OIP (276).jpgفي إحدى المشاكل التي تدخلت بين أطراف النزاع فيها، وجدت أمراً عجيباً جداً !!
كل أطراف النزاع لديهم غل غير طبيعي من بعضهم البعض...
زوجة، وزوج... وأطراف من العائلتين...
السمت العام للعائلتين هو الاحترام، بل الاحترام جداً... والسمعة الطيبة بين الناس.
فأين المشكلة؟!!
الزوج مثلاً رجل هادئ، وذو مركز مرموق، ومشهود له بدماثة الخلق، وحسن التعامل مع الآخرين...
عندما تسمع رأي أهل زوجته عنه ستجد العجب!! كأنهم يتكلمون عن شخص آخر تماماً.
والزوجة امرأة راقية، ومشهود لها بالخلق، والاحترام في التعامل مع الآخرين في مكان عملها و كذلك مع جيرانها...
تسمع رأي أهل زوجها تجد العجب!! كأنهم يصفون امرأة أخرى تماماً.
ما السر في هذا؟
بعد قليل من التحري وجدت أصل الآفة في هذا البيت: هذا البيت لا يكف أطرافه عن الحديث عن بعضهم البعض، ولا أسرار تكتم عن أحد.
بيت من زجاج... بل من هواء حرفياً...
وبالتالي... كل طرف صار مطلعاً على خلجات النفوس... وفلتات الألسن... وهمسات المجالس الخاصة...
هذا السلوك أدى إلى تدمير العلاقات حرفياً.
وصار كل طرف لديه من الضغائن تجاه الأطراف الأخرى، وهناك أكوام متشابكة من خيوط النفس الدقيقة التي صار من الصعب فك اشتباكها...
لقد تعكرت مياه هذا المنزل بنجاسة يصعب تطهيرها!!
من أين بدأ الخلل؟
بدأ الخلل من نقطة البداية عندما اعتبر أطراف العلاقة (الزوج/الزوجة) أن التحدث عن الطرف الآخر أمر طبيعي، و أن الكلام عن تفاصيل الحياة في البيت أمر طبيعي، و أن إخبار الأقارب (خاصة الأب والأم) بتفاصيل المواقف، وتفاصل المشاكل أمر طبيعي...
كل هذه الأمور التي اعتبرت طبيعية أدت إلى نتائج كارثية.
ولكن السؤال: هل من المطلوب كتمان كل شيء في البيت؟ وعدم الكلام عن أي شيء يخص البيت؟ وماذا عن استشارة الآخرين لحل المشاكل؟
نبدأ ببعض المقدمات البدهية التي افتقدت في حياتنا:
الأصل في المجالس بصفة عامة هي الأمانة: فكل جليس مؤتمن على ما قاله من جالسه.
قال رسول الله ﷺ: «إنَّما المَجَالِسُ بالأمَانةِ» [حسن].
وقَالَ ﷺ: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ » [حسن].
هذا في المجالس بصفة عامة، فما بالك بمجالس البيوت، وأسرار البيوت!!
انظر إلى الأدب الذي تعلمه سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه في بيت النبوة:
فعن ثابت عن أنس قال : أتى عليَّ رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان، قال : فسلَّم علينا ، فبعثني إلى حاجة فأبطأتُ على أمي ، فلمَّا جئتُ قالت : ما حبسك ؟ قلت : بعثني رسول الله ﷺ لحاجة ، قالت : ما حاجته ؟ قلت : إنها سر ، قالت : لا تحدثنَّ بسرِّ رسول الله ﷺ أحداً. قال أنس : والله لو حدثتُ به أحداً لحدثتك يا ثابت . [رواه مسلم ].
وطبعاً أعظم أسرار البيوت هو ما يكون من أمر العلاقة الخاصة بين الزوجين، فلقد شدد الشرع جداً في أمر إفشاء سرها: قال ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» [رواه مسلم ] .
وهناك أمر بدهي آخر مفتقد:
إن ذكر الزوج/أو الزوجة بما يكره في حال الحديث عنه هو من الغيبة المحرمة.
قَالَ ﷺ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» [رواه مسلم].
وأما عن التحدث بما يحدث بين الزوجين من مشاكل، فهو جائز بقيود:
1- أن يكون الغرض من ذلك : الاستفتاء، أو الاستشارة للوصول إلى حل للمشكلة.
وليس مجرد الفضفضة، والقيل و القال، وأشر من ذلك من كان من طبعه كثرة الشكوى وعدم الرضى، فيكون كلامه تنفيساً عما بداخله، وليس هناك مشكلة أصلاً.
2- أن يكون الطرف الذي سيخبره له أهلية : سواء للفتوى أو الاستشارة.
فقد تكون الأم مثلاً هي أقرب الناس للزوجة، لكنها ليست أهلاً للاستشارة في مشكلة البيت، فهنا يجب على الزوجة عدم إخبارها بالمشكلة، والبحث عن طرف عاقل مؤتمن للبحث عن الاستشارة لديه.
3- ألا يترتب على هذا مفسدة أكبر: فقد يكون الأب، أو الأم، لديهم من العقل و الحكمة ما يسمح بالاستشارة، ولكن هذا الموقف تحديداً لو سمعوا به لفسدت العلاقة مع الطرف الآخر (الزوج/ أو الزوجة).
فهنا درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
4- أن تكون الحاجة داعية أصلاً لدخول طرف ثالث بين الزوجين، وأن يصل الحال من عدم الاتفاق، وعدم التفاهم ما يستدعي تدخل طرف للاستشارة، أو ما هو أكثر من الاستشارة.
هذه القواعد البسيطة في رأيي من أخطر الأمور في ملف الحياة الزوجية بصفة عامة، والالتزام بها كفيل وحده بأن يحل قدراً كبيراً من مشكل... بل وكوارث البيوت.
على هذا القدر من الستر كانت بيوتنا...
ولقد خسرنا كثيراً عندما هتكت الأستار...
وتصدعت الأسوار !!!





د.محمد فرحات