تفسير

إنضم
2008/06/23
المشاركات
116
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:11-13].
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ[صّ:29].
﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[الحشر:21].
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ[الزمر:23].
قلنا إن الله تبارك وتعالى ربط بيننا نحن المؤمنين برباط الأخوة الإيمانية فقال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10].
وامتن الله سبحانه وتعالى بهذه النعمة فقال: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَان[آل عمران:103].
وأمرنا سبحانه وتعالى بالمحافظة على هذه النعمة بفعل كل ما يوطدها ويقويها ويديمها ونهانا عن كل ما يقطعها ويفرقنا ويلقي بيننا العداوة والبغضاء، من ذلك ما نهانا الله تبارك وتعالى في الآية الأولى التي استمعنا إليها آنفاً ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ
ثم نهانا الله سبحانه وتعالى عن ثلاثة أخرى من شأنها أن تتقطع الصلات التي بيننا وأن تقضي على المحبة والوئام وأن توجد فينا العداوة والبغضاء ............ قطع في الشريط
كما عرفها النبي صلى الله عليه وسلم الغِيبَة ذكرك أخاك بما يكره مما هو فيه أما إن قلت ما ليس فيه فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول بهته .
قال الحسن رحمه الله: الغِيبَة ثلاثة أقسام الغِيبَة، والإفك، والبهتان.
أما الغِيبَة فهي كما ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ذكرك أخاك بما يكره.
وأما الإفك فهو أن تسمع من أحد شيئاً في الآخر فتنقل هذا الكلام بلا تثبت ولا روية كما وقع في حادث الإفك الذي ضربناه مثل للخطر الذي يترتب على الجري وراء الشائعات وقبول خبر الفاسق الذي نهانا الله تعالى عن قبوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[الحجرات:6].
فالغِيبَة على ثلاثة أقسام، الغِيبَة والإفك. والبهتان هو أن ترمي أخاك بما ليس فيه، والله سبحانه وتعالى يشبه الغِيبَة تشبيهاً قبيحاً جدا؛ تنفيراً لعبادة المؤمنين منها فيقول سبحانه وتعالى ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ﴾ والجواب معروف لأن الطبيعة تنفر من هذا ولذلك قال ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ فهذه الكراهية معروفة بداهة وعقلاً فليست محتاجة إلى جواب ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ﴾ لا ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ إذًا كما تكرهون أكل لحم الميت عرفاً وعقلاً فاكرهوه الغِيبَة شرعا؛ لأن الله نهاكم عنها وحرمها عليكم ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً جلس عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف فلما انصرف وقع فيه أحد الحضور ذكره بما يكره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( تخلل، قال مما أتخلل يا رسول الله وما أكلت لحما؟ قال قد أكلت لحم أخيك ).
فالنبي صلى الله عليه وسلم يؤكد ما ذكر في الآية أنه حقيقة من اغتاب أخاه فقد أكل لحمه فليتخلل وليطهر فمه بعد وقوعه في غيبه أخيه، ومن ذلك نفهم أن الغِيبَة قبيحة جداً بل هي كبيرة من الكبائر لأنها توجب العذاب في الآخرة، وكل ما أوجب العذاب في الآخرة فهو من الكبائر يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لما عرج بي ممرت على أقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم )
فإياك أيها المسلم وغيبة المسلمين أمسك عليك لسانك وإذا أردت السلامة فلا تذكر الآخرين إلا بخير لأن ذكر الآخرين لابد أن يجر إلى ذكرهم بما يكرهون.
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت ( يا رسول الله حسبك من صفية كذا وكذا – قال الراوي تعني أنها قصيرة – فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته)
أي قلت كلمة منتنة شديدة النتن لو خالطت ماء البحر على كثرته لغيرت طعمه ولونه وريحه من شدة نتنها، كلمة فلانة قصيرة تُرى لو سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغتاب بعضنا ونأكل لحوم بعضنا ويذكر الأخ في أخيه أقبح من ذلك وأسوأ ماذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمع الألفاظ التي يغتاب المسلمون بها بعضهم بعضاً، وهو يقول لعائشة وقد قالت حسبك من صفية كذا وكذا تعني أنها قصيرة كلمة قصيرة، قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، فخير لك أن تمسك لسانك عن ذكر الآخرين إلا أن تذكرهم بخير محض وأنت على يقين أن هذا خير محض وما سوى ذلك فأمسك لسانك عنه، لأن اللسان يورد الإنسان المهالك والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [قّ:18].
فالملكان عن يمينك وشمالك يكتبان كل كلمة تقولها حتى إنهما ليكتبان قولك دخلت خرجت قمت قعدت أكلت شربت، مما يترتب عليه ثواب، ومما لا يترتب عليه ثواب، ومما يترتب عليه عقاب، ومما لا يترتب عليه عقاب ثم بعد ذلك يمحو الله ما يشاء ويثبت.
نسأل الله أن يعيننا على حفظ ألسنتنا واحترام إخواننا المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه ونستأذنكم في فاصل قصير نعود بعده لمواصلة الحديث إن شاء الله تعالى.

نهانا الله تبارك وتعالى عن ستة أشياء هي التي تجلب العداوة والبغضاء وتقضي على المحبة والوئام الذي أراده الله سبحانه وتعالى لنا.
هذه الستة أشياء هي السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس، والغِيبَة.
ختم الله تبارك وتعالى عن الآية الأولى التي نهى فيها عن الثلاثة أشياء الأولى بقوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وختم الآية الثانية التي نهي فيها عن الثلاثة أشياء الأخرى بقوله ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ
فترى أن الله سبحانه وتعالى في الآية الأولى عد من لم يتب مما وقع فيه من هذه الثلاثة أشياء ظالماً، وكذلك من لم يتب من كل ذنب اقترفه فهو ظالم وترى الله سبحانه وتعالى في الآية الثانية يشير إشارة إلى سعة رحمته وسعة مغفرته وكأن الله سبحانه وتعالى يندب المذنبين والمخطئين الذين أساءوا الظن بإخوانهم أو تجسسوا عليهم أو اغتابوهم إلى أن يبادروا بالتوبة ويعدهم بأن يتوب عليهم ويرحمهم لأنه تواب رحيم .
إذاًَ علينا أن نعلم أن التوبة من الذنب واجبة لأن الله تعالى عد من لم يتب من الظالمين ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وأمر الله سبحانه وتعالى بالتوبة والأمر بالإجابة فقال تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[النور:31].
وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [التحريم:8].
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على التوبة ويرغبهم فيها ببيان سعة رحمة الله وسعة مغفرته، كان صلى الله عليه وسلم يقول ( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة ) فإذا كان هو صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره ومع كون الله سبحانه وتعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يتوب إلى الله تعالى في اليوم مائة مرة فما بالك بغيره، ولقد كان صلى الله عليه وسلم يقول ( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ) .
وقال صلى الله عليه وسلم ( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ).
وقال صلى الله عليه وسلم ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرر ).
وكان عليه الصلاة والسلام يبين سعة رحمة الله وسعة مغفرته وقبوله لمن تاب مهما كثرت ذنوبه وعظمت، قال عليه الصلاة والسلام ( كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب يتعبد بلا علم فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال الراهب لا، كيف يتوب الله عليك وقد قتلت تسعة وتسعين نفساً ظلماًَ وعدوانا لا يتوب الله عليك فقتله فأتم به المائة ) لكن الرجل قلبه معلق بالله يطمع في رحمة الله ما زال يريد من يدله على الطريق إلى الله عزّ وجلّ ( فسأل الناس عن عالم فدلوه على عالم حقاً فأتاه فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ قال نعم، ومن يحول بينك وبين الله، انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناس يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق الرجل مهاجرا، حتى إذا نصف الطريق وقع ميتا ولم يكن أقرب إلى بلده التي هاجر منها ولا أقرب من التي أراد الهجرة إليها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ملائكة الرحمة يقولون: جاء تائباً مقبلاً بقلبه على الله تعالى نحن أحق به يدخل الجنة وملائكة العذاب يقولون قتل مائة نفس ولم يعمل خيراً قط نحن أحق به يدخل النار، فبعث الله تبارك وتعالى إليهم ملكاً في صورة بشر فجعلوه بينهما أي حكماً فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أية منهما كان أدني فاجعلوه من أهلها، إن كان أقرب إلى بلده التي هاجر منها فاجعلوه مع أهلها وإن كان أقرب إلى البلد التي هاجر إليها وأرادها فاجعلوه مع أهلها فلما انشغلوا بقياس المسافة قال صلى الله عليه وسلم فأرسل الله عليه ريحاً فزحزحته قيد شبر جهة بلدة الطاعة فكان أقرب إليها فقبضته ملائكة الرحمة فدخل الجنة)
وفي هذا ترغيب للمسرفين الذين أسرفوا على أنفسهم في معصية الله عزّ وجلّ ألا ييأسوا من روح الله ولا يقنطوا من رحمة الله مهما كثرت ذنوبهم ومهما عظمت أخطاؤهم والله سبحانه وتعالى قد صرح بذلك في قوله ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[الزمر:53].
عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول هذه الآية أن رجالاً مشركين قتلوا فأسرفوا وزنوا فأسرفوا شرك وزنا وقتل، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد إن ما تدعوا إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا توبة؟ لقد سمعنا دعوتك وسمعنا ما تدعو إليه واستحسنا دعوتك ودينك، ولكننا قوم أسرفنا على أنفسنا في المعاصي فلو أخبرتنا أننا لو آمنا بك وصدقناك واتبعناك غفر الله لنا ذنوبنا ولم يؤاخذنا بها نحن مستعدون على أن نبايعك على الإسلام من الآن ولكن إذا آخذنا الله بذنوبنا فما يغني عنا إسلامنا فأنزل الله تبارك وتعالى في حقهم هذه الآية ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وأنزل فيهم أيضا قوله سبحانه وتعالى ﴿ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيم[الفرقان:68-70].
فلا تقنط أيها العاصي من رحمة الله ولا تيأس من روح الله، إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل وهو يعدك إن أحسنت التوبة أن يبدل سيئاتك حسنات فأي فضل أعظم من هذا الفضل وأي نعمة أكبر من هذه النعمة أن يبدل الله سيئاتك الماضية حسنات يكتب الله لك أجرها وثوابها وينفعك بها يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، لكن اعلم أن التوبة التي يريدها الله منك وصفها الله تعالى بصفة وقيدها بقيد لا تنفعك التوبة إلا إذا كانت موصوفة بما وصفها الله فما هي تلك الصفة؟ وما هذا القيد في التوبة التي يريدها الله منك؟ قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [التحريم:8].
قال العلماء للتوبة النصوح ثلاثة شروط :
الشرط الأول: الإقلاع من الذنب، كيف تخلع ثوبك هذا فتجعله في مكان وأنت في مكان، أول شرط من شروط التوبة الإقلاع من الذنب، لا تتوب إلى الله وأنت مقيم على الذنب مصرٌ عليه متلبس به، لكن تحول عن الذنب اقلع عن الذنب ثم قل تبت إلى الله، الإقلاع من الذنب.
الشرط الثاني: الندم على ما فات، أن تندم على ما سلف منك من الذنوب والخطايا أن تقول كيف تجرأت على ترك ما فرض الله عليّ أو فعل ما حرم الله عليّ، الندم على ما فات.
الشرط الثالث: العزم على ألاّ تعود، أن تعزم عزماًَ أكيداً على ألا تعود إلى هذا الذنب أبد
فإذا توفرت هذه الشروط في توبتك فهي توبة نصوح وأبشر سيتوب الله تعالى عليك ويعطيك ما وعدك ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ .
قال العلماء هذه الشروط الثالثة إنما تشترط من التوبة في الذنب فيما بين العبد وربه وأما إذا كان الذنب متعلقاً بالعباد فيشترط شرطاً رابع وهو أن يرد المظالم إلى أهلها أو يتحلل منهم قدر استطاعته، فإذا كنت قد نهبت مالاً أو سرقته أو أودعت أمانة أو استعرت عارية ثم حجدتها وهي موجودة بعينها عندك فتبت إلى الله سبحانه وتعالى فإن من شروط التوبة أن ترد المظالم إلى أهلها عند القدرة عليها أو تتحللهم، ولكن التحلل مشروط بألا يترتب عليه مفسدة، كأن تأتي رجلاً فتقول له سامحني لقد أخطأت في حقك لقد جحدت لك أمانة أو نهبت مالك أو انتهكت عرضك فيترتب على ذلك مفسدة عظيمة فحينئذ لا يلزم هذا التحلل بل عليك أن تحسن التوبة فيما بينك وبين الله وأن تكثر من الدعاء والاستغفار لأصحاب المظالم لعل الله سبحانه وتعالى يرضيهم عنك يوم القيامة يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له عمل صالح أُخذ من سيئات المظلومين فطرحت عليه ثم طرح في النار ) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه ( أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال صلى الله عليه وسلم ‏المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام ‏وصدقة ويأتي ‏‏وقد شتم هذا ‏وقذف هذا ‏وضرب هذا ‏‏وسفك ‏دم هذا ‏‏وأكل مال هذا فيعطى ‏‏هذا من حسناته ‏‏‏‏‏وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه ‏أُخذ من سيئات المظلومين ‏‏فطرحت عليه ‏ثم طرح في النار ‏) ‏.
فأكثروا من الاستغفار والتوبة ‏وأنيبوا ‏إلى ربكم وأسلموا له من قبل ‏أن يأتيكم العذاب بغتة ‏وأنتم ‏لا تشعرون.
نسأل الله ‏تعالى أن يتوب علينا وأن يغفر لنا ذنوبنا‏ ويكفر عنا سيئاتنا ‏بفضله وكرمه ‏إنه ولي ذلك والقادر عليه، والآن نستطيع أن نستمع إليكم فمن كان عنده سؤال ‏أجبنا عليه بإذن الله ‏عزّ وجلّ .
سأل أحد الطلبة :
بسم الله الرحمن الرحيم جزاكم الله خيراً فضيلة الشيخ، ذكرتم أن الله عزّ وجلّ نهى ‏في سورة ‏الحجرات عن الغِيبَة، ‏وهي من جملة المنهيات التي نهى الله تعالى عنها وذكرتم ‏العواقب الوخيمة التي تلحق ‏الذي يغتاب الناس يوم القيامة ‏‏‏ثم ذكرتم أيضاً سعة رحمة الله عزّ وجلّ وأنه يقبل توبة العبد إذا تاب فإذا أراد صاحب الغِيبَة أن يتوب إلى الله عزّ وجلّ من الغِيبَة فهل للغيبة من كفارة؟
أجاب الشيخ :
كفارة الغِيبَة أن تذكر أخاك بخير في كل مكان ذكرته فيه بشر، ذكرته لفلان بسوء فإذا قابلت فلانا تذكره بخير وهكذا تتبع المجالس والمواطن قدر الاستطاعة التي ذكرته فيها بما يكره فتذكره فيها بما يحب وإذا تفرست فيه وعلمت أنه رجل حليم وصدره واسع وأخلاقه حميدة وأنك لو قلت له يا فلان سامحني لقد ذكرتك مرة بسوء سامحيني سامحك الله اعف عني عفا الله عنك، إذا تفرست فيه وعرفت من مكارم أخلاقه ومحاسن طباعه ما يجعلك تظن أنه يسامحك ولا يتتبعك ولا يلزمك بأن تذكر ما قلت مما يفضي إلى مفسده فاطلب منه السماح والعفو وإذا خشيت من هذا الطلب المفسدة فأكثر له من الدعاء والاستغفار بظهر الغيب
سأل أحد الطلبة :
فضيلة الشيخ في بعض الأحيان الإنسان إذا أراد أن يتحلل من مظالم فاعترافه بهذه المظلمة ربما يجر له ضرر ويقدح فيه مثلا إنسان تعدى على إنسان أو فعل من ورائه فعلاً لا يجوز ربما إذا ذكر له هذا ربما يقدح في شخصية الإنسان نفسه.
أجاب الشيخ :
لذلك قلنا إن التحلل مشروط بعدم المفسدة، العينيات التي هي مظالم الآخرين موجودة عندك بعينها هذه تردها بأي طريقة ولا يلزم أن تقول أنك نهبته أو سرقته أو كذا وكذا تبعثها إليه بأي وسيلة وما أيسر ذلك وما أكثر هذه الوسائل أما ما ليس عينياً من انتهاك عرض أو ذكر بسوء أو نحو ذلك فإن ذكره يؤدي إلى مفاسد فلا يلزم حينئذ التحلل بل يكفي أن تحسن التوبة فيما بينك وبين الله سبحانه وتعالى وأن تكثر من الدعاء والاستغفار لهذا الذي ظلمته. نسأل الله تعالى أن يشرح صدورنا وأن يتوب علينا وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضاه إنه ولي ذلك والقادر عليه
 
مشكورة اختي
طرح قيم ومفيد
بارك الله فيك وشكر الله سعيك
وفي ميزان حسنااتج
 
مادة مفيدة جدا بارك الله فيك
اللهم احسن خاتمتنا اللهم وفقنا وانر دروبنا
 
عودة
أعلى أسفل