المصرية
New member
- إنضم
- 2007/05/18
- المشاركات
- 1,164
يقول كاتب القصة :
أي شخص كان قد رآني متسلقاً سور المقبرة في هذه الساعة من الليل، كان سيقول: أكيد مجنون، أو أن لديه مصيبة. والحق أن لديَّ مصيبة، كانت البداية عندما قرأت عن سفيان الثوري - رحمه الله: أنه كان لديه قبراً في منـزله يرقد فيه وإذا ما رقد فيه نادى: (رب ارجعون .. رب ارجعون) )
ثم يقوم منتفضاً ويقول : ها أنت قد رجعت فماذا أنت فاعل ؟
حدث أن فاتتني صلاة الفجر، وهي صلاة من كان يحافظ عليها، ثم فاتـته فسيحس بضيقة شديدة طوال اليوم عند ذلك
تكرر معي نفس الأمر في اليوم الثاني، فقلت لابد وأن في الأمر شيء، ثم تكررت للمرة الثالثة على التوالي؛ هنا كان لابد من الوقوف مع النفس وقفة حازمة لتأديبها حتى لا تركن لمثل هذه الأمور فتروح بي إلى النار قررت أن أدخل القبر حتى أؤدبها !
ولابد أن ترتدع وأن تعلم أن هذا هو منـزلها ومسكنها إلى ما يشاء الله. وكل يوم أقول لنفسي دع هذا الأمر غداً وجلست أسوف في هذا الأمر حتى فاتـتني صلاة الفجر مرة أخرى
حينها قلت: كفى . وأقسمت أن يكون الأمر هذه الليلة.
ذهبت بعد منتصف الليل، حتى لا يراني أحد، وتفكرت: هل أدخل من الباب ؟ حينها سأوقظ حارس المقبرة! أو لعله غير موجود! أم أتسور السور ؟
إن أوقظته لعله يقول لى
تعال في الغد، أو حتى يمنعني ، وحينها يضيع قسمي، فقررت أن أتسور السور ..
رفعت ثوبي وتلثمت بشماغي واستعنت بالله وصعدت، برغم أنني دخلت هذه المقبرة كثيراً كمشيع، إلا أنني أحسست أنني أراها لأول مرة
ورغم أنها كانت ليلة مقمرة، إلا أنني أكاد أقسم أنني ما رأيت أشد منها سواداً تلك الليلة، كانت ظلمة حالكة، سكون رهيب.
هذا هو صمت القبوربحق، تأملتها كثيراً من أعلى السور، واستـنشقت هوائها، نعم إنها رائحة القبور، أميزها عن ألف رائحة، رائحة الحنوط، رائحة بها طعم الموتالصافي.
وجلست أتفكر للحظات مرت كالسنين .. إيا أيتها القبور، ما أشد صمتك وما أشد ما تخفينه، ضحك ونعيم، وصراخ وعذاب أليم،ماذاسيقول لي أهلك لو حدثتهم ؟
لعلهم سيقولون قولة الحبيب صلىالله عليه والسلام : ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم ).
قررتأن أهبط حتى لا يراني أحدفي هذه الحالة، فلو رآني أحد فإما سيقول أنني مجنون وإما أن يقول لديه مصيبة، وأي مصيبة بعد ضياع صلاة الفجر عدةمرات.
هبطت داخل المقبرة، وأحسست حينها برجفة في القلب، والتصقت بالجدار ولا أدري لأحتمي من ماذا؟
عللت ذلك لنفسي بأنه خشية منالمرور فوق القبور وانتهاكها، أنالست جباناً، لكنني شعرت بالخوف حقا !نظرت إلى الناحيةالشرقية والتي بها القبورالمفتوحة والتي تنتظر ساكنيها. إنها أشد بقع المقبرةسواداً ، وكأنها تناديني، مشتاقة إليَّ : متى ستكون فيَّ؟
أمشي محاذراً بين القبور،وكلما تجاوزت قبراًتساءلت أشقي أم سعيد ؟ شقي بسبب ماذا؟ أضيّع الصلاة ؟ أم كان من أهل الغناء والطرب؟ أم كان من أهل الزنى؟
لعل من تجاوزت قبره الآن كان يظن أنه أشد أهل الأرض قوة، وأن شبابه لن يفنى؟ وأنه لن يموت كمن ماتقبله؟ أم أنه كان يقول: ما زال في العمر بقية، سبحان من قهر الخلق بالموت.
أبصرت الممر، حتى إذا وصلت إليه،ووضعت قدمي عليه، أسرعت نبضات قلبي فالقبور يميني ويساري، وأنا ارفع نظري إلى الناحية الشرقية، ثم بدأت أولى خطواتي، بدت وكأنها دهر، أين سرعة قدمي؟ ما أثقلهماالآن، تمنيتأن تطول المسافة ولا تنتهي ابداً، لأنني أعلم ما ينتظرني هناك.
اعلم، فقد رأيت القبر كثيرا، ولكن هذه المرةمختلفة تماماً أفكار عجيبة، أكاد أسمع همهمة خلف أذني، نعم، أسمع همهمة جليّة، وكأن شخصاً يتنفس خلف أذني، خفت أن أنظرخلفي، خفت أن أرى أشخاصاً يلوحون إليّ من بعيد، خيالات سوداء تعجب من القادم في هذا الوقت، بالتأكيد أنها وسوسة من الشيطان،لايهمني شيء طالما أنني قد صليت العشاء في جماعه.
أخيراً، أبصرت القبورالمفتوحة، أقسم للمرة الثانية أنني ما رأيت أشد منها سواداً، كيفأتتني الجرأة حتى أصل بخطواتي إلى هنا ؟ بل كيفسأنزل في هذا القبر ؟ وأي شئ ينتظرني في الأسفل ؟ فكرت بالإكتفاء بالوقوف و أن أصوم ثلاثةأيام تكفيراً لقسمي .
ولكن لا ....
لن أصل إلى هنا ثم أقف، يجب أن أكمل، ولكن لن أنزل إلى القبر مباشرة، بل سأجلس خارجه قليلاً حتى تأنس نفسي. ماأشد ظلمته، وما أشد ضيقه، كيف لهذه الحفرة الصغيرة أن تكون حفرة من حفرالنار أو روضة من رياض الجنة؟ سبحان الله.
يبدو أن الجو قدإزدادبرودة، أم هي قشعريرة فيجسدي من هذا المنظر؟ هل هذا صوت الريح ؟ ليس ريحاً،لا أرى ذرة غبار في الهواء، هل هي وسوسة أخرى؟
استعذت بالله من الشيطان الرجيم، ثم أنزلت الشماغ ووضعته على الأرض ثم جلست وقد ضممت ركبتي أمام صدري أتأمل هذا المشهد العجيب، إنهالمكان الذي لا مفر منه أبداً، سبحان الله، نسعى لكي نحصل على كل شيء، وهذه هي النهاية: لاشئ .
كم تنازعنا في الدنيا، اغتبنا، تركنا الصلاة، آثرنا الغناءعلى القرآن، والكارثة أننا نعلم أن هذا مصيرنا، وقد حذّرنا الله منه ورغم ذلك نتجاهل.
أشحت بوجهي ناحية القبور وناديتهم بصوت خافت، وكأني خفت أن يرد عليّ أحدهم: يا أهل القبور ، مالكم ؟ أين أصواتكم ؟ أين أبناؤكم عنكم اليوم؟ أين أموالكم؟ أين وأين؟ كيف هو الحساب ؟ أخبروني عن ضمة القبر، أتكسر الأضلاع ؟أخبروني عن منكر و نكير،أخبروني عن حالكم مع الدود !
سبحان الله، نستاء إذا قدم لنا أهلنا طعام بارد أو لا يوافق شهيتنا، واليوم .. نحنالطعام، لابد من النزول إلىالقبر .
قمت وتوكلت على الله، ونزلت برجلي اليمين، وافترشت شماغي،ووضعت رأسي وأنا أفكر، ماذا لو انهال عليَّ التراب فجأة؟ماذا لو ضُم القبر عليَّ مرة واحدة؟
نمت على ظهري وأغلقت عينيَّ حتى تهدأضربات قلبي، حتى تخف هذه الرجفة التي في الجسد، ما أشده من موقف وأنا حي . فكيف سيكون عند الموت؟
فكرت أن أنظر إلى اللحد، هو بجانبي،والله لا أعلم شيئاً أشد منه ظلمة، ياللعجب! رغم أنه مسدود من الداخل إلاأنني أشعر بتيارمن الهواء البارد يأتي منه! فهل هو هواء بارد أم هي برودةالخوف ؟ خفت أن أنظر إليه فأرى عينان تلمعان في الظلام وتنظران إليَّ بقسوة. أوأن أرىوجهاً شاحباً لرجل تكسوه علامات الموت ناظراً إلى الأعلى متجاهلني تماماً، حينها قررت أن لا أنظرإلى اللحد.
ليس بي من الشجاعه أن أخاطر وأرىأياً من هذه المناظر رغم علمي أن اللحد خالياً، ولكن تكفي هذه المخاوف حتىأمتنع تماماً عن النظر إليه .تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهويحتضر (لا إله إلا الله .. إن للموت سكرات( تخيلت جسدي عند نزول الموت يرتجف بقوة وأنا أرفع يدي محاولاً إرجاع روحي. وتخيلت صراخ أهلي عالياً من حولي : أين الطبيب؟ أين الطبيب ؟
( فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين )
تخيلت الأصحاب يحملونني ويقولون : لا إله إلا الله، تخيلتهم يمشون بي سريعاً إلى القبر، وتخيلت أحب أصدقائي إلي وهو يسارع لأن يكون أول من ينـزل إلى القبر، تخيلته يضع يديه تحت رأسي ويطالبهم بالرفق حتى لا أقع، يصرخ فيهم: جهزوا الطوب.
وتخيلت أحمد يجري ممسكاً إبريقاً من الماء يناولهم إياه بعدما حثوا عليَّ التراب، تخيلت الكل يرش الماء على قبري، تخيلت شيخنا يصيح فيهم : ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل، ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل .
ثم رحلوا، وتركوني فرداً وحيداً، تذكرت قول الله تعالى: ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة، وتركتم ماخوّلناكم وراء ظهوركم )
نعم صدق الله، تركت زوجتي، فارقت أبنائي، تخلـيّت عن مالي، أو هوتخلى عني .تخيّلت كأن ملائكة العذاب حينرأوا النعش قادماً، ظهروابأصوات مفزعة، وأشكال مخيفة، ينادي بعضهم بعضاً: أهو العبد العاصي؟ فيقول الآخر: نعم. فيقال: أمشيع متروك أم محمول ليس له مفر؟ فيجيبه الآخر: بل محمول إلينا ليس له مفر. فينادى : هلموا إليه حتى يعلم أن الله عزيز ذوانتقام.
رأيتهم يمسكون بكتفي ويهزونني بعنف قائلين: ماغرك بربك الكريم ؟ ما غرك بربك الكريم حتى تنام عن الفريضة .. ما الذي خدعك حتى عصيت الواحد القهار؟ أهي الدنيا؟ أما كنت تعلم أنها دار فناء؟ وقد فنيت! أهي الشهوات؟أما تعلم أنها إلى زوال؟ وقد زالت! أم هو الشيطان؟أما علمت أنه لك عدو مبين؟أمثلك يعصى الجبار،والرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته، لا نجاة لك منَّا اليوم، اصرخ ليس لصراخك مجيب.
فجلست اصرخ رب ارجعون، ربارجعون. وكأني بصوت يهز القبر والفضاء، يملأني يئساً يقول : ( كلاّ إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون )
بكيت ماشاء الله أن أبكي، ثم قلت: الحمدلله رب العالمين، مازال هناك وقت للتوبة، استغفر الله العظيم وأتوب إليه ثم قمت مكسوراً، وقدعرفت قدري، وبان لي ضعفي، أخذت شماغي وأزلت عنه ما بقى من تراب القبر ، وعدت وأنا أردد قول جبريل للحبيب صلى الله عليه وسلم:
(عش ما شئت فإنك ميت ، و أحبب من شئت فإنك مفارقه، و اعمل ما شئت فإنك مجزي به )
منقوووو ل للفائدة
أي شخص كان قد رآني متسلقاً سور المقبرة في هذه الساعة من الليل، كان سيقول: أكيد مجنون، أو أن لديه مصيبة. والحق أن لديَّ مصيبة، كانت البداية عندما قرأت عن سفيان الثوري - رحمه الله: أنه كان لديه قبراً في منـزله يرقد فيه وإذا ما رقد فيه نادى: (رب ارجعون .. رب ارجعون) )
ثم يقوم منتفضاً ويقول : ها أنت قد رجعت فماذا أنت فاعل ؟
حدث أن فاتتني صلاة الفجر، وهي صلاة من كان يحافظ عليها، ثم فاتـته فسيحس بضيقة شديدة طوال اليوم عند ذلك
تكرر معي نفس الأمر في اليوم الثاني، فقلت لابد وأن في الأمر شيء، ثم تكررت للمرة الثالثة على التوالي؛ هنا كان لابد من الوقوف مع النفس وقفة حازمة لتأديبها حتى لا تركن لمثل هذه الأمور فتروح بي إلى النار قررت أن أدخل القبر حتى أؤدبها !
ولابد أن ترتدع وأن تعلم أن هذا هو منـزلها ومسكنها إلى ما يشاء الله. وكل يوم أقول لنفسي دع هذا الأمر غداً وجلست أسوف في هذا الأمر حتى فاتـتني صلاة الفجر مرة أخرى
حينها قلت: كفى . وأقسمت أن يكون الأمر هذه الليلة.
ذهبت بعد منتصف الليل، حتى لا يراني أحد، وتفكرت: هل أدخل من الباب ؟ حينها سأوقظ حارس المقبرة! أو لعله غير موجود! أم أتسور السور ؟
إن أوقظته لعله يقول لى
تعال في الغد، أو حتى يمنعني ، وحينها يضيع قسمي، فقررت أن أتسور السور ..
رفعت ثوبي وتلثمت بشماغي واستعنت بالله وصعدت، برغم أنني دخلت هذه المقبرة كثيراً كمشيع، إلا أنني أحسست أنني أراها لأول مرة
ورغم أنها كانت ليلة مقمرة، إلا أنني أكاد أقسم أنني ما رأيت أشد منها سواداً تلك الليلة، كانت ظلمة حالكة، سكون رهيب.
هذا هو صمت القبوربحق، تأملتها كثيراً من أعلى السور، واستـنشقت هوائها، نعم إنها رائحة القبور، أميزها عن ألف رائحة، رائحة الحنوط، رائحة بها طعم الموتالصافي.
وجلست أتفكر للحظات مرت كالسنين .. إيا أيتها القبور، ما أشد صمتك وما أشد ما تخفينه، ضحك ونعيم، وصراخ وعذاب أليم،ماذاسيقول لي أهلك لو حدثتهم ؟
لعلهم سيقولون قولة الحبيب صلىالله عليه والسلام : ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم ).
قررتأن أهبط حتى لا يراني أحدفي هذه الحالة، فلو رآني أحد فإما سيقول أنني مجنون وإما أن يقول لديه مصيبة، وأي مصيبة بعد ضياع صلاة الفجر عدةمرات.
هبطت داخل المقبرة، وأحسست حينها برجفة في القلب، والتصقت بالجدار ولا أدري لأحتمي من ماذا؟
عللت ذلك لنفسي بأنه خشية منالمرور فوق القبور وانتهاكها، أنالست جباناً، لكنني شعرت بالخوف حقا !نظرت إلى الناحيةالشرقية والتي بها القبورالمفتوحة والتي تنتظر ساكنيها. إنها أشد بقع المقبرةسواداً ، وكأنها تناديني، مشتاقة إليَّ : متى ستكون فيَّ؟
أمشي محاذراً بين القبور،وكلما تجاوزت قبراًتساءلت أشقي أم سعيد ؟ شقي بسبب ماذا؟ أضيّع الصلاة ؟ أم كان من أهل الغناء والطرب؟ أم كان من أهل الزنى؟
لعل من تجاوزت قبره الآن كان يظن أنه أشد أهل الأرض قوة، وأن شبابه لن يفنى؟ وأنه لن يموت كمن ماتقبله؟ أم أنه كان يقول: ما زال في العمر بقية، سبحان من قهر الخلق بالموت.
أبصرت الممر، حتى إذا وصلت إليه،ووضعت قدمي عليه، أسرعت نبضات قلبي فالقبور يميني ويساري، وأنا ارفع نظري إلى الناحية الشرقية، ثم بدأت أولى خطواتي، بدت وكأنها دهر، أين سرعة قدمي؟ ما أثقلهماالآن، تمنيتأن تطول المسافة ولا تنتهي ابداً، لأنني أعلم ما ينتظرني هناك.
اعلم، فقد رأيت القبر كثيرا، ولكن هذه المرةمختلفة تماماً أفكار عجيبة، أكاد أسمع همهمة خلف أذني، نعم، أسمع همهمة جليّة، وكأن شخصاً يتنفس خلف أذني، خفت أن أنظرخلفي، خفت أن أرى أشخاصاً يلوحون إليّ من بعيد، خيالات سوداء تعجب من القادم في هذا الوقت، بالتأكيد أنها وسوسة من الشيطان،لايهمني شيء طالما أنني قد صليت العشاء في جماعه.
أخيراً، أبصرت القبورالمفتوحة، أقسم للمرة الثانية أنني ما رأيت أشد منها سواداً، كيفأتتني الجرأة حتى أصل بخطواتي إلى هنا ؟ بل كيفسأنزل في هذا القبر ؟ وأي شئ ينتظرني في الأسفل ؟ فكرت بالإكتفاء بالوقوف و أن أصوم ثلاثةأيام تكفيراً لقسمي .
ولكن لا ....
لن أصل إلى هنا ثم أقف، يجب أن أكمل، ولكن لن أنزل إلى القبر مباشرة، بل سأجلس خارجه قليلاً حتى تأنس نفسي. ماأشد ظلمته، وما أشد ضيقه، كيف لهذه الحفرة الصغيرة أن تكون حفرة من حفرالنار أو روضة من رياض الجنة؟ سبحان الله.
يبدو أن الجو قدإزدادبرودة، أم هي قشعريرة فيجسدي من هذا المنظر؟ هل هذا صوت الريح ؟ ليس ريحاً،لا أرى ذرة غبار في الهواء، هل هي وسوسة أخرى؟
استعذت بالله من الشيطان الرجيم، ثم أنزلت الشماغ ووضعته على الأرض ثم جلست وقد ضممت ركبتي أمام صدري أتأمل هذا المشهد العجيب، إنهالمكان الذي لا مفر منه أبداً، سبحان الله، نسعى لكي نحصل على كل شيء، وهذه هي النهاية: لاشئ .
كم تنازعنا في الدنيا، اغتبنا، تركنا الصلاة، آثرنا الغناءعلى القرآن، والكارثة أننا نعلم أن هذا مصيرنا، وقد حذّرنا الله منه ورغم ذلك نتجاهل.
أشحت بوجهي ناحية القبور وناديتهم بصوت خافت، وكأني خفت أن يرد عليّ أحدهم: يا أهل القبور ، مالكم ؟ أين أصواتكم ؟ أين أبناؤكم عنكم اليوم؟ أين أموالكم؟ أين وأين؟ كيف هو الحساب ؟ أخبروني عن ضمة القبر، أتكسر الأضلاع ؟أخبروني عن منكر و نكير،أخبروني عن حالكم مع الدود !
سبحان الله، نستاء إذا قدم لنا أهلنا طعام بارد أو لا يوافق شهيتنا، واليوم .. نحنالطعام، لابد من النزول إلىالقبر .
قمت وتوكلت على الله، ونزلت برجلي اليمين، وافترشت شماغي،ووضعت رأسي وأنا أفكر، ماذا لو انهال عليَّ التراب فجأة؟ماذا لو ضُم القبر عليَّ مرة واحدة؟
نمت على ظهري وأغلقت عينيَّ حتى تهدأضربات قلبي، حتى تخف هذه الرجفة التي في الجسد، ما أشده من موقف وأنا حي . فكيف سيكون عند الموت؟
فكرت أن أنظر إلى اللحد، هو بجانبي،والله لا أعلم شيئاً أشد منه ظلمة، ياللعجب! رغم أنه مسدود من الداخل إلاأنني أشعر بتيارمن الهواء البارد يأتي منه! فهل هو هواء بارد أم هي برودةالخوف ؟ خفت أن أنظر إليه فأرى عينان تلمعان في الظلام وتنظران إليَّ بقسوة. أوأن أرىوجهاً شاحباً لرجل تكسوه علامات الموت ناظراً إلى الأعلى متجاهلني تماماً، حينها قررت أن لا أنظرإلى اللحد.
ليس بي من الشجاعه أن أخاطر وأرىأياً من هذه المناظر رغم علمي أن اللحد خالياً، ولكن تكفي هذه المخاوف حتىأمتنع تماماً عن النظر إليه .تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهويحتضر (لا إله إلا الله .. إن للموت سكرات( تخيلت جسدي عند نزول الموت يرتجف بقوة وأنا أرفع يدي محاولاً إرجاع روحي. وتخيلت صراخ أهلي عالياً من حولي : أين الطبيب؟ أين الطبيب ؟
( فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين )
تخيلت الأصحاب يحملونني ويقولون : لا إله إلا الله، تخيلتهم يمشون بي سريعاً إلى القبر، وتخيلت أحب أصدقائي إلي وهو يسارع لأن يكون أول من ينـزل إلى القبر، تخيلته يضع يديه تحت رأسي ويطالبهم بالرفق حتى لا أقع، يصرخ فيهم: جهزوا الطوب.
وتخيلت أحمد يجري ممسكاً إبريقاً من الماء يناولهم إياه بعدما حثوا عليَّ التراب، تخيلت الكل يرش الماء على قبري، تخيلت شيخنا يصيح فيهم : ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل، ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل .
ثم رحلوا، وتركوني فرداً وحيداً، تذكرت قول الله تعالى: ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة، وتركتم ماخوّلناكم وراء ظهوركم )
نعم صدق الله، تركت زوجتي، فارقت أبنائي، تخلـيّت عن مالي، أو هوتخلى عني .تخيّلت كأن ملائكة العذاب حينرأوا النعش قادماً، ظهروابأصوات مفزعة، وأشكال مخيفة، ينادي بعضهم بعضاً: أهو العبد العاصي؟ فيقول الآخر: نعم. فيقال: أمشيع متروك أم محمول ليس له مفر؟ فيجيبه الآخر: بل محمول إلينا ليس له مفر. فينادى : هلموا إليه حتى يعلم أن الله عزيز ذوانتقام.
رأيتهم يمسكون بكتفي ويهزونني بعنف قائلين: ماغرك بربك الكريم ؟ ما غرك بربك الكريم حتى تنام عن الفريضة .. ما الذي خدعك حتى عصيت الواحد القهار؟ أهي الدنيا؟ أما كنت تعلم أنها دار فناء؟ وقد فنيت! أهي الشهوات؟أما تعلم أنها إلى زوال؟ وقد زالت! أم هو الشيطان؟أما علمت أنه لك عدو مبين؟أمثلك يعصى الجبار،والرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته، لا نجاة لك منَّا اليوم، اصرخ ليس لصراخك مجيب.
فجلست اصرخ رب ارجعون، ربارجعون. وكأني بصوت يهز القبر والفضاء، يملأني يئساً يقول : ( كلاّ إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون )
بكيت ماشاء الله أن أبكي، ثم قلت: الحمدلله رب العالمين، مازال هناك وقت للتوبة، استغفر الله العظيم وأتوب إليه ثم قمت مكسوراً، وقدعرفت قدري، وبان لي ضعفي، أخذت شماغي وأزلت عنه ما بقى من تراب القبر ، وعدت وأنا أردد قول جبريل للحبيب صلى الله عليه وسلم:
(عش ما شئت فإنك ميت ، و أحبب من شئت فإنك مفارقه، و اعمل ما شئت فإنك مجزي به )
منقوووو ل للفائدة