شمس بلقيس
New member
- إنضم
- 2008/11/09
- المشاركات
- 1,911
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله في ( مجموع الفوائد واقتناص الأوابد )ص158 ـ 159/بعنوان:
فائدة قصة
رجل له إبنان بلغا سن التمييز, وكان أبوهما إذا ذاك نعم المرء في الملاحظة أخلاقهما وخلائقهما على صغر سنهما, فأراد تكميل ذلك بالتعليم الذي لا تتم الأمور إلا بالتعليم النافع, ولكن مع كل مجتهد مصيب, أراد من اجتهاده أن يبعث كل واحد منهما إلى مدرسة مغايرة للمدرسة الأخرى في أصلها وغايتها وثمراتها, لم يشاور في الإختيار الأصلح أحدآ من الناصحين العارفين, وكان يسمع أن كل واحدة من المدارس راقية, ولكن الأسماء لاتغر اللبيب والإشتراك في المسميات لا تدل على الإستواء في الصفات.
أما أحدهما: فأدخله مدرسة فيها من الفنون العصرية شئ كثير, ولكنها فاقدة للتعاليم الدينية التي هي جوهر العلوم وروحها,
والثاني: أدخله في مدرسة دونها في الشهرة عند الناس, ولا بأس بها في الفنون العصرية, ولكنها مؤسسة على العناية العظيمة في التعاليم الدينية وتهذيب الأخلاق والحث على كمالاتها,
( إنتبه )
ولكن عند الصباح يحمد القوم الثرى, وعند النتائج وحصول الثمرات يعرف الفرق العظيم والتفاوت الكثير,
مكثا فيهما مدة الدراسة وترقى كل واحد منهما في علومهما وتروى من معينهما, وأخذ كل منهما الشهادة بنجاحه التام المناسب لحاله, فماذا صار كل واحد منهما؟ وماذا أثمرت له المدرسة؟ وهل ارتفع بها وانخفض؟
لأن العلم ليس هو مجرد معرفة الألفاظ وفصاحة اللسان, ولا مجرد معرفة الصنائع, وإن كانت من الوسائل النافعة, ولكن العلم هو المرقي للأرواح مع الأجساد, الجامع بين مصالح الدين والدنيا, الموجه صاحبه وغيره لكل صفة حميدة وخصلة سديدة.
الأول: فإنه خرج من مدرسته فصيح اللسان, يحسن أن ينشئ الكلام وربما أحسن إنتاج بعض الصنائع, ولكن التعاليم الروحية قد فقدها
, قد أخذه العجب والزهو والغرور, وصار معجبآ بنفسه متكبرآ على أبناء جنسه, بل قد رأى والده من معاملته المذكورة لهما شئ كثيرآ, رأى نفسه أن يعرف أشياء لايعرفها العوام, وتخلق بأخلاق الأجانب أعدائه في الدين, قد فقد الفضيلة واتصف بالرذيلة, فياليت تعاليمه السابقة كانت لاغية هباء منثورا! لكنها مع ذلك زادته عتوآ كبيرآ ونفورآ.
فلما رأى والده ابنه بهذه الحالة أسقط في يده, ورأى أنه قد خسر ولده لأنه لا سبيل في الغالب إلى تلافيه واستدراك نقصه المطرد بعد ماغذته هذه المدرسة بزقومها, وسمومها ولم يقتصر هذا الأبن القعر على إحتقار الناس, بل أوصلته الجرأة على احتقار علوم الرسل وأديانهم, فأصبح أبوه من الخاسرين, وأضحى الأبن ملحد من الملحدين
أما الآخر الثاني: فإنه حين تخرج من مدرسته ونظرنا إلى ما جناه منها, فإذا هو ملئ عقلآ ودينآ وخلقآ وتواضعآ, لأن الدين بطبيعته هذه آثاره, رأيناه قد تمسك غاية التمسك بدين الإسلام, وبدت عليه أنواره وهدايته وإرشاده وتوجيهاته السديدة المستقيمة, وإذا هو الرجل الحقيقي بمعنى الكلمة, قد تسربل بالدين, وانبعث يدعو إلى الله على بصيرة, وينصر دينه وقومه النصر الصحيح, ويحثهم على كل خلق جميل, وينهاهم عن كل خلق رذيل, فأضحى علمآ يأتم به المهتدون, ونورآ يقتبس منه المؤمنون, وأصبح رجلآ دينيآ ودنيويآ, قد اسصتحب تعاليم الدين والتي جمعت جميع المصالح وذادت عن جميع القبائح مع الصدق الكامل والنصح الصادق والإصابة في القول والعمل, فأنجبرت به مصيبة أبيه, (مميز وظهر الفرق العظيم والتفاوت بينه وبين أخيه )
وإخفاق الأول ونجاح الثاني راجع إلى اختيار الوالد, فيا أيها الأباء المشفقون !! الله الله في أولادكم وأفلاذ أكبادكم الذين يخلفونكم وأنت أحياء وأموات, انظروا لهم واختاروا لهم ما ينفعهم وينفعكم, وإلا فلا تلوموا إلا أنفسكم.