ابنة الشهيد
New member
- إنضم
- 2007/10/01
- المشاركات
- 374
الفصل الأول
ألقى عليّ قصاصة صغيرة و هو في طريقه إلى ركنه المعتاد في مقهى الياسمينة ( مقهى حارتنا الشعبي ),
ثم نادى بصوته الأجش.." كاس شاي يا محمد.."
بينما أنا تعمدت إلقاء الجريدة التي كانت في يدي, لأنزل لالتقاطها مع تلك القصاصة الورقية.. و من ثم لألتهم ما جاء فيها ..وأمزقها بسرعة مخافة من أن أكون قد لفت انتباه أحدهم إلي..
ثم أشرت إلى صاحبي في ركنه بإيماءة من رأسي بأن رسالتك قد وصلت..وسيكون اجتماعنا الليلة في المكان و الزمان المعينين...
و أكملت رشف ما بقي من قهوتي و أنا أستمع إلى صوت فيروز..و الذي كان يصدح من مذياع صغير قد علق في أحد أركان هذا المقهى المتهالك,, و أكوام من الصدأ و الغبار قد تراكمت عليه..
" لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي....
يا قدس...يا قدس..يا مدينة الصلاة....أصلي...
عيوننا إليك ترحل كل يوم..ترحل كل يوم.."
وتبادر إلى ذهني كيف أن القدس باتت مجرد مادة للأغاني و ملهما للشعراء...من بعد ما كانت أولى القبلتين..ومسرى آخر الأنبياء..
وكيف أن كثيرين منا أمام سمو مثل هذه الأغنية و غيرها... يتناسى ما أن القدس بحاجة إليه لكي تتحرر, أكبر بكثير من مجرد لحن و طرب..
قطع عليّ حبل أفكاري انتباهي إلى أن الساعة قد جاوزت الثامنة صباحا بقليل..أي أني قد تأخرت بعض الشيء على والدتي,, والتي كانت تنتظرني لأقلها إلى المستشفى ..إذ كانت على موعد مع الطبيب المختص..
قفزت إلى سيارتي ..وأدرت محركها على عجل ..ثم انطلقت أجوب شوارع المدينة باتجاه المنزل..و ذهني كان مشغولا تماما بوالدتي و الذبول الواضح الذي قد استبد بكيانها مؤخرا..
" مسكينة هي أمي..بهالة المعاناة الأزلية التي اكتنفتها منذ سنين...و بسطور الحزن الجلية التي أبت إلا أن تـُرسم على بؤبؤي عينيها....
سنين و أعوام قد مرت على حادثة استشهاد أخي محمود..و لكن ألم الذكرى و الفراق ما زال محفورا ً على شغاف قلبها المفجوع ...
ربما كنت في الثامنة حينها..أو أكبر بقليل ..و كنت بالكاد أفقه معنى الثورة و التمرد..و لكنني ما زلت أذكر بوضوح صورة جموع المهنئين المعزين..
و هم يتهافتون إلى صحن الدار ..حيث كان الشهيد ممددا بدمائه ..بانتظار أن يحمل إلى مثواه الأخير..إلى تحت الثرى
و هم يتهافتون إلى صحن الدار ..حيث كان الشهيد ممددا بدمائه ..بانتظار أن يحمل إلى مثواه الأخير..إلى تحت الثرى
آآآه..جميعنا من الأرض و إليها..
حاولت والدتي الصمود أمام خبر استشهاده..و ربما تقبلت تهاني المعزين بالزغاريد أو بما يشبه الابتسامة..شأنها في ذلك شأن كل أمهات الشهداء..
و لكن قلبها تصدع بهذه الفاجعة..و دموعها ما زالت إلى اليوم تترقرق كزلال عذب ٍ بالألم..متى ما ذُكر اسمه..أو وقفت تتأمل صورته بشوق و حنين..
و لست أدري كم من الوقت قد مضى علي ّ و أنا رهين أفكاري و أحزاني..و لكني أفقت بعد حين لأجد نفسي على أعتاب المنزل..حيث كانت والدتي تنتظرني لأقلها إلى المستشفى ,, و هكذا صار..
يتبع..
التعديل الأخير بواسطة المشرف: