الجزء الأول قطعت صفارة الإنذار عليّ حديثي المسترسل مع منى.._زميلتي العزيزة في قسم الطورئ_ و أشعرتني هذه الصفارة اللعينة بشيء من الخوف و الوجل , كعادتها حينما تدوي مزمجرة لتعلن عن وصول إحدى الحالات الخطيرة . رميت بباقي أوراق المرضى من يدي على المكتب!! و هممت مسرعة ً مع فوج الممرضات أترقب سيارة الإسعاف , المتوقع وصولها في أية لحظة.. كان قلبي يحادثني بأن الأمرهذه المرة أكبر من كونه مجرد حادث سيارة مرعب ..أو ولادة مستعصية!!..بل ربما هو حدسي المعتاد من جعل قلبي يزداد انقباضا ,_ و مع أني ما إعتدت إلا التسليم به و الوثوق فيه_..تمنيت لحظتها بأن يخونني حدسي ..فلا يصيب هذه المرة !!
كان عقربا الساعة قد تلاصقا ..مشيرين إلى حلول منتصف الليل.. و مع هذا فإن قسم الطوارئ كان ما يزال حيويا كعادته في كل ليلة..و ما يزال أنين المرضى يملأ دهاليز هذا المستشفى الصغير..بل ربما أن بعض المرضى قد مل من المرض و طول الإنتظار, فقام أيضا ً بإرسال سيل من الشتائم المتواصلة, كتلك العجوز التي كانت متهالكة على أحد المقاعد بإنتظار أن يحين دورها .. أو حتى أجلها!!! إذ كانت ساخطة ً على كل شيء..و كأنها أرادت أن يصيب طاقم الممرضين و الأطباء شيئا من سخطها..فما توقفت و لو للحظة عن همهمتها أو حتى شتائمها!!! و أثارت عجبي هذه السيدة العجوز!! فهل كانت تتوقع مثلاً أن يخلق طبيب و ممرض لكل مريض!! أو لا ترى أن الطاقم الطبي بأكمله مشغول بإنتظار وصول سيارة الإسعاف ؟؟!! ألا تعلم حجم التعب و الشقاء الذي يتكبده هؤلاء الأطباء ليل نهار!! و ربما انتقلت إليّ عدوى السخط.. فبت أنا الأخرى حانقة ً ضائقة الصدر!! و تمنيت وجود أكثر من مستشفى ليساند مستشفانا اليتيم في قريتنا النائية هذه..
قطع عليّ حبل أفكاري وصول سيارة الإسعاف بدوي صفارتها المزعجة , و الإضاءة الحمراء المنبهة لوصولها.. فإشرأب عنقي..ومددت ناحية السيارة بصري , آملة أن أحظى برؤية الحالة..فأقدر حجم الإصابة ..و أسرع بالقيام بواجبي من إسعافٍ أولي و غيره.. و لمحت من بعيد أن المصاب طفل ٌ لم يتعدى العاشرة من عمره !! أظنه قد صُدم بسيارة مسرعة.._و مع أني لم أحظى برؤية وجهه بعد_..إلا أني حاولت إيهام نفسي بأن حالته ليست بتلك الخطورة..ربما مجرد كسور و بعض الرضوض.. و لكن...و ما أن إقترب المسعفون الحاملون له على الناقلة الطبية..حتى بهتُ..و انقبضت جميع عضلات وجهي دونما استثناء.. و كأن الصدمة قد امتصت دماء وجهي.. فبت شديدة الشحوب..و في عالم آخر!! " يا إلهي!!! لاااا..مستحيل!!! إنه هو ..طفل الاشارة بعينه!!!" و لهول صدمتي لم أعد أعرف كيف أتصرف!! فوقفت مدهوشة في مكاني !! غير قادرة على الحراك!!
الجزء الثاني " عُلا..أحضري كيس دم من فئة ab بسرعة" كان هذا هو صوت منى المنادي ..ينبهني بخطورة الحالة..لذا حاولت العودة إلى أرض الواقع فأحسن القيام بواجبي!! كانت لكل لحظة قيمتها في قاموس الإسعاف ..و كنا جميعا في سباق مع الزمن للعمل على وقف النزيف الحاد الذي كان قد أصيب به فتى الإشارة.. كما اعتدت أن أسميه!! و مع أني كنت أبذل قصارى جهدي في عملية الإسعاف تلك ..إلا أنه في أعماقي كان طوفان رهيب من خوفٍ و إرتباكٍ شديد.. ربما لأن حياة إنسان تكاد تنساب إلى بارئها بين يدي!! ..و أنا في حرب للمحافظة على نبض الحياة فيها.. كان لساني لا يفتأ يلهج له بالدعاء.. بينما كان قلبي يكاد يذوب بين أضلعي..و يتفطر ألماً لهول الموقف..و فظاعة المنظر.. _و مع أني اعتدت على رؤية الدماء_إلا أن دماء هذا الصغير المتدفقة كنبع لا ينضب.. أشعرتني برهبة غريبة..
بعد عدة ساعات.. و بالقرب من غرف العمليات ..فتحت عيني على صوت حاني يهتف بإسمي.. "عُلا..ماذا تفعلين هنا؟؟ أو لم ينتهي دوامك منذ عدة ساعات؟؟!!" كان هذا هو صوت الدكتور محمد..يوقظني بعد أن غلبني الكرى.. و أنا بإنتظار خروج فتى الإشارة من غرف العمليات, إذ أن قلبي لم يطاوعني على ترك المستشفى و أنا لم أطمئن بعد على فتاي!! -"ها دكتور..طمني..كيف هو الآن؟؟!!" -" أممم..لا أُخفي عليك يا عُلا أن حالته نوعا ما حرجة.. وحياته مرهونة بيد الرحمن!! إذ فقد هذا الفتى الكثير من الدم..بل يمكنني القول أن نجاته من الموت... بعد ذلك الحادث, ليعد معجزة صاغتها رحمة الأقدار!!!" و مع أن كلامه فعلياً لم يكن مطمئناً ..إلا أني قد شعرت بالراحة لوجوده..إذ أن تواجده بجانب هذا الفتي..سيساعد كثيراً في سرعة العلاج..بل كان يكفيني مثوله أمامي بنبرته الحانية و عينيه المحبتين..لينسل إلى قلبي شيء من أمان.. و لذا فإني سارعت إلى مغادرة المستشفى ..عائدةً إلى المنزل ..و كلي أمل بأن يرسل المولي بدبيب الحياة لذلك الصغير.. الملقى في العناية المركزة و عشرات الأجهزة متصلة به وتجس النبض فيه ..خوفاً من أن يتوقف في أية لحظة..
و تعمدت بأن أعرج بسيارتي المتهالكة في طريقي إلى المنزل على تلك الإشارة الضوئية ..و ذهني كان مشغولا تماما بفتاها!! لقد رأيته في مخيلتي و كيف كان يتنقل بين السيارات من سيارة إلى أخرى..بثيابه الممزقة و قدميه الحافيتين..لينقر بهدوء على زجاج السيارات..فيطلب ببراءة تامة الصدقة أو حتى الإحسان!!! كما رأيته أيضاً في ذاكرتي, و قد جلب معه فتاة شقراء ..هي على الأغلب شقيقة له.. _و مع أن المولى الكريم قد تبارك في تصوير برائتها و جمالها_..إلا أنها كانت أيضا تشاركه مهنة التسول في بعض الأحيان..بينما تراها في أحيان أخرى قد ترفعت عنه , فأخذت تبيع عقود الفل و الياسمين على المارة و السائقين.. و تذكرت أيضا كيف أني ذات مرة أعطيت الفتى ديناراً كاملاً ..لأني ساعتها لم يكن عندي أية فكة!! فلم يصدق الفتى عينيه..و أعادها إلي منبهاً إياي بأنها أكثر مما يستحق..و لابد من أني أعطيته إياها خطئاً.. فإنفجرت ضاحكةً من برائته ..فزدته ديناراً آخر مقابل الدعاء لي بالتوفيق.. و لم أستطع لحظتها مكابرة دموعي..فإنسابت كشلال رقراق يغذي وجنتيّ ..و ذلك عندما رأيته يقفز فرحاً إلى أخته..ليخبرها بأنه سيشتري الدواء لأمه المريضة الليلة..إذ أنه قد إكتمل المبلغ عنده أخيراً..
الجزء الثالث كان فتى الإشارة يمثل شيئا ً كبيرا ً بالنسبة لي.. لا أنكرأبداً أني كنت أشعر باتجاهه - إلى جانب مشاعر الشفقة - بشيء من الألفة الغريبة!! و لذا فإني كنت في سبيلي لإيجاد جمعية خيرية تتكفل بأمره ..هو و عائلته.. مع أني شخصيا لا دراية لي بتوافر مثل هذه الجمعيات..بل ربما لم تؤسس أصلا في هذه القرية النائية!! كان قلبي يتقطع حسرة ًعليه..فكيف لطفل في مثل عمره أن يمتهن التسول ..في حين أنه المفروض على مقاعد الدراسة..ينهل من أبحر العلم ليكون ذاته و يكمل تعليمه .. و لكني لم أسع َ إلى ذلك ..إذ أني إنشغلت بعدة إرتباطات مؤخرا و .. و .. !!! " أوووه..لااا..سحقاً !!! لابد لي من أن أعترف بتقصيري..لابد للإنسان النائم فيَ أن يستيقظ!! و أن يكف عن نسج الأعذار الواهية!! كان بإمكاني إيجاد وسيلة ما لكفل الفتى وإنقاذه من الضياع و التشرد " "آآآه..لكم أشعر بتأنيب الضمير و خصوصاً أن فتى الإشارة بين الموت و الحياة!! بل إنه لأقرب للموت منه للحياة" هكذا عنفت ضميري المتشاغل بهموم الحياة و الأسرة و العمل..و المتناسي هموم الأخرين و احتياجاتهم.. فأطلقت عهداً على نفسي بأني سأسعى لحل وضعه الإجتماعي..و مشاكله الأسرية, إذ لابد أن يكون لهذا الصغير قصة مؤلمة ..شأنه شأن الكثيرين في هذه القرية النائية , و التي بالكاد تملك مستشفى و مدرسة !!!
كنت أتوقع أن أرى على الأقل أخته الشقراء ..تقوم بالمهمة عوضاً عنه, و لكني لم أجد أي أثر اليها!!! و مع أنه قد مر عليه ما يزيد على الإسبوع.. إلا أنه لا أحد من أهله قد جاء للإستفسار عنه في المستشفى..مما دفعني للتخمين بأن لا أهل له..سوى تلك الأخت ..و ربما أمه المريضة.. و أصبحت أمرُ يوميا ً على تلك الإشارة الضوئية ..على أمل الإلتقاء بأخته يوماً..فأستطيع الإقدام لما نذرت نفسي إليه.. و كاد الأمل فيّ أن ينقطع..بعد مرور أكثر من شهر..إذ لا أثر للفتاة.. و ما زال الفتى في المستشفى على حاله اليتيم.. و إن بدأت حالته الصحية بالتحسن نوعا ما ..و لكنه ما يزال في غيبوبته!! و كاد قلبي أن يقفز من بين ضلوعي فرحا ً ذات مرة عندما لمحتها ..تلك الشقراء تتنقل بين السيارات و في يديها عقود الفل و الياسمين!! أوقفت سيارتي جانبا و نزلت باتجاهها مسرعة!! ..هالني منظرها..بعد أن زادها الشقاء و البؤس جمالا !! كانت مسربلة بثوب أسود قصير..بالكاد يصل إلى ركبتيها..خمنت أنه الثوب الأسود الوحيد الذي تملك..فله ربما ما يزيد في العمر على أربع سنين!!!
إقتربت منها بتردد و شوق..و عانقت عينيها..فلمحت فيهما أجل أيات الحزن و الشقاء..و كأن أسطورة ألم قد حفرت على بؤبؤيهما!!...و لكني لا أنكر أني قد لمحت خلف هذا الألم و هالة المعاناة التي أُحيطت بهما هذه الصغيرة..أني قد وجدت تمرداً عجيباً و اصراراً على الحياة!! فقد كان في بيعها للفل و تحت شمس يونيو الحارة..ما جعلني ألمس أملا خلقته هي لنفسها ..من وحي الألم و اللا أمل !! و كأنها أسرتني ببرائتها..فحاولت الإقتراب منها أكثر..فتراجعت هي في المقابل بضع خطوات عني!!! - " ماذا تريدين؟؟؟!!" سألتني بجرأة غريبة استنكرتها من وديعة بريئة مثلها!! فلم أتوقع قط أن تكون على مثل هذا الإسلوب الفظ!! - " اممم...باقة فل لو سمحت..!! لااا..بل جميع مالديك!! سأشتريه كله!!" بهتت للحظة ..و لكنها سرعان ما أسرعت تحمل لي بيدين ترتجفان.. جميع ما لديها من ورد..و كأنها خافت أن أغير رأيي بعد قليل فلا أشتري منها شيئا!!! و في اللحظة التي مددت فيها يدي بالنقود..شعرت ببلسم رقراق ..يتسلسل إلى أعماقي..و ذلك من فعل إبتسامتها البريئة و التي رسمتها فرحا بالمبلغ!!
و كدت أن أطير أنا الأخرى فرحا لفرحها..إلا أني عوضاً عن ذلك تسمرت مكاني و أنا أنظر بإمعان إلى معصم الفتاة!! إذ كان هناك رباط من قماش نتن قد لف بإحكام و بشكل ملفت للنظر!!
الجزء الرابع - " يا إلهي!!"...صرخت و أنا أنظر إلى العفن المتجمع خلف الرباط..لقد كان هناك جرحٌ عفن..على ما يبدو إنه لم يعرف أي نوع من المطهرات الطبية فتحول إلى التهاب مقرح!! سألتها ما هذا؟؟!! فسحبت يدها خائفة من بين يدي..و أغرورقت عينيها بالعبرات المخنوقة!!! جثوت أمامها على ركبتي ..و مسحت بيدين ترتعشين لألمها..عبراتها المتطايرة..غير عابئة بأي شيء..و لا حتى بنظرات المارة الملتهمة لنا..و الذين أخذوا يملؤون الطرقات!!! ضممتها بشدة إلى صدري..و أخذت أصابعي تعبث بحنان في خصلات شعرها الثائر غضبا من البؤس و الحياة !! بينما تهالك رأسي فوق كتفها..و تمنيت للزمن أن يتوقف..و صدري قد بات ملجئا لملاك صغير..قد سربلته الأقدار بالشقاء و المعاناة!!! بعد عدة لحظات..سحبت رأسها ببطء من أحضاني و همّت بالكلام !! - " الغول هو السبب !!! هو من أوثق الحبال على يدي و حبسني في المخزن مع جمع الفئران!!" -الغول؟؟؟ ..أي غول؟؟!! -"ذلك من يضرب والدتي المسكينة كل ليلة !! غير عابئ بالمرض و لا حتى بالهزال اللذين قد استبدا بها.. بل أنه قد ضربني أنا الأخرى عندما حاولت الدفاع عن أمي !!! قالت لي ذلك بنبرة منكسرة ..و هي ترفع ياقة فستانها قليلا إلى الوراء ..لتريني بقعة خضراء.. نتجت على ما يبدو من ضرب الغول المبرح لها !! و ما قطّع قلبي أكثر..هو رؤيتي لأثارحروق_جراء إخماد أعقاب السجائر_ منتشرة في جميع أرجاء جسدها.. - " كل همّ الغول يا سيدتي هو المال ..لينفقه برخاء على تلك الخمرة التي يُسكر بها عقله و ضميره , و حتى لو كنا نحن أبناؤه الثمن !! فهو من يدفعنا دفعا إلى التسول و التشرد في الطرقات !!" - " يا الله !!! إنها تتكلم عن والدها !! الغول هو والدها !!! ".. هكذا استنتجت غير مصدقة !! فهل يعقل وجود مثل هؤلاء الأبوة من باعوا ضميرهم مقابل السكر و العربدة ؟؟!! من تحجرت قلوبهم و ضمائرهم!!.. الزمن قد تطور..وقد دخلنا في الألفية الثالثة ..و ما زال هناك أبٌ يضرب أبنائه بالسياط..و يُخمد أعقاب سجائره و ضميره على أجسادهم الغضة؟؟؟!!! أخذتها معي إلى المستشفى لعلاج معصمها..خوفا من أن يلتهب أكثر..فلا يكون هناك علاج حينها سوى البتر!! و عرفت منها في السيارة أن اسمها سارة..و تعيش مع والدتها و أخيها عمار ( فتى الإشارة ) و الغول كما أسمته !!! في مكان حقير بالقرب من الإشارة الضوئية.. هناك في المستشفى ..طلبت منها الإنتظار قليلا على أحد المقاعد و ذلك بعد أن أتممت مداواة يدها.. و اتجهت بإتجاه منى و التي كانت تناديني في قسم الإستقبال بإلحاح عجيب!! - " أين أنت ؟؟!!" لقد سأل عنك الدكتور محمد عدة مرات!! و على ما يبدو أنه يريدك لأمر طارئ !! - " ها؟؟!!!..الكتور محمد ؟؟!! لماذا ؟!!" و لم يخفَ على منى تلك الحمرة الخفيفة التي تلونت بها وجنتاي ,عندما ذُكر اسمه أمامي.. فهي على علم بمدى إعجابي بشخص الكتور محمد و إنسانيته.. - " و ما يدريني!! هيا اتصلي به و أخبريني ..ربما يريد التقدم لك رسميا أيتها الآنسة عُلا..فيريحنا منك!!" قالت عبارتها هذه مازحة غامزة..فهى كثيرا ما تلمح لي عنه و بمدى إعجابه هو الآخر بي.. و لكني و قبل أن أتصل إليه..أجلت ناظري في صفوف المرضى ..أبحث عن وجه مألوف..و أحسست بالإختناق عندما لم أرى سارة بين المرضى المتهالكين على مقاعد الإنتظار!! إذ أنها قد غادرت المستشفى..آثرة العودة إلى التشرد و الضياع , دون حتى أن تترك لي عنوانا للوصول إليها!!!
فإنسابت الدموع لا إراديا من عيني.. إذ فقدت بهروبها أملا في تسهيل أُمنيتي ..بكفل السعادة لها و لأسرتها.
الجزء الخامس بعد قليل ..نبهتني منى أن الدكتور محمد قد عاود الإتصال, فهرعت إلى سماعة الهاتف..فقد كنت بأمس الحاجة لسماع صوته المطمئن , و خصوصا بعد الألم و الإحباط اللذين سببهما اختفاء سارة .. بشّرني الدكتور بأن عمار قد بدأ فعليا بالاستيقاظ من غيبوبته..إذ أبدى تجاوبا مطمئنا صباح اليوم.. و ما هي إلا أيام على الأكثر..حتى يرجع طبيعيا كما كان سابقا .. و لا أنكر البتة اني قد شعرت بالارتياح كثيرا لهذه البشرى الطيبة ..فزدت من عدد ساعات زيارتي لعمار ..بانتظار أن يفيق تماما من السبات , فأعوضه حينها عن كل الشقاء و المعاناة اللذين كابدهما منذ نعومة أظافره.. فقد نذرت نفسي له و لأخته..و لن أتوانى عن تقديم أي عون مادي أو معنوي لهما .. و إن كلفني ذلك الكثير !! و جاءت اللحظة المرتقبة منذ شهور.. إذ كان متكوما على نفسه كشبل صغير..عندما ذهبت إلى زيارته بعد إنتهاء دوامي.. و ما أن رأني ..حتى انكمش جسمه أكثر..و تراجع إلى داخل السرير مرعوبا ً!! مما أشعرني بأنه ربما قد نساني.. و لكني سرعان ما لمحت بريق شوق غريب في عينيه يشع بصدق منهما..مما طمأنني أنه قد تعرف علي.. -" اين أنا؟؟ ما الذي حدث!! هل أمي بخير؟؟!..سارة؟؟!! أين سارة ؟؟!!" و أخذ يهذي بأسئلته تباعاً..دون حتى أن ينتظر أي جواب لأي منها!! و مع هذا فقد أراحتني هذه الأسئلة.. إذ أشعرتني أنه على الأقل ما يزال يحتفظ بذاكرة جيدة .. أخذته بعد ذلك معي إلى البيت .. ليبقى تحت رعاية أمي العزيزة..و التي رحبت فيه أيما ترحيب, ولكم تمنيت أن يتعافى تماما بسرعة..فيأخذني إلى حيث والدته و أمه..فأقوم بواجبي اتجاههما أيضا .. و كأن الأقدار قد خططت لأمنيتي هذه مسبقا..إذ و بينما كنت منكبة على أوراق المرضى ..تناهى إلى سمعي صوتا مضطربا يناديني!!.. " الممرضة عُلا...ساعديني أرجوك !!!" رفعت عيني بوجل ..و إذ بي أمام سارة و التي كانت تلهث بشدة..لأنها على ما يبدو كانت تركض بسرعة !! ..كانت مضطربة و شديدة الإرتباك..مما أسقط قلبي و أحسست أن ثمة أمر مهول!! " أمي !! أمي يا سيدتي في حالة جد خطيرة !! " ارتبكت لوقع الخير..فأسرعت بالإتصال إلى الدكتور محمد ليساندني في موقف كهذا .. و طبعا لبى الطبيب نداء الواجب..فإنطلقنا في سيارته نجوب زقاق قريتنا النائية .. و سارة تصف لنا بإرتباك موقع مسكنهم.. في طريقنا إليه..عرجنا على أكثر الأزقة بؤسا في العالم.. أو على الأقل هكذا قد خُيل إليّ!!! فقد كانت شديدة الضيق..و بالكاد تمر فيها السيارة !! كما كانت متشابكة مع بعضها البعض..مما أشعرني بأننا نمشي في دهاليز متاهة غريبة!!! و لا أنكر أن صدري قد إزداد انقباضا لرؤية المباني المتهالكة في هذه الأحياء الشعبية و هي بالكاد شبه صامدة !! و أثار الأطفال جروح قلبي..و هم يتراكضون مرحين غير عابئين بالبؤس و الشقاء .. بين الأزقة بثيابهم الممزقة ..أو صدورهم العارية.. و طبعا دونما أحذية !! هذا لأنهم قد ألفوا البؤس و اعتادوا الألم و الشقاء!! و لمحت فتاة صغيرة تأكل من فتات خبز عفن..قد عثرت عليه مصادفة ملقى بجوار سلة المهملات..شأنها في ذلك شأن القطط المشردة..من تعبث عن قوتها في فتات الآخرين!!
و لست أدري كم مضى لي من الوقت و أنا سارحة في سطور البؤس و الشقاء !! و لكني تنبهت بعد حين من سكرة ألمي لأجد نفسي أمام جدارن آيلة للسقوط!! لتشكل ما يسمى بالدار!!
الجزء السادس قفزت سارة من السيارة و أسرعت تلهث بإتجاه بيتهم!! و تبعها الدكتور محمد راكضاً!! بينما تجمدت أنا في مكاني للحظة ..أمعن النظر في الصدأ المتراكم على حافة الباب!! و إذ بي أهلع خوفاً من فأر كبير..قد قفز أمامي فجأة إلى داخل الدار !! و كأنه قد ألف الدار و أهلها..أو ربما اعتبر نفسه من أصحاب الدار !! أسرعت ألج إلى الداخل مسرعة على أثر الدكتور محمد!! و الذي رأيته منكباً على سيدة شابة في العقد الثالث من عمرها !! قد افترشت الأرض..و تشرب وجهها بزرقة مخيفة !! جثوت على ركبتي بالقرب منهما..بينما تعلق نظري بسارة التي هرعت إلى أحد الأركان المتهالكة لتجلس هناك و قد ضمت إلى صدرها ..عروساً بالية من قماش معدم!! كانت ملقاة جانبا في ذاك الركن !! و سمعتها تهمس إلى العروس ..بأن إطمئني فأمي ستُشفى..حتما ستُشفى !!! لم تكن تلك الدمية إلا رمزاً لطفولتها المهدورة.. فلها دُمى و ألعاب كغيرها من قريناتها في هذا العمر!! ولكن الزمن الجائر قد حمّلها الشقاء الذي سلب منها طفولتها.. بينما أضافت المعاناة بضع سنين على عمرها.. انتقلت بنظري إلى الدكتور محمد المنكب على جسد أم عمار..و عندما رفع رأسه بإتجاهي ..و التقت نظراته بنظراتي..عرفت جيدا ماذا سيقول .. فالجثة الهامدة أماهه قد فارقت الحياة منذ عدة ساعات!!
انتقلت إلى جوار سارة ..و أخذتها بين أحضاني..و أجهشت معها في البكاء.. أردت أن أسكب شيئا من عبراتي لتذكرني بمدى بؤس الأخرين و شقائهم..فلا يموت الإنسان فيَ مرة أخرى !! كما أردت أن أسرد بعبراتي لهذه الجدران..حكاية شقاء من فعل الزمن..و كيف انتهت بموت رحيم .. فالموت رحمة أرسلتها الأقدار لتنشل أم عمار من براكين الألم و المعاناة .. أسرعت بالخروج من ذلك البيت ..الذي كان أشبه بالقبر أو التابوت المخيف..!! و ألقيت نظرة أخيرة على أم عمار .. فسمعت روحها توصيني بعمار و سارة !! فعاهدتها على التحمل بالأمانة .. فأنا قد نذرت نفسي لهما منذ أزمان.. فلتهنأ بالاً .. فأمانتها في عنقي ما حييت !! أخذت سارة معي إلى حيث أمي..إذ كم شعرت بالحاجة إلى الإرتماء بين أحضانها بعد أحداث عصيبة مررت بها..فهي وحدها القادرة على مسح آلامي و التخفيف عني..و هي من ستشد على يدي و تبارك لي مسؤوليتي على عمار و سارة .. بينما بقي الدكتور محمد هناك..ليكمل إجراءات نقل الجثة ..و إخبار الشرطة ..و ما إلى ذلك من إجراءات.. بعد عدة أيام جاءني صوت منى في الهاتف معاتباً إياي على عدم دوامي في المستشفى لمدة يومين كاملين ..دون إشعارها مسبقاً بالأسباب !! فأخبرتها بالتطورات الجديدة..و كيف أن الفتاة قد انتقلت للعيش معي و مع أخيها عمار..بعدما توفيت أمهما!! و رغم تعاطف منى مع قصة فتى الإشارة !! إلا أن في نبرتها كان هناك لوماً و استنكاراً !! فقد كانت ترجح فكرة إيداعهما دارا ً للأيتام..مع أنها تعلم عدم توفر مثل هذه المؤسسات الخيرية في قريتنا هذه..و لابد من انتقالهما إلى العاصمة و التي تبعد عنا بعدة كيلومترات..لإكمال مثل هذه الإجراءات !! هذا إلى جانب أنها كانت ترى أني في سن الزواج!! فمن ذا الذي سيقبل الإرتباط بي..و في عنقي طفلان!!
و لا أنكر أن النقطة التي أثارتها منى قد تكون مهمة بعض الشيء !! و لكني لم أكن أعيرها أي إهتمام و أنا أسمع سارة و عمار ينادياني بماما عُلا !! فذلك وحده كان كفيلاً بأن يؤنسني.. و يذكرني بمعاهدتي للجثة بأنهما في رعايتي ما حييت !!
الجزء السابع و الأخير.. كانت بداية حياة عمار و سارة في منزلي أشبه بالمأساة..فقد كان كل شيء غريب عليهما !! حتى جهاز التكييف..لم يعرفا التعامل معه!! فكادا أن يتسببا بالخطأ في حريق كهربي!! لولا أن لطف الرحمن !! و لا زلت أتذكر ما رسماه من علامات الدهشة و الإنبهار على وجهيهما عندما أجلستهما لأول مرة على (الكمبيوتر)هذا الجهاز العجيب ..كما أسمياه فيما بعد !! و ربما انفجرت ضاحكة عليهما ..عندما طلبا ببراءة مني السماح لهما بتحريك المؤشر بإستخدام ( الماوس ) ..و كأن في ذلك متعة كبيرة!! بل أنهما قد إستخدما كلتا اليدين في تحريكه..ظنا منهما أن ذلك يحتاج إلى مجهود جبار!! و مع هذا فإني أحببت فضولهما و حبهما للإستطلاع!! فخصصت الكثير من وقتي في تعليمهما و اردت إعادة تقويمهما ..فقد أكسبهما الشارع الكثير من الصفات السلبية!!
و ذات مرة ..و بينما كنت مع عمار أعلمه القراءة..تناهى الى سمعي طرقات عنيفة على الباب..و سمعت أمي بعدها بلحظات تناديني هلعة !!! فقفزت إلى الصالة..لإستطلاع الأمر !! و من خلفي كان سارة و عمار.. و إذ بي أمام رجل ضخم الجثة , كث الشعر و الشارب.. يكاد يسقط على الأرض من شدة سكره!! و جمدت في مكاني..عندما رأيت سارة تتعلق بأذيال ثوبي خوفا منه و هي تتمتم بصوت بالكاد يسمع.." ماما عُلا.. احميني منه..سيحرقني مجددا بالسجائر.. سيضربني..!! فأدركت باستغاثتها هذه.. أني أمام من تسميه بالغول!! -" ريحانتي قلبي ..سارة و عمار..هلمّا إلى أبيكما المشتاق..فقد افتقدتكما كثيرا..!! سنذهب معا لشراء الأيسكريم من المجمع " هكذا هتف فيهما ذلك الغول ..من انعدم فيه الإحساس!! و هو بالكاد يعي ما يقوله لهما من شدة السكر!! "هل الآن فقط أصبح لهما أباً مشتاقأً؟؟!! و هل الآن فقط تذكر واجبه إتجاههما؟!! " و ما كان الموقف لينتهي على خير..إلا عندما تدخل حارس المبنى لنجدتنا..فأسرع بطرد الغول من شقتنا و الذي أخذ يكيل لنا السباب و أفضع الشتائم !! " سأرفع عليكما قضية إختطاف.. وإن غدا لناظره لقريب..ولتبلغي الدكتور محمد تحياتي و أشواقي الحارة!!!" أسرعت بعد ذلك بالإتصال إلى الدكتور محمد لأحذره من الغول و لأخبره بقضية الإختطاف التي سيرفعها علينا ذلك الغول.. فقد شعرت أن نبرة التهديد التي وجهها الي الغول..كانت تمسه ,مما جعل كياني ينقبض خوفاً عليه من أن يمسسه سوء!! و لكني للأسف لم أجده.. فقد كانت جميع هواتفه مغلقة أو ترن و لكن دونما مجيب..
في صباح اليوم التالي..هاتفتني منى لتخبرني بأنه قد تم الإعتداء على الدكتور محمد!!! و لكن و لله الحمد أنه لم يصب بأي سوء ما عدا بعض الجروح الطفيفة.. و كاد قلبي أن يسقط صريعا لمثل هذا الخبر.. و لذا فإني أسرعت إلى المستشفى للإطمئنان عليه.. و لكنه كان نائما حينها.. عاودت زيارته فيما بعد.. مصطحبة ً معي هذه المرة سارة و عمار.. و لمحت شرطيا في غرفته..كان على ما يبدو يأخذ أقواله في حادثة الإعتداء هذه... فشاركتهما الحديث بإهتمام بمعرفة التفاصيل.. فعرفت من الضابط أنه قد تم القبض على الغول ..و إيداعه السجن..بعد أن وجهت إليه عشرات التهم ..أهمها محاولة الإعتداء و حتى القتل العمد..إذ كان على علم مسبق بإصابة زوجته بالورم الخبيث , و مع هذا فقد منعها من زيارة الطبيب!! ..هذا إلى جانب الضرب المبرح لأطفاله..و السكر و العربدة.. أشعرني الشرطي بكلامه هذا بأن الغول سيبقى أبد الدهر خلف القضبان..فأطلقت تنهيدة راحة عميقة..و كأن هماً ثقيلاً قد زاح للتو عن صدري..
بعد خروج الشرطي..التقت عيني بعيني محمد..و كان هناك الكثير من الكلام ليدور بينهما..أردت إخباره بأني جد أسفة.. إذ ربما أنا من سببت له حادثة الإعتداء هذه!!! و أني ما كنت لأسامح نفسي ابدا ً إن أُصيب هو بأي مكروه.. كما أردت إخباره بأني أحمد ربي على سلامته ألف مرة!! و لكنه لم يدع عيناي تكملان حديثهما إذ قاطعني مببداً للصمت الذي كان يلف الغرفة قائلاً: " أعلم أن الوقت غير مناسب..و لكن هل لك أن تقبليني أباً لعمار و سارة؟؟!!"
لا أنكر أن هالة من السعادة قد طوقت قلبي لطلبه هذا..فأطرقت رأسي خجلة مرتبكة..فكان صمتي ليخبره بموافقتي.. كما أني رفعت إليه عينين نديتين..لتخبرانه أيضا بجزيل شكري..إذ أنه قد أثبت لي و لمنى.. و للجميع أنه ما زال هناك من لم و لن يموت فيهم الإنسان!!
فتى الإشارة .. تستحق أن تتوّج ضمن كوكبة من الإبداعات الكتابية ..:icon30: راااااااااائعة .. رائعة هي مشاعر الكاتبة .. أتقنتي نقش إحساسكـ المرهف غاليتي .. أتقنتي فـنّ الولوج إلى أعماق النفوس .. والتحدث على لسانها.. في الواقع .. خنقتني العبرة .. حفرت مفرداتك في نفسي الأخاديـد .. كان همسكـ ناطقاً بقوة .. رباااااه .. أيعقل ..!! كل هذه القسوة يحويها قلب كائن يسمونه أب !! ؟؟ ولمَ لا ؟؟ ألم يثمل عقله من فعل المسكرات .. ؟؟ ألم يضع عمره بين أحضان النزوات ؟؟ اللهم عليكـ بكل من قسى على الطفولة .. على كل من سلب الأطفال الحنان والعطف .. الطفل كائن رااائع .. يريد من يشبعه العاطفة .. الحنان والحب ..
ابنة الشهيد الرائعة .. المتألقة .. لإحساسكـ باقة ورود حمراء زكية .. لقلمك وابل من إعجاب وتقدير .. ولمتصفحكـ تصفيقة عاااااااالية ..
ما شاء الله قصة رائعه سلمت يداك على هذه السطور الرائعه فعلا اعتصرت قلبي المأساة وتذكرت واقع مرير هناك في كثير من الاماكن اللتي لانرغب حتى بالمرور بجانبها خوفا من تذكر اننا مقصرون بحق الانسانيه بارك الله فيك يا اختي وجزاك الله خيرا لهذه القصة المؤثره استمري فقد وجدت من يتابعك بشغف استمري ولا يهمك كمية الردود والمتابعين بالمنتدى فكل له اهتماماته والبعض لا يجد الوقت لقراءة القصص هنا ولكن لا تخافي سيأتي ذلك اليوم لا محاله..... اذا استمر من هم من اصحاب الموهبه مثلك بالكتابه....... دمتي بود