ، رحمه الله: وعورةالحرَّة خارج الصلاة بالنِّسبة لنظر الأجنبيِّ إليها فجميع بدنها حتَّى الوجهوالكفين، ولو عند أمن الفتنة. (حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب 1/174). وقالالنَّوويُّ، رحمه الله: لا يجوز للمسلمة أن تكشف وجهها ونحوه من بدنها ليهوديَّة أونصرانيَّة وغيرهما من الكافرات، إلاَّ أن تكون الكافرة مملوكة لها، هذا هو الصحيحفي مذهب الشافعيِّ رضي الله عنه (الفتاوى ص 192). وقال ابن حجر، رحمه الله: استمرالعمل على جواز خروج النِّساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات؛ لئلا يراهنَّالرِّجال. وقال الغزَّاليُّ، رحمه الله: لم يزل الرجال على مرِّ الزمان مكشوفيالوجوه، والنِّساء يخرجن منتقبات (فتح الباري 9/337). ولمطالعة مزيد من أقوالالفقهاء الشافعية، يُنظر إحياء علوم الدين (2/49)، وروضة الطالبين (7/24)، وحاشيةالجمل على شرح المنهج (1/411)، وحاشية القليوبي على المنهاج (1/177)، وفتح العلام (2/178) للجرداني، وحاشية السقاف ( ص 297)، وشرح السنة للبغوي ( 7/240). وقالالموزعيُّ الشافعيُّ، رحمه الله: لم يزل عمل النَّاس على هذا، قديماً وحديثاً، فيجميع الأمصار والأقطار، فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها، ولا يتسامحون للشابَّة،ويرونه عورة ومنكراً، وقد تبين لك وجه الجمع بين الآيتين، ووجه الغلط لمن أباحالنَّظر إلى وجه المرأة لغير حاجة. والسلف والأئمة كمالك والشافعيِّ وأبي حنيفةوغيرهم لم يتكلموا إلا في عورة الصلاة، فقال الشافعيُّ ومالك: ما عدا الوجهوالكفين، وزاد أبو حنيفة: القدمين، وما أظنُّ أحداً منهم يُبيح للشابَّة أن تكشفوجهها لغير حاجة، ولا يبيح للشابِّ أن ينظر إليها لغير حاجة (تيسير البيان لأحكامالقرآن 2/1001).



خامسا: أقوال أئمتنا من المحققين:
قال الشوكانيرحمه الله في السيل ال**** (2/180) :"وأما تغطية وجه المرأة – يعني في الإحرامفلما روي أن إحرام المرأة في وجهها ولكنه لم يثبت ذلك من وجه يصلح للاحتجاج به،وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث عائشة قالت: كان الركبان يمرون بناونحن مع رسول الله -صلى الله عليه وآله سلم- محرمات فإذا حاذونا سدلت إحداناجلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه "، وليس فيه ما يدل على أن الكشفلوجوههنَّ كان لأجل الإحرام، بل كنّ يكشفن وجوههن عند عدم وجوب من يجب سترها منه،ويسترنها عند وجود من يجب سترها منه. قال العلامة بكر أبو زيد: معلوم أن العملالمتوارث المستمر من عصر الصحابة -رضي الله عنهم- فمن بعدهم حجة شرعية يجب اتباعها،وتلقيها بالقبول، وقد جرى الإجماع العملي بالعمل المستمر المتوارث بين نساءالمؤمنين على لزومهن البيوت، فلا يخرجن إلا لضرورة أو حاجة، وعلى عدم خروجهن أمامالرجال إلا متحجبات غير سافرات الوجوه، ولا حاسرات عن شيء من الأبدان، ولا متبرجاتبزينة، واتفق المسلمون على هذا العمل المتلاقي مع مقاصدهم في بناء صرح العفةوالطهارة والاحتشام والحياء والغيرة، فمنعوا النساء من الخروج سافرات الوجوه،حاسرات عن شيء من أبدانهن أو زينتهن. فهذان إجماعان متوارثان معلومان من صدرالإسلام، وعصور الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حكى ذلك جمع من الأئمة، منهم الحافظابن عبد البر، والإمام النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم رحمهم الله تعالى،واستمر العمل به إلى نحو منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وقت انحلال الدولةالإسلامية إلى دول.
الأدلة من النظر:
قال الشنقيطيُّ، رحمه الله: إنَّالمنصف يعلم أنَّه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنِّساء في الكشف عن الوجه أمامالرِّجال الأجانب، مع أنَّ الوجه هو أصل الجمال والنَّظر إليه من الشابَّة الجميلةهو أعظم مثير للغرائز البشريَّة، وداع إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي. (أضواءالبيان تفسير القرآن بالقرآن 6/602). ويتَّضح مما سبق جلياً ظاهراً أن قول الجمهورهو القول بعورة وجه المرأة، بل حكى الإجماع على ذلك أئمة يعتمد نقلهم للإجماع وهم: • ابن عبد البر من المالكية المغاربة. • والنووي من الشافعية المشارقة . • وابنتيمية من الحنابلة. • وحكى الاتفاق السهارنفوري، والشيخ محمد شفيع الحنفي منالحنفية. فهل يبقى بعد ذلك حجة لمدعٍ أن قول الجمهور خلاف ذلك ؟.
تنبيهانمهمان:
الأول: أنه لا يجوز إطلاق كلام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بجوازكشف الوجه دون تقييده بأن المستحب هو تغطية الوجه. • ثانيًا: على كل باحث في هذهالمسألة أن يتجرد في البحث، جاعلاً مراقبة الله نصب عينيه، ثم معرفة مفاتح العلم،فالبعض يلتقط أقوالاً من كتاب الصلاة، ولا يراجع كتاب الحج والنظر للمخطوبة، فيقعفي الخلط والخطأ في نسبة الأقوال دون تحقيق وتمحيص. وبعد فهذا ما تيسَّر جمعه نصرةلأئمتنا أن ينسب لهم ما لم يصح عنهم، وحماية لجناب المرجعية العلمية الأصيلة، وعدمالخلط والتشويه للعلم وأهله. أسأل الله –تعالى- أن ينفع بما كتبت، وأن يجعله لوجههخالصًا، ولسنة نبيه متبعاً، والحمد لله رب العالمين. ملحوظة: اعتمدت كثيراً علىالكتاب الماتع النافع الأدلة المطمئنة على أن الحجاب طهر وعز للمؤمنة، لفضيلة الشيخأحمد بن عبد العزيز الحمدان حفظه الله تعالى.