من نبض البطولة.. ( قصة )

الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
إنضم
2007/10/01
المشاركات
374
194358876.gif






الفصل الأول




ألقى عليّ قصاصة صغيرة و هو في طريقه إلى ركنه المعتاد في مقهى الياسمينة ( مقهى حارتنا الشعبي ),



ثم نادى بصوته الأجش.." كاس شاي يا محمد.."



بينما أنا تعمدت إلقاء الجريدة التي كانت في يدي, لأنزل لالتقاطها مع تلك القصاصة الورقية.. و من ثم لألتهم ما جاء فيها ..وأمزقها بسرعة مخافة من أن أكون قد لفت انتباه أحدهم إلي..



ثم أشرت إلى صاحبي في ركنه بإيماءة من رأسي بأن رسالتك قد وصلت..وسيكون اجتماعنا الليلة في المكان و الزمان المعينين...



و أكملت رشف ما بقي من قهوتي و أنا أستمع إلى صوت فيروز..و الذي كان يصدح من مذياع صغير قد علق في أحد أركان هذا المقهى المتهالك,, و أكوام من الصدأ و الغبار قد تراكمت عليه..



" لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي....


يا قدس...يا قدس..يا مدينة الصلاة....أصلي...


عيوننا إليك ترحل كل يوم..ترحل كل يوم.."



وتبادر إلى ذهني كيف أن القدس باتت مجرد مادة للأغاني و ملهما للشعراء...من بعد ما كانت أولى القبلتين..ومسرى آخر الأنبياء..



وكيف أن كثيرين منا أمام سمو مثل هذه الأغنية و غيرها... يتناسى ما أن القدس بحاجة إليه لكي تتحرر, أكبر بكثير من مجرد لحن و طرب..



قطع عليّ حبل أفكاري انتباهي إلى أن الساعة قد جاوزت الثامنة صباحا بقليل..أي أني قد تأخرت بعض الشيء على والدتي,, والتي كانت تنتظرني لأقلها إلى المستشفى ..إذ كانت على موعد مع الطبيب المختص..



قفزت إلى سيارتي ..وأدرت محركها على عجل ..ثم انطلقت أجوب شوارع المدينة باتجاه المنزل..و ذهني كان مشغولا تماما بوالدتي و الذبول الواضح الذي قد استبد بكيانها مؤخرا..


" مسكينة هي أمي..بهالة المعاناة الأزلية التي اكتنفتها منذ سنين...و بسطور الحزن الجلية التي أبت إلا أن تـُرسم على بؤبؤي عينيها....

سنين و أعوام قد مرت على حادثة استشهاد أخي محمود..و لكن ألم الذكرى و الفراق ما زال محفورا ً على شغاف قلبها المفجوع ...

ربما كنت في الثامنة حينها..أو أكبر بقليل ..و كنت بالكاد أفقه معنى الثورة و التمرد..و لكنني ما زلت أذكر بوضوح صورة جموع المهنئين المعزين..
و هم يتهافتون إلى صحن الدار ..حيث كان الشهيد ممددا بدمائه ..بانتظار أن يحمل إلى مثواه الأخير..إلى تحت الثرى

آآآه..جميعنا من الأرض و إليها..

حاولت والدتي الصمود أمام خبر استشهاده..و ربما تقبلت تهاني المعزين بالزغاريد أو بما يشبه الابتسامة..شأنها في ذلك شأن كل أمهات الشهداء..

و لكن قلبها تصدع بهذه الفاجعة..و دموعها ما زالت إلى اليوم تترقرق كزلال عذب ٍ بالألم..متى ما ذُكر اسمه..أو وقفت تتأمل صورته بشوق و حنين..

و لست أدري كم من الوقت قد مضى علي ّ و أنا رهين أفكاري و أحزاني..و لكني أفقت بعد حين لأجد نفسي على أعتاب المنزل..حيث كانت والدتي تنتظرني لأقلها إلى المستشفى ,, و هكذا صار..

يتبع..
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
الفصل الثاني


أركنت سيارتي في شارع خالد بن الوليد ( أحد شوارع المدينة الفرعية ) ,,ثم نزلت منها و أنا أحكم من وضع سترتي فقد كان الجو ضبابيا ً شديد البرودة.. كما أن بعض زخات المطر الخفيفة كانت قد بدأت بالسقوط..

عقارب ساعتي كانت تشير إلى الثالثة فجرا ..أي في تمام الموعد المحدد... و لذا فإنني هرعت مشيا عبر دهاليز الأحياء بحثا عن العنوان المتفق عليه..

أخذت أتنقل حذرا من حي إلى آخر ..و أنا أتلفت ما بين الفينة و الأخرى يمينا و يسارا..خوفا من عيون تترقب تحركاتي..
و عندما تأكدت أن لا أحد هناك يتبعني..و لجت إلى داخل مبنى قديم..حيث كان مقر الاجتماع..

كان هناك ما يقرب الخمسة عشر شخصا..شملتهم جميعا بتحيتي..ثم اتخذت مجلسي على أحد الكراسي المصفوفة حول طاولة مستديرة..قدالتف الجميع حولها..

و مع أن الإضاءة كانت خافتة جدا.. و بالكاد أستطيع تمييز الملامح و الوجوه..إلا أنني شعرت بنظرات الجميع تلتهمني..فقد كنت على ما يبدو محور حديثهم قبل وصولي..
و صدق حدسي..إذ قاطع القائد ( أو ليث كما اعتدنا أن نسميه ) أفكاري... ليناولني ظرفا مغلفا..و شي كأنه جواز سفر..!!

- هاك ياسر..هذه بعض الأوراق الثبوتية..و جواز سفرك..
- نعم؟؟.. جواز سفري..؟؟!! لماذا؟؟!!
- جاءني أمر بضرورة نقلك إلى الشمال ..الأوضاع هاهنا غير مستقرة..و احتمال نشوب الحرب يزداد مع كل لحظة تمر..
- و لكن..كيف يتم هكذا التجهيز إلى سفري..حتى دون أخذ إذن مسبق مني..؟!!
- لست وحدك من سيسافر هناك..أمجد و سامي أيضا ً ..و من ثم أن سفركم لن يكون طويلا..أربعة شهور فقط..لحين تستقر الأوضاع السياسية في المنطقة..
- و لكن أيها القائد..أنا عندي بعض الظروف ال..

و لم يدعني حتى أكمل عبارتي إذ قاطعني حازما..
- إنها الأوامر يا ياسر ..سفركم سيكون بعد ثلاثة أيام..

أطرقت رأسي راضخا و أنا أتمتم قائلا ..
"حسنا أيها القائد.."

في حين أن صراعا للخواطر أخذ يدور رحاه في أعماقي و صورة أمي المريضة تتطافر أمام مخيلتي ..

كيف لي الرحيل عنها..و موعد عمليتها المرتقبة منذ أزمان سيكون بعد شهر كما حدده الطبيب يوم أمس..؟!!


و انشغال فكري بما تقرر من أمر السفر العاجل..جعلني أفقد تركيزي و حماسي في المشاركة في حديث المجتمعين..
و بالكاد أدركت أن حديثهم يتمحور غالبا حول ما استجد من أوضاع سياسية في المنطقة..و احتمال نشوب الحرب المرتقبة..

و انفض الاجتماع بعد ساعتين تقريبا ..بعد أن وزع القائد المهمات علينا..

فأحمد سيتكفل بطباعة المنشورات..و سعيد و منير بتوزيعها.. و البقية ما بين مراقبة و تجهيز بعض الصفقات للتزويد بالسلاح و غيره...

بينما أنا و أمجد و سامي ..كان يتحتم علينا الاستعداد للسفر..و الذي سيكون هده المرة بحرا..لأنه الوسيلة الأكثر أمانا هذه الأيام..
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
الفصل الثالث


كانت التعليمات تقتضي بضرورة التكتم على أمر السفر...حتى عن أقرب المقربين..
و بالكاد سمحوا لي بالارتماء بين أحضان والدتي المريضة..لألتمس منها الدعاء ..فالغد الذي يترقبني مكبل ٌ بالمجهول..

كما أردت صادقا الاستسماح منها لعلها تعذرني..فشعور بالخيانة و العقوق كان يلازمني..
فها أنا مسافر بعد حين..تاركا إياها وحيدة تصارع المرض و الهم..

كانت لحظات الوداع جدا عصيبة..و قد حفرت ببصماتها على ذاكرتي .

فكانت تطفو بين الفينة و الأخرى..و أنا أمخر عباب الموج على ظهر تلك السفينة المتوجهة بنا إلى أرض الشمال...حيث الغربة و المجهول..

على صفحة المياه الراكدة..كانت تتجسم لي صورة أمي ..و هي تدفعني دفعا من على فراشها..بكل فخر و مكابرة..
و ذلك لتسهل لحظة الوداع على كلينا..في حين أني كنت أشعر بلهيب عذاب يجتاح قرارة أعماقها..فقد كانت في داخلها تبكيني بشدة..

و كذلك صورة أختي فاطمة ..و التي وقفت بكل شموخ و صمود لتقبل هامة رأسي..و عينيها تغالب الدمع على استحياء..

في حين وضعت أنا يدي على بطنها المنتفخ..
( إذ كانت فاطمة حبلى في شهرها الرابع) و قلت مازحا في محاولة مني لتلطيف الجو..و التخفيف من حدة الفراق..

" أخبري أبنك بألا يخرج للنور قبل عودة خاله...فأنا سأعود بعد أربعة شهور.."

و ربما شهدت مياه البحر بعض من عبراتي..التي أطلقت لها العنان لبرهة من الزمن..
و لكني سرعان ما مسحت أثارها مستنكرا...لأنني أعلم جيدا في قرارة أعماقي..أن هذا هو دربي الذي اخترته على علم مسبق بأنه درب مملوء بالشوك و التضحية و المجازفات..
و ما أنا فيه الآن ..إلا واحدة من التضحيات الكثيرة..التي نقدمها تلبية لنداء الواجب..و لكي لا نخضع لسيطرة الظلم و العدوان..

في فجر اليوم الثالث..و بعد مسيرة ليلتين مسهدتين لم أستطع النوم فيهما..نزلنا جميعا إلى ميناء الشمال ..بادئين حياة الغربة الجديدة...

و هناك تلقانا أحدهم ..من كان يدعى بناصر.. ( مع أني أشك أن هذا هو اسمه الحقيقي )..
فكل منا لديه عدة أسماء و عدة شخصيات..فرضتها علينا الظروف السياسية و الاجتماعية المتقلبة في البلاد..

و أوصلنا ناصر هذا إلى ما يشبه النزل المتهالك ..تاركا إيانا هناك على وعد منه بزيارتنا في صباح الغد..
و سرعان ما ارتمى كل واحد منا على سريره بعد رحيل ناصر مباشرة..فقد كانت الراحة و النوم العميق هو ما أجسامنا المنهكة بحاجة إليه بعد عناء سفر شاق..

يتبع..
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
متابعين باقى الأحداث المشوقة

لا تغيبى طويلا

بانتظاركِ غاليتى

تحيتى
 
رووووعه عزيزتي واصلي إلى الأمام

دمتي بود
 
الفصل الرابع..


في صباح اليوم التالي..جاءنا ناصر حاملا معه طعام الإفطار...

و اجتمعنا حول طاولة صغيرة ..قد صف عليها اللبنة و الجبنة و الزيتون البلدي.. طعام أهل الريف الشهي..
بعد انتهائنا من الأكل ..اعتدل كل منا في جلسته..و تناولت أنا كأس الشاي..و بدأت أرشف منه ببطء..

بينما كنت أرقب بطرف خفي صاحبي سامي..و الذي أشعل سيجارته و أخذ يدخن بعصبية واضحة..
بل لست أظنه توقف عن التدخين منذ أن غادرنا الوطن ...بينما كان أمجد شاردا غير عابئ و لا مكترث...

-" هذا النزل ملك لسيده عجوز..توفي زوجها في حرب الخليج..دون أن يخلف أيا من الأبناء..و لذا فإنها نذرت حياتها في رعاية المغتربين و الطلبة.."


هكذا بدأ ناصر حديثه معنا..ربما ليخلق جوا من الألفة فيما بيننا...
و لكنه سرعان ما أدار دفة الحديث بعد ذلك إلى المهام الملقاة على عاتق كل منا..في ديار الغربة هذه..

و خصني أنا بتتبع أخبار الصحافة و تحليلها..و كتابة بعض المقالات ليتم نشرها في صحيفة الشرق..الصادرة من هنا..
كما زودني بهاتف دار النشر لترتيب موعد مع الصحفية علياء ( إحدى الصحفيات المشهورة على مستوى الوطن )...
و ذلك لمناقشة الوضع السياسي الراهن معها..و غير ذلك..

كما زود كل منا ( بموبايل ) و مبلغ من المال ..لنتدبر به أمورنا و احتياجاتنا..و ذلك ريث إشعار آخر و أوامر مرتقبة من مقر الجبهة..

أسرعت بالاتصال إلى أختي فاطمة لأطمئن على والدتي..و ما استجد على حالتها الصحية من تطور..كما طمأنتهم في المقابل علي ّ و أخبرتهم عن أم محمد ( مالكة النزل ) و كيف أننا محط رعايتها و كأننا بالفعل أبناؤها من حرمتها الأقدار نعمة إنجابهم,,

بعد هذا التلفون الذي شحذ همتي و أراح قلبي..اتصلت مترددا إلى المدعوة علياء
( الصحفية ) ..
إلا أنني و بمجرد سماعي إلى صوتها المتناعم في الهاتف..انقبضت جميع عضلات صدري..
إذ لم أرتح مطلقا لها و لا لصوتها..و لكنني مجبر على مقابلتها..تلبية لنداء الواجب الذي من أجله أ ُجبرت على ترك أمي..و أرض الوطن..

أو هكذا حاولت إقناع نفسي و ضميري..متخذا من صوت الواجب و صدى الظروف و الواقع..عذرا للقاء مثل هذه المرأة..
و ما كان مني إلا أن أحدد معها موعدا على وجه السرعة بعد غد..للتخلص سريعا منها و من هذه المهمة المربكة..
في تمام الموعد المحدد..كنت واقفا عند بابها في مقر الصحيفة ..طرقت الباب بلطف..ليجيئني صوت أنثوي ناعم..آذنا لي بالدخول..
و ولجت إلى داخل مكتبها مترددا..بعد أن أخذت نفسا عميق..و كأنني في طريقي لمقابلة وحش آدمي..
يتبع>>
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
الفصل الخامس..


و بالفعل فأول ما لفت نظري كان هو شعرها المتموج و بشدة..فقد تلونت خصلاته بلون أصفر غريب..هو أقرب إلى لون النار منه إلى الشقارة..
هذا عدا عن تلك الأصباغ الكثيرة التي لطخت بها وجهها..و ملابسها الضيقة الفاضحة...

كل هذا زاد من نفوري ..و انقباض صدري...
فتمنيت في أعماقي لو أنتهي بسرعة من مهمتي هذه..لأغادر هذا المكتب دونما رجعه..
فأمثال هذه يثيرون اشمئزازي و حنقي..و ربما يثيرون كذلك بعض الشفقة في أعماقي...لأنها و إن وصلت إلى مراتب في العلم و الشهرة.. فقد فقدت حلاوة الإيمان و الالتزام..

-"أهلا وسهلا..تفضل.."

قالتها لي مرحبة و هي تمد يدا للمصافحة..

إلا أني وجمت في مكاني مرتبكا..فأنا أبدا لم أعتد على مصافحة النساء..
فما كان مني إلا أن أرفع يدي إلى صدري..مكتفيا بهذا النوع من التحية عن بعد..تاركا يدها تصافح الفراغ...
أطلقت علياء ضحكة مصطنعة لتواري بها ارتباكها قائلة..
-" آآه لا بأس....لا بد أنك منهم...عموما تفضل بالجلوس.."

و لست أدري من كانت تقصد بعبارتها هذه..ربما كانت تقصد المتصوفين..أو ربما حتى المتخلفين...
فابتسمت في داخلي على طريقة تفكيرها..فهل بات التمسك بالمبادئ و أوامر الإسلام ..ضربا من التصوف و التخلف؟؟!!!

و انفض اجتماعي معها بعد ساعة مرت كأنها دهر..
لأسرع إلى خارج دار النشر..و لأطلق تنهيدة عميقة...فقد كان وجودي في الداخل مع هذا الشيطان الآدمي..كفيل بإرباكي..و خنقي...

عدت بعد ذلك إلى النزل ..مارا في طريقي عبر حقول الريف..لأبث أشجاني و لواعج الاغتراب المتفاقمة في أعماقي إلى أغصان الأشجار المتشابكة..و لأ ُسمع العنادل و الطيور خفقات قلبي الولهان..و صدى الحنين الجارف لأهلي و لتراب الوطن..

هناك على أعتاب النزل استقبلتني أم محمد..بابتسامتها البشوشة..و حنانها الأمومي المتدفق..و مع أن وجهها كان مستبشرا..إلا أني لمحت بعض ملامح الإعياء قد تمازجت مع معالم وجهها..فسألتها مهتما..
- هل تشعرين بخير يا خالة؟؟"
- ها؟؟ و ماذا ترى يا ولدي؟؟ .. لا تخف..فأنا ما زلت شابة لم أتجاوز الثلاثين بعد من عمري.."
قالت عبارتها هذه مازحة..مع أنها لم تفلح في تبديد شعوري بإعيائها الواضح..
ثم طلبت مني بعد ذلك الإسراع إلى تبديل ملابسي..و النزول لتناول الغذاء...فهناك ضيف مهم سيأتي لتناول غذاؤه معنا ..

و تساءلت في أعماقي .." يا ترى..من هو هذا الضيف المهم؟؟!!"

بعد دقائق كنت أنزل عتبات الدرج قفزا..لأسرع إلى الفناء الخارجي للنزل..حيث التف الجميع هناك حول مائدة الطعام..و قد رصف عليها الكثير و الكثير من الأطباق الشهية..

إلا أني سرعان ما تسمرت في مكاني ..و أنا ألمح من بين الوجوه وجها ملائكيا حالما..كان يبتسم ببراءة إلى الجميع..شاملا الجميع باهتمامه و حديثه..

يتبع>>
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
جميل جدا

تعجبنى طريقة سردكِ وانتقائكِ للمفردات

ما زلت أتابع

تحيتى​
 
الفصل السادس..


- تعال يا ياسر ..لا أحد غريب هنا..إنها فقط حنين..ابنة أختي..

هكذا نادتني أم محمد..لتحثني على الإسراع نحو الغذاء ..خوفا من أن يبرد..
فأسرعت ألقي بالتحية على الجميع..
و أعتذر بالنيابة عن أمجد الذي آثر النوم..معللا ذلك بأن لا رغبة له في الطعام..

ثم اتخذت مقعدي مرتبكا..و الذي شاءت الصدف أن يكون مقابلا لمقعدها..مما زاد بالطبع في ارتباكي..
كما أني لمحت أيضا سامي..و الذي كان يحملق بجرأة غريبة فيها..
و مع أني لا أنكر أن لحنين سحرها الأخاذ..و أن لجمالها روحانية سامية عجيبة..
و لكنني مؤمن بأن ملاكا كهذا ..من تحيطه هالة من القدسية.. يُحرم النظر إليه ...

و لذا فإنني سرعان ما غضضت بصري خجلا..مجبرا أنظاري بالتوجه إلى الطعام ..خوفا من أن أخدش بنظراتي جمالها و روحانيته..

و تمنيت لو يحذو سامي حذوي..لكن محال فنظراته كانت تلتهمها بجرأة و رغبة..
لدرجة أنها أثارت ارتباك حنين ..فتوردت وجنتيها بحمرة لطيفة..كما أثارت نظراته حنقي و غضبي عليه و على تصرفاته الرعناء..

و بالطبع فقد كانت الحرب المرتقبة هي محور الحديث..فالوضع السياسي متصعد و متأزم..و في أية لحظة قد تشب هذه الحرب اللعينة..و نرجع إلى أيام الحصار ..و الفقر و الدمار..
كانت حنين ملمة و على دراية كافية بالسياسة..كما أنها كانت تمتلك حدسا راقيا و منطقية رائعة في تحليلها للأمور..مما زاد في إعجابي بها..

في مساء ذلك اليوم..قضيت ليلتي مسهدا أرثي فيها حالي و الوحدة الخانقة التي كانت تنهش بمخالبها في كياني...

ها قد مر شهر تقريبا..منذ أن رحلنا عن أرض الوطن..

و لست ادري هل سأطأ ديار الوطن مجددا..بعد ثلاثة شهور فقط..أم هناك احتمال ببقائنا بضع شهور أخرى..كما أخطرنا القائد ..؟!!

و تناقلتني أفكار شتى..و تضاربت في أعماقي صور و ذكريات عديدة..تمحورت غالبا حول أختي فاطمة..و أمي الحنون...

" آآآه أمي...عمليتها ستكون بعد غد..و أنا لن أكون معها..فيا ربي أرجوك ارحمنا برحمتك..و شافها و عافها "

كنت أرى أرض الوطن و ذكريات الماضي و كأنها شريط أمام عيني..

المدرسة و رفاق الطفولة..حارتنا القديمة..و صوت أبو سعيد بائع الخضار المتجول..و الذي كان يوقظني في كل صباح بصوته الأجش..و هو يغني لفاكهته..

و كذلك صوت أطفال الحارة بجلبهم و عراكهم و طفولتهم البرئية .. حتى ذكريات المدرسة..كلها كانت تتجسم أمام عيني ليغلبني حنيني إليها..

و من بين الصور ..قفزت صورة حنين فجأة إلى مخيلتي..بجمالها الآسر..و بأدبها الجم..لقد كانت حقا ملاكا رائعا في صورة حوراء إنسية..

ثم ما فتأت أقارن بينها و بين تلك المتعجرفة علياء...آآه شتان ما بين الاثنتين..مع أن كل منهما في غاية الجمال..

إلا أن الفرق بين جمال الأولى و الأخرى أن الأولى جمالها روحانيا متأصلا بالبراءة و الفطرة..و الأخرى جمالها جاء من صنع ( شانيل و سان لورا ) و غيرها من الماركات العالمية...

و بينما أنا أسير لخواطري ..إذ بطرق عنيف على باب غرفتي..أفزعني..فقفزت هلعا أستطلع الأمر..
و فتحت الباب هلعا..و إذ بي أمامها..ذاك الملاك البشري الذي أسرني..إلا أن العبرات قد طفحت على وجنتيه هذه المرة..
يتبع>>
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
الفصل السابع


- أرجوك أخي ياسر...ساعدني..

قالتها باكية مرتبكة..

- خير إنشاء الله ...ما الذي حدث؟؟!!

- إنها خالتي...لقد أغمي عليها..و حالتها ليست على ما يرام..

أسرعت بارتداء معطفي..و نزلت معها جريا على عتبات السلم..إلى حيث كان جسد الخالة أم محمد ممددا ..

و سرعان ما أسرعت بمساعدة حنين بحملها إلى أقرب مستوصف..فقد كانت في غاية الإعياء و الشحوب..

هناك في المستوصف..
سارع الأطباء بالقيام بواجبهم على أتم وجه مما جعل حالتها تستقر نوعا ما ..و لولا اللطف الإلهي و إحضارنا إياها في الوقت المناسب...لما نجت من موت محتم...
هكذا قال الأطباء..

فقد كانت الخالة أم محمد مصابة بانسداد في شرايين القلب..و بحاجة إلى عملية قسطرة في أقرب وقت..

قمت بعد ذلك بإرجاع حنين إلى النزل.. و ما كانت لتستجيب لي لولا إصراري عليها بمغادرة المستوصف ..إذ لا طائل من تواجدها ها هنا...و أنا سأقوم بالواجب و أكثر...و هي بحاجة ماسة إلى الراحة و النوم..بعد هذه الليلة المؤرقة..

و ربما ما حدث في هذه الليلة..حمل في طياته بعض الأحداث الايجابية..
إذ أتاح لي الفرصة للاعتذار عن مقابلة علياء الصحفية..و إيكال هذه المهمة إلى أمجد الذي رحب بالقيام بها بكل سعة صدر..

إلا أنني و في خضم كل هذه الأحداث المتسارعة ..
تناسيت سامي تماما.. فقد انقطعت أخباره تماما عني ..و ما عدت أراه إلا نادرا..

مع أننا ما زلنا نقيم تحت سقف نزل واحد..إلا أنه بات كثير السهر ..لا يرجع إلا في ساعات الصباح الأولى..ليستغرق في نوم عميق ..

و لست أدري لما حدث له كل هذا التغير؟؟ أهي الغربة و هموم الاغتراب و الوحدة؟؟ أم أن هناك حادث جم قد غير مسرى حياته؟!!

الغربة بحد ذاتها كفيلة بصقل شخصية الإنسان و تطويرها نحو الأفضل..و ذلك بإكسابه الكثير من الصفات الإيجابية..أهمها الصبر و قوة التحمل و الاعتماد على الذات..
و لكنها في المقابل قد لا تفيد الكثيرين..
ممن إذا استبدت بهم الهموم و تلاعبت بهم الوحدة و الحنين...لجأوا إلى غير ذكر الله..و بعيدا عن دربه و حلاوة عبادته..فاتخذوا من دونه أصحابا لهم ..و قد وجدوا المتعة و اللذة الوقتية بعيدا عنه.. في توافه هذه الدنيا..

و على ما يبدو..هذا ما يحدث مع سامي بالضبط...

فقد استيقظت في الليلة التالية على صوت جلبة و ضوضاء لسقوط بعض قطع الأثاث..لأجد سامي مترنحا..و أنفاسه قد تشبعت برائحة السكر..

لم أتمالك أعصابي حينها..و خصوصا أن حنين أخبرتني أنه قد حاول التحرش بها و هو في هذه الحالة من اللا وعي..

فما كان مني إلا أن ...أن صفعته مرغما لعله يرجع إلى وعيه..

و على ما يبدو أن صفعتي كانت جد قوية..لأن خيوطا رفيعة من الدم كانت قد بدأت تسيل من فمه و أنفه.. في حين أنه جلس على الأرض منهارا..و شرع في بكاء عنيف..

فما كان مني إلا أن أضمه بقوة إلى صدري..لتمتزج عبراتي بعبراته..

يتبع >>
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
الفصل الثامن..


- لم أكن أقصد إيذائه ..

هكذا بدأت حديثي مع حنين و نحن في المستوصف..ننتظر سامي الذي سقط بعد حادثة البارحة على إثر هبوط حاد في الدم..

و كأنها كانت تعلم جيدا أنني بالفعل لم أكن أقصد ذلك فاكتفت بابتسامة برئية ..ثم قالت لي و هي تنظر بعيدا إلى الفراغ..

- لا عليك يا ياسر..سيكون بخير..إنك لم تقدم على ضربه إلا لأنك تعزه و تعتبره بمثابة أخ لك..

طبعا هو أخي الذي لم تنجبه أمي..يكفي أننا قد اجتمعنا على نهج واحد..و لفتنا الغربة بهمومها معا..فكانت كفيلة لأخوتنا..و صداقتنا الأبدية..

بعد هذه الحادثة قرر ليث القائد أن يعمل على إرجاع سامي إلى أرض الوطن مجازفا ..
لأنه اكتشف أخيرا أن سامي ليس أهلا لتحمل عناء الغربة..و لأننا جميعنا بتنا خائفين من أن نخسر سامي ..

حتى هو صارحني ذات مرة بأنه إن بقى أكثر في هذا الجحيم..ربما سيخسر ذاته و ضميره..

و لذا فإنه قد تقرر عودة سامي إلى الوطن..فرسالتنا كانت تتمحور حول حفاظنا على مبادئنا و قيمنا..قبل أن تتمحور بالثورة ضد الظلم و العدوان..

و أما عن أمجد..فقد اقترن بعلياء الصحفية.. بعد أن راح أسيرا لجمالها المصطنع

لكنني في الواقع لا أنكر ذلك التغير الواضح الذي قد طرأ عليها منذ أن اقترنت به ..
إذ زادت من اتساع ملابسها ..و كذلك قللت من كم الأصباغ التي كانت تلون بها وجهها..
و لذا فإني تمنيت لهما السعادة من أعماق قلبي..


بعد كل هذه الأحداث المتسارعة..أحسست بحاجة نفسية ملحة إلى سماع صوت أمي الحبيبة...

و لذا فإني سارعت بالاتصال بها..مع تسلل أولى خيوط الفجر..
لأطمئن عليها و على صحتها بعد العملية..فبشرتني بأنها على ما يرام.. و بأنه لا داعي لأن أقلق عليها..

كما أخبرتني بأن عمي حسن سيتزوج في نهاية هذا الشهر.. و أن أختي فاطمة باتت تشعر بآلام الوضع .. ربما ستلد في هذه الأيام القليلة المقبلة..

في ختام مكالمتي معها..رجوتها صادقا بأن تدعو لي بالاجتماع بهم قريبا..فقد سئمت الغربة و سئمتني..و لكم أشتاق إلى أرض الوطن..و بودي الارتماء بين أحضانه..و تقبيل ترابه..
أو لا يكفي أنني بعيد عن أفراح قومي و مآسيهم..و لست أملك أية وسيلة لمشاركتهم الأفراح و الأتراح..

يتبع>>
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
ما زلت أتابع

بانتظار البقية

شكرا لكِ ولقلمكِ البهى

تحيتى
 
رائع ماسطرته يداك تابعي عزيزتي مسيرة الابداع

اتطلع لجديدك دائما

تحياتي لك
 
أمورة زوجها.. شكرا عزيزتي على المرور و التعليق..

ظبية الاسلام.. بانتظار عودتك غاليتي للتحليل ... فرأيك يهمني كثيرا ً..

ملكة ناسي.. لا حرمنا تواجدك..
 
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
عودة
أعلى أسفل