السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
ترددت كثيراً قبل أن أكتب مشكلتي لكنني بالفعل بحاجة لرأي سديد.. خصوصاً في ظل غياب الموجه الحكيم في حياتي.. أنا سيدة متزوجة من سنتين وقبل ذلك كنت قد عشت تجربة زواج فاشل لم يستمر لأشهر (نظراً لاكتشافنا أنه مريض بمرض نفسي) المهم أصر أهلي علي تزويجي رغم أنه لم يمر على طلاقي سوى سبعة أشهر، وحجتهم أن المتقدم لا يرفض وهو شاب لم يسبق له الزواج وخريج جامعي


وتم الزواج بتردد كبير مني، وزوجي إنسان كريم الخلق ومحترم لكن مشكلتي أنه يرغب بتأجيل الإنجاب، خصوصاً أن أهله لا يعلمون بزواجه مني (زواجنا زواج شرعي سليم)، وقد تزوج بدون علمهم، نظراً لتعنتهم الدائم وإصرارهم على تزويجه من إحدى قريباته التي يرفض الزواج بها.. وهو إنسان صريح، أخبر أهلي بحقيقة وضعه مع أهله وبرغبته بتأجيل الإنجاب وطلب منهم إخباري ليكون كل شيء على بينة لكن أهلي سامحهم الله أخفوا عني الحقيقة لعلمهم إني سأرفض قطعاً.. وهو يريد أن يحقق وضعا مستقرا ووقتا مناسبا ليصارحهم دون أن يخسرهم، ونحن نعيش بإحدى دول الخليج بينما هم في بلده وللعلم زوجي من غير جنسيتي وهذا ما عقد الموضوع أكثر.. (وقد تزوج مني لرغبته بزوجة محافظه تربت على الدين والحياء نظراً لتحرر بنات بلده الشديد ورفضه لذلك.. مصري وأنا من اليمن)، المشكلة أني أحب الأطفال كثيراً ومتعلقة جداً بهم وكنت أحلم بإنجاب دستة أطفال بينما زوجي لا يهتم لهم كثيراً ويرغب بعدد معين وقدر الله وما شاء فعل.. وقد مرت سنتان والثالثة على الأبواب ووضعنا المادي صعب قليلاً وهذا ما يجعله يؤجل أكثر.. ماذا أفعل، هل أطلق مرة أخرى لكن من سيتزوج مطلقة مرتين علماً بأني ما زلت صغيرة (27) سنة.. وبصراحة زوجي كريم ومتفهم وطيب ومن النوع الملتزم ببيته وعمله وهذا ما تفقده كثيرات في حياتهن الزوجية.. ومن خلال عشرتي معه أرى فعلاً أنه صادق ويتمنى لو يستطيع أن يلبي لي كل أمنياتي، لكن الظروف وحدها هي ما يمنعه (فقد فصل من عمله وبقي مدة يبحث عن آخر وما يلحقه من تغيير الكفيل، وتعرفون كيف يكون الوضع المادي في ظل هذه الظروف)، ومن جهة تعنت أهله وسلبيتهم وأنا لا يهمني أن يعرفوا بقدر ما يهمني الأطفال.. وحياتي معه ليست كحياة أي أسرة أخرى فلأننا من ثقافتين مختلفتين (هو منفتح وأنا محافظة)، تحدث بعض التوترات والتحديات لكنه من النوع المتفهم الذي يقنع ولا يجبر، يحاول دوماً أن نصل معاً لحل وسط يرضي جميع الأطراف، وأخلاقه الكريمة معي هي دوماً التي تمنعني من اتخاذ أي قرار صارم، علماً بأننا كنا قد قررنا الانفصال بعد عام من زواجنا وطلقني طلقة واحدة، لكن بعد مدة عدنا لبعض لحبنا الشديد وتعلقنا ببعض، وأعترف أنا التي دفعته تلك الأيام لاتخاذ ذلك القرار بعصبيتي وضغطي الشديد عليه بموضوع الإنجاب.. قد تقولون أين أهلي من كل ذلك؟.. للأسف أهلي من النوع السلبي المتفرج لا يهمهم أن أرتاح بقدر ما يهمهم أن أريحهم من همي، خصوصاً أننا عائلة كبيرة كثيرة الأبناء.. لا أدري ماذا أفعل هل أصبر سنة أخرى أم أتخذ قراري الأخير، وحتى لا أظلمه لدي بعض العيوب التي تغاضى عنها.. عصبية متصلبة في الرأي قليلاً ويحاول أن يكسبني دوماً ويحببني فيه.. لكنني كنت أحلم برجل يعيش معي حلم الأمومة ويسعى له؟.. وحالياً يمر بوعكة صحية (انسداد بشريان في القلب)، وقد تجرى له جراحة وظروفنا المادية تحتم على أن أنتظر سنة أخرى بعد أن كان وعدني بالإنجاب بعد مرور سنتين لكن يبدو أن الله لم يقدر لي بعد.. وصعب علي أن أناقشه في الموضوع في ظل ظروفه الحالية وإلى الله المشتكي.. (في داخلي قهر كبير ناحية أهلي فهم من ارتضوا لي هذا الوضع.. والحمد لله على كل حال).


الاجابة :
ــــــــــــــ
المستشار : عبد العزيز بن عبد الله بن صالح المقبل

البنت الفاضلة: ريمان.. السعودية، تحية طيبة، وبعد:
ابنتي الكريمة: تشيرين إلى أن أهلك استعجلوا زواجك بعد طلاقك الذي لم يمض عليه سوى سبعة أشهر، ولكن لعل أهلك لاحظوا أن المتقدم ذو صفات رائعة، وقد أشرت أنت إلى أنه (شاب جامعي خلوق محافظ)، وهي صفات اجتمع فيها (الدين والخلق) فأصبح صاحبها ممن (يرضى)! ولذا فقد لاحظت أنه رغم ترددك (الكبير) في الدخول إلى بيت الزوجية، ورغم دفعك زوجك ـ في لحظة من لحظات الغضب ـ لاتخاذ قرار بالطلاق الذي رجعتما بعده، ورغم عصبيتك، وتصلبك في الرأي معه، إلا أنك تعبرين عن علاقتك بزوجك بقولك: (حبنا الشديد، وتعلقنا ببعض)!
ابنتي الكريمة: إن راحة الزوجة النفسية مع زوجها هي أولوية مهمة في الحياة الزوجية.. وواضح من خلال حديثك عن زوجك أنه يشتمل على صفات جدِّ رائعة، فقد قلت عنه في ثنايا رسالتك: (إنسان كريم الخلق، محترم، إنسان صريح، رغبته بزوجة محافظة تربّت على الدين والحياء، كريم، متفهم، طيب، من النوع الملتزم ببيته وعمله، وهذا ما تفتقده (كثيرات) في حياتهن الزوجية، من خلال عشرتي معه أرى (فعلاً) أنه صادق ويتمنى لو يستطيع أن يلبي لي كل أمنياتي، لكن الظروف وحدها هي التي تمنعه، وحين تحدث بعض (التوترات) بسبب اختلاف ثقافتيكما وبيئتيكما فإنه ـ كما تقولين - من النوع المتفهم، الذي يقنع ولا يجبر، يحاول (دوماً) أن تصلا معاً لحل يرضي (جميع الأطراف).. وهذه الصفات (يندر) أن تجتمع في (شخص)، ووجود (أكثرها) في شخص يعد (منقبة) فيه، فكيف حين تجتمع!! وواضح ـ ابنتي الكريمة ـ أنك حين تسوقين هذه الصفات في معرض عرض مشكلتك، أنك (ترسلين) رسالة واضحة لمن يقرأ رسالتك، وكأن أسطر رسالتك وكلماتها تقول لقارئها: أرجوك اطرد عني ما ينتابني من (هواجس) في مفارقة هذا الزوج (الكريم)، بل ربما قالت (كلمات) رسالتك:
(حرام عليك أن تشير عليها أن (تفرط) في هذا الزوج.. فهل تتوقع أن تجد (مثله)!؟
ابنتي الكريمة: إن أبرز مشكلة تعانين منها، وتضايقك في زوجك هي (رغبة زوجك بتأجيل الإنجاب)، وتشيرين إلى أنك (تحبين الأطفال (كثيراً)، ومتعلقة بهم، وكنت تحلمين بإنجاب (دستة) أطفال! (!!) بينما زوجك لا يهتم لهم (كثيراً)، ويرغب منهم بعدد معيّن)!
ولعلك تلاحظين ـ ابنتي الكريمة ـ في ظل الأوضاع المعاصرة ماذا يفعل مجرد الاهتمام بـ(كثرة) الأولاد دونما (عناية) بتربيتهم!!.. منذ زمن كان المجتمع بعامة يربي، لأن (قِيَمَه) سليمة، وربما حلّ (الجار) محل الأب، بل ربما أمسك رجل بعيد (شاباً) رآه يمارس (سلوكاً) غير حميد، وكلّمه كما لو كان (أباً) له.. لكن الواقع المعاصر ـ بتعقيداته جعلت أحياناً حتى الأب والأم يخرجان معاً للعمل، ويزحم عملُهما (عنايتَهما) بأطفالهما!، بل ربما حتى (جلوسهما) معهم!
كما أن وسائل التأثير السلبية، التي تملأ الأجواء، تجعل من التربية في العصر الراهن أمراً (صعباً)، باعتبار أن تربية الأطفال ليست (الأسرة) من يتحكم فيها فقط، فهناك المدرسة والشارع.. بل هناك وسائل الإعلام التي تملأ الفضاء، وربما أن (كثرة) الأبناء ـ في ظل الأوضاع المعاصرة ـ تجعل كلاً منهم ينشغل بذاته، ويحمل همّه وحده، فلكلٍّ منهم همه الخاص، وهو ما يضعف الرابطة بينهم كأخوة، ولقد قلتِ بنفسك ـ ابنتي الكريمة -: (أهلي من النوع السلبي المتفرج لا يهمهم أن أرتاح بقدر ما يهمهم أن أريحهم من همي خصوصاً وأننا عائلة كبيرة كثيرة الأبناء)!
ابنتي الكريمة: أنت لا تزالين صغيرة السن، ولله الحمد، وأمامك مستقبل جميل بإذن الله، ومن المهم التأكيد ـ في الوقت الراهن ـ على (دعم) زوجك قدر الإمكان من الناحية المعنوية؛ في جانبيه الوظيفي والصحي.. وإذا كان قد (حطّم) كثيراً من (السدود) ليرتبط بك كزوجة ذات دين وخلق، فقد قال أكثم بن صيفي قديماً: ما أعان على المكرمات مثل النساء الصوالح.. ولو كانت رغبته في تأجيل الإنجاب، وعدم (إخبار) أهله بزواجه منك منطوية على (خداعك)، ومجرد الاستمتاع بك، ومن ثم طلاقك، وعدم التورط معك بأطفال لكنت أول من يطلب منك الانفصال السريع، والبحث عن زوج (صادق) في علاقته معك، لكن (مؤشرات) رسالتك تدل على (صدق) الرجل، وصحة مقصده من تأجيل الإنجاب.
ابنتي الكريمة: أشرت في رسالتك إلى مشكلة جانبية، وهي اختلاف بيئتيكما في المحافظة والانفتاح، ولا شك أن لذلك أثره في الحياة الزوجية، لكن من حسن حظك، ورحمة الله بك، أن زوجك رجل طيب القلب، ناضج العقل، لا يعتمد فرض رأيه، وإنما ـ كما تقولين -: (يقنع ولا يجبر)، ويحاول (دوماً) أن تصلا إلى حل وسط يقنع كلا الطرفين.
ابنتي الكريمة: إن أهل زوجك يمثلون له (تحدياً) غير عادي، ولو كان غيره ربما لحدث بينه وبينهم (مشكلات) كبيرة، لكن من الواضح أنه يحاول ـ بذكاء ـ وخطوات متدرجة التخلص من (هيمنتهم) عليه، وهو ما دعاه ـ خاصة في ظل ظروفه المادية الصعبة ـ أن يؤجل إخبارهم، ويؤجل الإنجاب.. ومن هنا تتأكد أهمية مساندتك النفسية له، خاصة وأنت تدركين نظرة المجتمع للمطلقة (وهي نظرة اجتماعية ليست شرعية)، فكيف بالمطلقة مرتين!؟ وأنا متأكد أن (صفات) زوجك تمثل (حبات) سبحة من الخير قلّ أن تتوفر في زوج، وهو بهذه الصفات سيزداد حباً لك، وعناية بك، وربما استجابة لك حتى في موضوع الإنجاب، حين تقبلين عليه وتساندينه، وتخففين من مصيبته.
ابنتي الكريمة: لقد بذل زوجك مجهوداً نفسياً كبيراً للارتباط بك، ودوافعه في ذلك البحث عن الدين والخلق.. فهل ترين ـ يا ابنتي ـ أن العصبية والإصرار على الرأي يمثل الفتاة (الخلوقة الملتزمة)!؟
إن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ جعل للزوجة التي تموت وزوجها عنها راضٍ أن (تُخَيّر) في الدخول من (أيّ) أبواب الجنة شاءت.. فهل ترين زوجك ـ رغم حبّه لك ـ يرضيه أن تكوني عصبية!؟
كما جعل ـ صلى الله عليه وسلم ـ من صفات الزوجة الصالحة أنها تسُرّ زوجها إذا نظر إليها، فهل ترين ـ ابنتي الكريمة ـ أن زوجك يسره أن تظهري بمظهر العصبية المنفعلة!؟
إن الإنسان حين يغضب ويترك العنان لانفعاله فإن ذلك يؤثر على نفسيته بدرجة كبيرة، ولكنه في الوقت نفسه يبديه بصورة فيها قدر غير قليل من القبح، فهلا نظرت ـ ولو مرة واحدة ـ عند انطلاق (ثورة) غضبك إلى المرآة!؟
ابنتي الكريمة: إني ألمح فيك ذكاء وعقلاً.. وقد أنعم الله عليك بزوج حسن الدين والخلق، وأرجو أن يكون ذلك دليلاً على توفيقك وحب الله لك.. وقد أوضحت لك فيما سبق وجهة نظري في كثرة الأولاد، كما أبنت لك أن مراعاة ظروف زوجك في ظل صغر سنك مهمة في تأجيل الإنجاب ولو سنتين أخريين، وأعتقد جازماً أنك قادرة على إثبات ذاتك بأكثر من أسلوب، ريثما يمنّ الله عليك بالأطفال، الذين أرجو أن يصلحهم الله على يديك وزوجك.. كما أني واثق من قدرتك على رفع مستوى العلاقة بينك وبين زوجك بما ينعكس على راحتكما النفسية، وعاقبتكما الأخروية، والتعاون معه على البر والتقوى.
كتب الله لك الهداية والصلاح، وثبتك على الحق، وأزال همك وغمك، ووفقك لكل خير.