ليتني كنت أعلم

إنضم
2009/03/11
المشاركات
81
السلام عليكم ..أولا أحب أن أكتب لكم هذه القصة الهادفة وهي احدى روائع المجموعة القصصية للكاتبة بنت الهدى رحمها الله لتستفيد منها المؤمنات ونسأل الله التوفيق والسداد.. أترككم مع القصة ....
بسم الله الرحمن الرحيم


blank.gif
جلست ( انفال ) في عيادة الطبيب ، تنتظر نتيجة الفحص ، وكانت تستعجل الوقت لأنها مدعوة إلى حفلة ! لم تكن تفكر في طبيعة النتيجة بقدر ما كانت تخشى من تسرب الوقت وفوات موعد الحلاقة ، فهي لم تكن تجد في التحليل الذي تنتظر نتائجه سوى إجراء احتياطي جاء نتيجة رغبة الأهل واهتمامهم بأمرها ، وإلا فهي لا تحس بأي عارض مخيف ، ولا تستشعر من المرض ما يريب ، عدا بعض الآلام الطفيفة في المفاصل ، وأخيراً استدعيت إلى غرفة الطبيب ، فدخلت عليه وهي مستعجلة إنهاء الأمر ، والاسراع في الخروج ، وفوجئت عندما دخلت بسحابة من كآبة ترين على وجه الطبيب ، الشيء الذي دعاها أن تقول عندما سألها :



هل أنت صاحبة التحليل ؟
كلا إنها ابنتي.
blank.gif
فقد أرادت أن تعرف الحقيقة ، ولعله سوف يتحفظ معها لو عرف أنها صحابة التحليل ، ووقفت أمامه تنتظر ، فأشار




إلى كرسي هناك ، وطلب منها أن تجلس فجلست ، وقد بدأ الوجل يتسرب إلى نفسها ، وتطلعت إليه في لهفة ، ولكن ليس من أجل الخروج في هذه المرة بل من أجل فهم الحقيقة.
blank.gif
قال :

blank.gif
blank.gif
لماذا لم ترسلوا رجلاً بدلاً عنك لأخذ النتيجة يا أنسة ؟

blank.gif
قالت :

blank.gif
blank.gif
لأني كنت مارة من هنا ولهذا لم نجد ما يستدعي إرسال سواي ثم أنني أتمكن أن أسمع الحقيقة مهما كانت.

blank.gif
فسكت الطبيب وهو ينظر إليها في جد مشوب بالأسف ثم قال :

blank.gif
blank.gif
إن هذا يؤكد أنك فتاة مثقفة فاهمة لطبيعة الحياة.

blank.gif
قال هذا ثم سكت ، فسرت في جسمها رعدة من الخوف وتساءلت :

blank.gif
blank.gif
كيف ؟ وماذا تعني يا دكتور ؟ قال إن نتائج التحليل تشير إلى وجود مرض في الدم.

blank.gif
وسأكمل باقي القصة باذن الله
 
قال هذا ثم سكت وأطرق في أسى ، فلم تجد أنفال



حاجة لأن تستزيده أو تستوضحه أكثر ، فرددت في فزع قائلة ( سرطان ) ؟
blank.gif
ولم يرفع الطبيب رأسه وبقي ساكتاً في ألم من أجل هذه الأخت المصابة ، وكان هذا السكوت بمثابة حكم بالاعدام عليها فغمغمت تقول في شبه حشرجة :

blank.gif
آه لقد انتهيت إذن ...

blank.gif
وهنا عرف الطبيب أنها كانت تكذب عليه .. نعم عرف ذلك ولكن بعد فوات الأوان فرفع إليها وجهه ونظر نحوها نظرة حنو وقال :

blank.gif
blank.gif
أنني آسف ، لماذا كذبت عليّ يا بنتاه ؟ ولكن وعلى كل حال فإن الموت والحياة بيد الله وكم من مريض عاش وصحيح مات ؟

blank.gif
وكانت ( أنفال ) تشعر أن روحها أخذت تغور إلى الأعماق وأن يداً فولاذية امتدت لتشد على قلبها فتعصره في قساوة ولكنها استجمعت فلول قوتها وهي تقول :

blank.gif
blank.gif
أرجو المعذرة يا دكتور وشكراً.

blank.gif
فرد عليها الطبيب مشجعاً :

blank.gif
blank.gif
كوني قوية ومتفائلة ، فإن الطب لا يزال




blank.gif
blank.gif
في تقدم ولعل المرض الذي لا يوجد دواء له اليوم سوف يوجد دواؤه غداً ولهذا فإن الأمل لا يزال موجوداً وسوف أبحث عن أحدث الأفكار الطبية لعلني أجد الدواء المطلوب ولهذا فأنا أرجو أن تتركي لي رقم تليفونك يا بنتاه.

blank.gif
وبطريقة روتينية ذكرت له رقم الهاتف فهي لم تكن تعي ما تقول أو ما يقول فقد كانت تعيش آثار الصدمة في عنف ومرارة ثم أعادت عليه كلمة الشكر وخرجت.

blank.gif
وفي البيت ... كتمت الحقيقة فلم تكن تعرف أو تقوى أن تتحدث عنها ثم إنها وجدتهم في شغل عن ذلك بالاستعداد للذهاب إلى الحفلة ... وسألتها أمها قائلة :

blank.gif
ألم تمري على الدكتور يا أنفال ؟ ثم لماذا لم تذهبي إلى الحلاقة ؟

blank.gif
كان السؤال عابراً غير منتظر للجواب ولهذا فقد ردت عليها باقتضاب قائلة :

blank.gif
blank.gif
لأنني سوف لن أذهب إلى الحفلة ، قالت هذا وصعدت إلى غرفتها وأغلقت الباب من الداخل ثم استلقت على السرير وهي بكامل ملابسها وأصوات أهلها تصلها وكأنها تأتي من وراء بعد ساحق
 
وكان



blank.gif
blank.gif
صوت الريح يطرق أذنها فتجد فيه عزفاً جنائزياً حزيناً وكأنه العويل الذي ينعى إليها شبابها وحياتها الفتية ...

blank.gif
حتى غرفتها الحبيبة إليها أصبحت تجد أنها غريبة فيها ما دامت راحلة عنها بعد قليل والبيت ؟ أنها أصبحت ضيفة في هذا البيت وسوف تتركه مجبرة لكي يحل آخرون مكانها فيه يذكرونها فترة ثم ينسونها بعد حين ، وحاولت أن تبكي فلم تسعفها الدموع فهي تريد أن تفكر ولا تريد أن تبكي وتلفتت حولها في ألم ... وجدت الستائر التي بذلت الكثير من الجهد حتى حصلت عليها والتي فتشت عن أحلى وأحدث تصميم لخياطتها ، هذه الستائر سوف تبقى لتذهب هي إلى غير رجعة فماذا يهمها الآن لو كانت من خام او كتان ؟ أنها ذاهبة عنها ومخلّفتها لسواها ، ليتها ما بذلت الجهود من أجلها ، ليتها وفرت ذلك الوقت والمال لشيء يفيدها في محنتها هذه ، وهنا بدأت تفتش في ذاكرتها عن شيء لعله يفيد ماذا ؟ أن لديها كل شيء الشباب . والجمال والثقافة والمال والأثاث والرياش. ولكن هل يفيدها شيء من ذلك أو يدفع عنها خطر الموت ؟ إنها كانت تتمنى لو تصبح موظفة تتقاضى راتباً شهرياً محترماً وها هي الآن موظفة تتقاضى راتباً ولكن هل سوف يستنقذها راتبها من الموت ؟ وهنا خطرت لها فكرة سارعت إلى التليفون وكان البيت قد أصبح خالياً إلا منها فقد ذهب الجميع إلى الاحتفال فاتصلت بطبيبها وتساءلت في لهفة قائلة :




blank.gif
blank.gif
لو ذهبتُ إلى الخارج هل سوف أجد علاجاً شافياً هناك ؟

blank.gif
قال :

blank.gif
blank.gif
ليس هناك من جديد أنها أتعاب وخسارة بدون فائدة...

blank.gif
فأغلقت السكة وجلست على المقعد بجوار الهاتف متهالكة ... حتى راتبها لا يغير من الواقع شيئاً ... ثم نهضت تتجول في أرجاء البيت وكأنها تريد أن تودع هذه المعالم الحبيبة اليها وألقت نظرة على الحديقة وقالت ليتها تعلم ، ليت هذه الأشجار تعلم أنني راحلة. ليت هذه الأحجار تفهم أنني راحلة ليت هذه الجدران تعرف أنني راحلة وأنني سوف لن أبدو متنقلة بين جوانبها بعد الآن ، ليت هذه الأبواب تفهم بأنني راحلة وأن يدي التي كانت أول فاتح لها سوف لن تفتحها بعد اليوم ، ليت هذه الروض يتمكن أن يستوعب معنى أنني راحلة ، وهذه الأزهار التي غرستها يداي في التربة مستهينة بجميع ما كلفني ذلك من وغزرات شوك مدمية أو صلابة صخور متحجرة هذه الزهور التي طالما سقيتها من عرق جبيني إذا انقطع عنها الماء ورويتها من دموع عيني متى ما لاحت عليها علامات الذبول. أما الآن فليتها تعلم بأنني راحلة ، هذه الأشجار المثمرة التي استلمتها صغيرة ضعيفة فأمددتها بما وسعني من عناصر الحياة




والرواء حتى اهتزت وربت وأنبتت نباتاً حسناً ، هذه الأشجار أتراها تفهم بأنني راحلة أو تراها سوف تذكر احتضاني لها أيام زمان حينما كانت لي معها أيام ؟ آه ليتها تعلم وليتها تفهم ، ثم هذه المقاعد التي كانت تحتضن رأسي تارة وتسند ساعدي أخرى أتراها تحس بأنني راحلة عنها عما قريب ، أم تراها سوف تستبدل بي غيري وتمهد الجلوس لسواي ومنضدتي هذه التي كتبت فوقها بالدموع مرة وبالبسمات مرات أتراها تعلم بأنني راحلة ؟ وهل تفتقد رنة قلمي فوقها وموضع أوراقي داخل جرارها ، آه ليت كل ما حولي يعلم بأنني راحلة... ثم ( ليتني كنت أعلم ) بأنني راحلة إذن لما عشت الحرص على الدنيا ولما استشعرت الفخر والغرور ، نعم ليتني كنتُ أعلم بأنني ضيفة في هذه الدنيا أذن لما خدعتني بخداعها ولما غرتني بزخرفتها. ( ليتني كنت أعلم ) إذن لعرفت أن الرحيل عن حياة بسيطة هو أسهل من الرحيل عن حياة منعمة مترفة ، لو لم أكن أعيش هذا الترف لكانت النقلة من هذه الحياة إلى تلك الحياة أسهل بالنسبة إليّ ، إن أهلي الآن في الاحتفال... هذه الاحتفالات التي كثيراً ما كنت أنتظرها في المناسبات وأعد من أجلها الفساتين وأفتش بسببها عن أحدث التسريحات هل أغنت عني شيئاً من طربها وسرورها ؟ وهنا تهاوت أنفال على مقعد إلى جوارها وكأنها توصلت إلى حقيقة كانت تجهلها وقالت :
blank.gif
blank.gif
ماذا آخذ معي ؟ وهل آخذ معي شيئاً




blank.gif
blank.gif
سوى الأكفان والأعمال ؟ ولكن ما هي الأعمال التي سوف تصحبني خلال هذه الرحلة البعيدة ؟ لا شيء ! نعم لا شيء !

blank.gif
 
وسرح بها الفكر بعيداً إلى نصائح صديقتها سرّاء عندما كانت تحبب إليها طاعة الله قائلة :
blank.gif
( فَتَزَوَّدوا إنَّ خّيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ) إنها حينئذ لم تكن تشعر بأهمية الزاد ، أما الآن فهي في حاجة إلى زاد ، في حاجة إلى عمل صالح تقدمه بين يديها أمام الله ، بماذا تجيب يوم الحساب ؟ كيف سوف تطلب الرحمة من ربها وقد عصته في أبسط الاشياء ؟ كيف سوف تأمل العفو من خالقها وهي لم تستجب لأمره خلال مسيرتها في الحياة ؟ ليتها كانت قد قرأت القرآن بدل الساقط من الروايات . ليتها كانت قد تعرفت على دينها عن طريق الكتب بدلاً عن طريق التعرف على مسارح هوليود عن طريق المجلات ... واستمرت أنفال تقول ليتني ليتني ما أسخطت فلانة ولا اعتديت على فلانة ، ليتني ما كذبت على أحد وما اغتبت أحداً ، ليتني ما اسكتبرت على فقير ولا استعليت على مسكين ، ليتني أعيش من جديد لكي أصحح أخطائي وأعمل ما يرضي ربي ، لقد عبدت أهوائي ورغباتي وتجاهلت عبادة ربي ، ليتني أعيش إلى فترة عسى أن أكفر عن سيآتي . وخطرت ببالها آية سمعت جدها يقرؤها يوماً :




blank.gif
( حَتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب أرجعونِ * لعلي أعملُ صالحاً فيما تركتُ كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) وكأنها تناجي ربها بذلك... كلا أنها ليست كلمة عابرة أعني ما أقول يا رب ... وهنا وخلال مناجاتها لرب الرحمة انبجست الدموع من عينيها بحرقة وغزارة وأسندت رأسها إلى يدها وأخذت تبكي. نعم تبكي ولكنه بكاء ندم وليس بكاء ألم ، وصممت أن لو أمتد بها العمر فسوف لن تعصي الله طرفة عين ، ورن جرس الهاتف فقامت إليه متثاقلة ورفعت السماعة لتقول ( نعم ) وكان صوتها متهدجاً قد غيرته الدموع فجاءها صوت يقول :

blank.gif
blank.gif
هل أن الآنسة أنفال موجودة ؟

blank.gif
فعرفت أنفال الصوت ، أنه صوت الطبيب ! قالت :

blank.gif
blank.gif
نعم إنها أنا يا دكتور. فاندفع يقول في فرحة صادقة : تهنيك السلامة يا بنتاه ، إنه اشتباه ، أنك صحيحة سالمة والحمد لله...

blank.gif
وأذهلتها الكلمات فلم تعد تعرف بماذا تجيب ورددت وكأنها في حلم قائلة :

blank.gif
blank.gif
سالمة وكيف ؟ لعلك تهزأ بي يا دكتور ؟ قال : معاذ الله أن أكون هازئاً ولكنه




blank.gif
blank.gif
اعتذار وصلني الآن من المشرف على التحليل يشرح فيه أنه وقع في خطأ إذ سجل اسمك أمام اسم مريضة أخرى ، وها هي نتيجة تحليلك سالمة من كل ما يضير فاحمدي الله على سلامتك يا بنتاه ...

blank.gif
فرددت أنفال معه كلمات الحمد قائلة :

blank.gif
blank.gif
الحمد لله . وشكراً لك يا دكتور.

blank.gif
ثم أغلقت السكة وهي تحس بأنها تحيا من جديد وتذكرت ما عاهدت الله عليه وعرفت أنها إن نجت من موت معلوم الوقت فهي لن تنجو من موت مجهول الوقت وإن الانسان ضيف في هذه الدنيا مهما طال به الأمد ... فكان أول عمل قامت به أنها توجهت إلى القبلة لكي تصلي صلاة المغرب والعشاء بعد أن بعد بها العهد عن الصلاة ، وحين انتهت من أداء الفريضة عاهدت الله من جديد أن تبقى متمسكة بكل ما أمرها به من صلاة وصيام وحجاب وأن تترك كل ما نهاها عنه ، ولأجل أن لا ننسى فقد خطت هذه الآية المباركة وجعلتها على جدار غرفتها : ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعني لعلّي أعملُ صالحاً فيما تركتُ كلا إنها كلمةٌ هو قائلها ومن ورائهم برزخُ إلى يوم يبعثون
) ووضعت في الجهة المقابلة الحكمة التي تقول : « تب



قبل موتك بيوم ولما كنت لا تعلم متى تموت فكن تائباً على الدوام ». هذا واتمنى تعجبكم ..أختكم في الله آية من الجمال
 
بارك الله فيك

قصة مؤثرة و جميلة جدا
 
بنات بس ألقي رد واحد فقط يعني ما عجبتكم القصة ؟ مع انها فيها عبرة وتتميز باسلوبها السلس ..بس انا زعلانة منكم
 
قصه مؤثره جدا جدا والسلامه لايعدلها شيء لكن لابد ان نعمل ليوم نلقى الله فيه
اللهم احسن خواتمنا
جزاك الله خيرا اختي آيه
 
عودة
أعلى أسفل